بدأت الحكومة أمس التنفيذ العملانيّ لقرارها حظر النشاط العسكريّ والأمنيّ لـ”الحزب”، وعلم “أساس” أنّ مدّعي عامّ التمييز القاضي جمال الحجّار أصدر استنابات قضائيّة إلى كلّ الأجهزة الأمنيّة لتوقيف كلّ متورّط بإطلاق صواريخ ومسيّرات. تقول مصادر موثوقة لـ”أساس”: “خرج معظم الوزراء من جلسة الحكومة الأخيرة مع علامات استفهام كبيرة عن كيفيّة تطبيق هذه القرارات، في ظلّ العمل الأمنيّ السرّيّ الذي لا يزال يُغلّف عمل عناصر “الحزب”. والدليل عدم قدرة الإسرائيليّ حتّى الآن على وضع حدّ لإطلاق الصواريخ والمسيّرات”.
ردّ “الحزب” على قرار الحكومة بإصدار “إعلامه الحربيّ” سلسلة بيانات لعمليّات عسكريّة بعد بيان “الصواريخ النوعيّة”، وفقاً لتعبيره، التي طالت جنوب حيفا.
في المقابل، كانت إسرائيل تفرض جولة إخلاءات ثانية تكاد تفرّغ الجنوب من أهله، جنوب النهر وشماله، ممهّدةً لتوغّل برّي أقرب إلى الاجتياح، وصفته إسرائيل بعمليّة “تعزيز الدفاع الأماميّ عن بلدات الشمال”، وأعلنت “العمل في جنوب لبنان في عدد من النقاط الاستراتيجيّة وتشكيل طبقة أمنيّة إضافيّة”، مع العلم أنّ الإخلاءات طالت قرى حدوديّة أماميّة شبه “ممسوحة”، ومأهولة نسبيّاً، ولا رصاصة واحدة لـ”الحزب” فيها.
تبنّى الحزب أمس سلسلة من الهجمات بمسيّرات وإطلاق صواريخ طالت مواقع عسكرية إسرائيلية متفرّقة وصولاً إلى الجولان، إضافة إلى إسقاط مسيّرة إسرائيلية، واستهداف دبابات ميركافا في تلال كفرشوبا، وأطراف بلدة كفركلا الحدودية، مُدشّناً حرب استنزاف قد تكون طويلة، بعد عام ونصف من التزامه عدم الردّ على الاعتداءات الإسرائيلية.
لم يتأخّر الجناح العسكريّ لـ”الحزب” في وضع الحكومة أمام استحقاق تنفيذ قرارها الاستثنائيّ و”التاريخيّ” الصادر في 2 آذار، واختبار مدى قدرتها على التزام “بقرارها”، وهذه المرّة ممهورة بتوقيع الرئيس نبيه برّي وموافقته الكاملة. هذا مع العلم أنّ مصادر وزاريّة أكّدت لـ”أساس” أنّ مداخلة الوزيرة تمارا الزين في جلسة مجلس الوزراء كانت أقرب إلى “نَفَسَ” زميلَيها في “الحزب” ركان ناصر الدين ومحمد حيدر، فيما لاذ وزير المال ياسين جابر بالصمت المعبِّر.
وفق معلومات “أساس”، حصلت عمليّات إطلاق الصواريخ الأربعة من منطقة شمال الليطاني
لكنّ الغطاء الفعليّ أتى مباشرة من عين التينة، في ظلّ رفض قاطع من حركة “أمل” للردّ العسكريّ الذي تبنّاه “الحزب” في لحظة اختلال كبيرة في موازين القوى، ولحظة مفصليّة وتاريخيّة في مسار المنطقة برمّتها. وردّد برّي أخيراً، كما نقل زوّاره، أنّ “الأمور لم تعد نفسها بعد استشهاد السيّد حسن نصرالله، ويكفي أنّه فقد التواصل المباشر معه، وبتنا أمام أمر واقع لا يمكن التعاطي معه، وكأنّ الإعصار الذي ضرب المنطقة برمّتها و”الحزب” نفسه لم يحصل”.
وفق معلومات “أساس”، حصلت عمليّات إطلاق الصواريخ الأربعة من منطقة شمال الليطاني، فيما افتُتحت العمليّة الأولى التي طالت جنوب حيفا فجر الإثنين من منطقة واقعة، بحسب مصادر عسكريّة، بين الصرفند وعدلون في قضاء صور.
الحكومة واختبار التّنفيذ
في الوقائع، يمكن تلخيص قرار الحكومة بوجهين:
– سياسيّ يُشكّل علامة فارقة في تاريخ كلّ الحكومات المتعاقبة منذ التسعينيّات، بإعلان حظر النشاط العسكريّ والأمنيّ لـ”الحزب” “فوراً”، وحصر عمله فقط في المجال السياسيّ. واكتسبت كلمة رئيس الجمهوريّة في الجلسة الأخيرة بعداً غير اعتيادي، لجهة توجيه رسالة واضحة للخارج، أكثر من الداخل، بأنّ من “أطلق الصواريخ يتحمّل مسؤوليّة عمله، وليس على الشعب اللبنانيّ تحمّل مسؤوليّة عمليّة متهوّرة”. من جهته، كرّس نوّاف سلام رسميّاً للمرّة الأولى موقف الدولة بأنّ “نزع السلاح وتنفيذ الجيش خطّته وتوقيف المتورّطين بإطلاق صواريخ لن تؤدّي إلى حرب أهليّة، وما حدا يهدّدنا فيها”. هذا مع العلم أنّ رئيس الجمهوريّة لطالما أخذ هذا المعطى بالاعتبار.

أتى الردّ الأوّل على القرار من جانب رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد الذي وَصفه بـ”العنتريّات”، وبـ”حظر رفض العدوان”، وهو ما ضاعف من حجم الالتباس في ممارسات “الحزب”: هل كانت القيادة السياسيّة فعلاً على عِلم بما يُخطّط له الجناح العسكريّ أم لم تكن في الصورة واضطرّت إلى التغطية على قرار ستكون كلفته عالية جدّاً على “الحزب” نفسه وعلى لبنان؟
الجيش يعيد تموضعه، و”الحزب” يعلنها “حرباً مفتوحة”
لكن شكّل الموقف الصادر عن رئيس المجلس السياسيّ محمود قماطي أمس دليلاً قاطعاً على التوجّه الموحّد لـ”الحزب”، إذ أكّد “انتهاء سياق الصبر ولم يبقَ أمامنا سوى العودة للمقاومة، ولتكن حرباً مفتوحة”، متّهماً الحكومة بأنّها “هي الخارجة عن القانون”.
يُذكر أنّ بيان رعد أشار إلى ضرورة أن “تنأى الحكومة بالبلد عن افتعال مشاكل إضافيّة تدفع نحو تسعير الغليان والتوتّر”.
– البرنامج التنفيذيّ والعملانيّ من خلال طلب الحكومة من “الأجهزة العسكريّة والأمنيّة اتّخاذ الإجراءات الفوريّة، ومنع القيام بأيّ عمليّة عسكريّة أو إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة من الأراضي اللبنانيّة، وتوقيف المخالفين وفقاً لما تفرضه القوانين والأنظمة المَرعيّة الإجراء، ومن خلال الطلب من قيادة الجيش المباشرة فوراً، وبحزم، تنفيذ الخطّة التي عرضتها بتاريخ 16 شباط، بشقّها المتعلّق بحصر السلاح شمال الليطاني”.
الجيش والحكومة
فعلياً، وضعت الحكومة اللبنانيّة الجيش أمام أمرٍ واقعٍ بتنفيذ خطّته لسحب السلاح شمال الليطاني “بحزم”.
يُذكر أنّ إنذارات الإخلاء الإسرائيليّة، بموجتها الثانية أمس، ضمّت العشرات من قرى شمال الليطاني وجنوبه، فيما ضمّت لائحة الإنذار الأولى يوم الإثنين قرى على طول شريط جنوب الليطاني، وهو ما شكّل رسالة إسرائيليّة مباشرة للحكومة بأنّ إعلانها انتهاء حصر السلاح جنوب الليطاني ليس جدّيّاً.
أكّدت المعطيات قيام الجيش اللبنانيّ بإخلاء وإعادة تموضع لعدد من نقاطه العسكريّة المتقدّمة جنوباً، من ضمنها نقاط استُحدثت أخيراً لصدّ التسلّل الإسرائيليّ.
وفق معلومات “أساس” طُبعت جلسة الحكومة يوم الإثنين بإشكاليّتين أساسيّتين
مواجهة سلام-عون
وفق معلومات “أساس” طُبعت جلسة الحكومة يوم الإثنين بإشكاليّتين أساسيّتين:
– الأولى على خطّ رئيس الحكومة – قائد الجيش، إذ عرض العماد رودولف هيكل عدداً من الخيارات لعمل الجيش جنوب وشمال الليطاني في ظلّ الوضع العسكريّ الراهن، منها صدور قرار سياسيّ من الحكومة للجيش بصدّ الاعتداءات الإسرائيليّة، وهو ما لم يلقَ تأييداً من الحكومة، أو إعادة الانتشار في حال التقدّم البرّيّ الإسرائيليّ، وهذا ما حصل أمس، ومن جهة أخرى تنفيذ خطّة شمال الليطاني بتنسيق مع “الحزب” تفادياً لأيّ احتكاكات أو مواجهة، وهذا ما رفضه رئيس الحكومة بشكل قاطع، فنشأ توتّر داخل الجلسة.
إقرأ أيضاً: الدّولة تردّ على مباغتة “الحزب”: حظر أنشطته العسكريّة
– الثانية على خطّ رئيس الجمهوريّة – وزراء “القوّات اللبنانيّة” الذين طالبوا بحلّ “الحزب” و”محاسبة قيادته”، إضافة إلى ملاحقة عناصره العسكريّين، وإعلانه “منظّمة خارجة عن القانون”، وحاول وزراء “القوّات” التحفّظ على الصيغة المعتمدة باعتبارها دون المطلوب، فانفعل رئيس الجمهوريّة غضباً وتوجّه إليهم قائلاً: “كلّ مرّة بتشارعونا على النقطة والفاصلة، لم يعد هذا الأمر جائزاً، ولا موجب للتحفّظ إطلاقاً”، فسحب هؤلاء تحفّظهم، ولاحقاً رأى رئيس الحزب سمير جعجع أنّ “الكرة الآن في ملعب الجيش والأجهزة الأمنيّة لتنفيذ القرار، والبدء بتفكيك التركيبة العسكريّة والأمنيّة، واتّخاذ التدابير بحقّ من لا يمتَثل”.
لمتابعة الكاتب على X:
