لا تُقاس الخسائر الاستراتيجيّة بالمعارك التي تُخاض فقط، بل بتلك التي فشلت الدول في منعها أو تجنّبها. لم تخطئ إيران في الحساب العسكريّ وحده، بل في رصد وقراءة تحوّلات ومتغيّرات البيئة الداخليّة والإقليميّة والدوليّة، وفي فهم قوّة ردع خصومها وتتبّع تحرّكاتهم السياسيّة والعسكريّة.
إعلان خسارة إيران المعركة قبل أن تبدأ ليس تقدير موقف استباقيّاً، بل واقع استراتيجيّ محسوم. أربعة عقود ونصف من الأخطاء في الممارسات الداخليّة والخارجيّة، واستعراضات القوّة، وتحدّيات النفوذ، وتحالفات غير متوازنة، ساهمت كلّها في رسم معالم طريق الخسارة.
تؤكّد التحليلات والدلائل أنّ النظام الإيرانيّ انخرط في التصعيد في وضع ضعيف ومتخبّط استراتيجيّاً وسياسيّاً. المعركة التي تصرّ طهران على خوضها، هي متأخّرة، وليست من صنع خصومها فقط، بل نتاج أخطاء متراكمة يتمّ اليوم دفع ثمنها. ليست هناك مفاجأة، بل نتيجة طبيعيّة لسنوات من قرارات لم تحسب بدقّة حجم المخاطر.
خاضت إيران خلال 45 عاماً حروباً مباشرة وغير مباشرة عبر وكلائها في لبنان وسوريا واليمن والعراق، لكنّها اليوم تواجه خصوماً يمتلكون قدرة عسكريّة واستراتيجيّة تجعل الخسارة لا تُقاس بعدد الجولات، بل بالقدرة على إدارة البيئة الداخليّة والإقليميّة والدوليّة. أدّت أخطاء إيران الاستراتيجيّة على المستويَين الداخليّ والإقليميّ إلى تقلّص هامش المناورة أمام خصوم أكثر قدرة.
لا قدرة على منع الخسارة
خبرة إيران الطويلة في النزاعات منحتها القدرة على الردع والمواجهة وربّما أدوات التأثير والتحدّي، لكنّها لم تمنحها فرص منع خسارتها في المواجهة الجديدة مع تل أبيب وواشنطن.
تكشف هذه المواجهة الجديدة، في سياق معركة الإياب بعد تصعيد حزيران الماضي، أنّ الخسارة الاستراتيجيّة لإيران حدثت قبل أن تبدأ المعركة الفعليّة.
تكشف الخبرة الطويلة لإيران في الحروب، التي خاضتها بشكل مباشر أو عبر وكلاء، أنّ القدرة على المناورات العسكريّة والسياسيّة لم تعد مقياساً كافياً لتحقيق أهدافها
الإجابة على مجموعة من الأسئلة المحوريّة قد تساهم في فهم الأسباب الاستراتيجيّة وراء موقف إيران الحاليّ وأسباب هزيمتها المبكرة: لماذا خسرت إيران المعركة على الرغم من تاريخها العسكريّ الطويل وخبرتها في النزاعات الإقليميّة؟ كيف أثّرت تحالفاتها الإقليميّة وخياراتها السياسيّة على موقفها الحاليّ في مواجهة تل أبيب وواشنطن؟ إلى أيّ مدى كانت الفرص الدبلوماسيّة المهدورة، مثل الوساطات التركيّة–السعوديّة–المصريّة، حاسمة في هذا التصعيد؟ ما دور السياسات والقرارات الداخليّة الاقتصاديّة والسياسيّة في تحديد قدرتها على الردع ومنع الانزلاق في مواجهة من هذا النوع؟
تكشف الخبرة الطويلة لإيران في الحروب، التي خاضتها بشكل مباشر أو عبر وكلاء، أنّ القدرة على المناورات العسكريّة والسياسيّة لم تعد مقياساً كافياً لتحقيق أهدافها. على الرغم من قوّتها العسكريّة وخبرة التحرّك التكتيكيّ، جعل ضعف التقويم والتحليل المستقبليّ للتوازنات الإقليميّة والدوليّة من أيّ مواجهة جديدة اختباراً صعباً، وأصبح هامش المناورة الذي يسمح بالتحكّم بالتصعيد محدوداً جدّاً.
سوء التّنسيق بين الأجهزة والمؤسّسات
يكمن أحد أبرز أسباب الخسارة المبكرة أيضاً في سوء التنسيق بين الأجهزة العسكريّة والسياسيّة وقرارات اتُّخذت على أساس تقديرات غير دقيقة لسلوك الخصوم واستراتيجياتهم. أدّى هذا النقص في الرؤية والتقدير إلى تراكم نقاط ضعف لم تحُل دون انزلاق طهران نحو خيارات صعبة، قبل أن تبدأ أيّ مواجهة فعليّة.

الدرس الاستراتيجيّ هنا واضح: الخبرة العسكريّة الطويلة ليست ضماناً للنصر إذا لم تواكبها قدرة دقيقة على قراءة البيئة الإقليميّة والدوليّة والتوازنات السياسيّة، وتقدير المخاطر بشكل واقعيّ.
تواجه إيران اليوم خصوماً يمتلكون القدرة على فرض معادلة جديدة تحسم النتيجة قبل بدء المواجهة، وهو ما لم تتعامل معه بجديّة في تقويماتها الاستراتيجيّة، بما في ذلك دروس معركة حزيران الماضي.
خاضت إيران خلال 45 عاماً حروباً مباشرة وغير مباشرة عبر وكلائها في لبنان وسوريا واليمن والعراق، لكنّها اليوم تواجه خصوماً
رسمت إيران خلال أربعة عقود شبكة واسعة من التحالفات الإقليميّة، لكنّها لم تُحدث التكامل المطلوب مع البنى السياسيّة والاجتماعيّة في البلدان التي دخلتها، ولم تتوافق مع الواقع الاستراتيجيّ الإقليميّ الجديد. قلّص هذا النقص في التنسيق هامش المناورة ووضَع النظام في موقف دفاعيّ أمام خصوم أكثر قدرة على فرض معادلات محسوبة.
أظهرت الخيارات السياسيّة الإيرانيّة، بما فيها تجاه دول الجوار، والفرص الدبلوماسيّة المهدورة مثل الوساطات التركيّة–السعوديّة–المصريّة، ضعفاً واضحاً في استثمار تلك الفرص لتجنّب صراعات يمكن الوقاية منها.
قراءة المتغيّرات واستثمار الفرص
الدرس المركزيّ هنا أنّ القوّة الحقيقيّة للتحالفات لا تقاس بعدد الحلفاء أو مدى النفوذ المذهبيّ، بل بقدرة الدولة على قراءة المتغيّرات واستثمار الفرص الدبلوماسيّة بذكاء لمنع خوض معركة خاسرة. واقع إيران اليوم يبرهن أنّ نفوذها المذهبيّ، على الرغم من امتداده الجغرافيّ، لم يكن كافياً لحمايتها من الخسارة الاستراتيجيّة قبل بدء المعركة.
تراكمت الأخطاء الداخليّة في إيران عبر السنوات الأخيرة، من ضعف التنسيق بين الحرس الثوريّ والجيش والمؤسّسات الأمنيّة والسياسيّة، إلى صعوبة اتّخاذ قرارات استراتيجيّة متّسقة. أضف إلى ذلك سياسات اقتصاديّة متعثّرة بفعل العقوبات والعجز عن معالجة التحدّيات الداخليّة، فتقلّص هامش المناورة وضعفت القدرة على الردع في سياساتها الخارجيّة. جعل مجموع هذه العوامل مواجهة خصوم يملكون أدوات ضغط متعدّدة الأبعاد اختباراً شبه محسوم الخسارة قبل اندلاع أيّ اشتباك فعليّ.
الخسارة الاستراتيجيّة لإيران قبل بدء المعركة لم تكن مفاجئة، بل نتيجة حتميّة لأخطاء وأزمات داخليّة متراكمة. تتطلّب القيادة الفاعلة تكاملاً بين القوّة العسكريّة والسياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والقدرة على التقدير الواقعيّ للبيئة المحيطة، وهو ما افتقدته طهران في طريقها إلى هذه المواجهة.
إعلان خسارة إيران المعركة قبل أن تبدأ ليس تقدير موقف استباقيّاً، بل واقع استراتيجيّ محسوم
لم تبدأ خسارة إيران مع أوّل ضربة عسكريّة، بل مع سوء قراءة سلسلة من الرسائل السياسيّة والعسكريّة التي سبقت التصعيد: تحرّكات ميدانيّة واضحة، إعادة تموضع، رفع مستوى التنسيق بين الخصوم، وتصاعد في الخطاب. كانت كلّها مؤشّرات تذهب باتّجاه أنّ قواعد الاشتباك تتغيّر. إلّا أنّ طهران تعاملت مع هذه المؤشّرات باعتبارها امتداداً للضغط التقليديّ، لا تحوّلاً في طبيعة المعركة.
تمنح الرسائل المبكرة في الحرب، كما في السياسة، الدول إمكان مراجعة الحسابات قبل أن تُفرض الوقائع. لكنّ تجاهل تلك اللحظة حرم إيران تعديل المسار في الوقت المناسب. هكذا تحوّلت فرصة الاحتواء إلى مسار تصعيديّ مفتوح على كلفة غير محسوبة. لم تبدأ الخسارة مع الضربة الأولى، بل مع عدم التقاط اللحظة التي سبقتها.
تبدّل قواعد المرحلة
تتعامل طهران مع التصعيد باعتباره جولة تقليديّة يمكن إدارتها بالأدوات ذاتها التي استخدمتها في نزاعات سابقة، فيما كان خصومها يؤسّسون لمرحلة مختلفة بالكامل. ليست المواجهة القائمة اشتباكاً عسكريّاً جديداً وحسب، بل اختبار لمعادلة استراتيجيّة تبدّلت قواعدها.
إقرأ أيضاً: إيران… قبل خامنئي وبعده
لم تكن المشكلة في حجم القوّة العسكريّة الإيرانيّة بحدّ ذاتها، بل في طبيعة البيئة المقابلة التي تحوّلت إلى منظومة مترابطة عسكريّة واستخباريّة وسياسيّة وتقنيّة قادرة على تنسيق الضغط وتوزيعه بشكل متكامل.
لا تُقاس الخسارة هنا بعدد الجبهات المفتوحة، بل باختلال التوازنات وولادة معادلات إقليميّة جديدة تُرسم خارج إرادة طهران.
لمتابعة الكاتب على X:
