في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة، يتقدّم إلى الواجهة سؤال لم يعد نظريّاً: ماذا يعني أن تتحوّل فكرة استهداف القيادة العليا في إيران إلى خيار مطروح في حسابات الولايات المتّحدة وإسرائيل؟ لم يعد الحديث عن “الخطوط الحمر” النوويّة أو عن ضرب المنشآت كافياً لفهم الأحداث. يدور النقاش الآن حول الرأس، لا الأطراف، حول ما إذا كان إسقاط القيادة أو تصفيتها يمكن أن يختصر الصراع، يردع الخصم، أو يعيد تشكيل التوازنات الإقليميّة.
لا يعني هذا التحوّل، إن تأكّد، تصعيداً عسكريّاً وحسب. إنّه يعيد تعريف قواعد الصراعات المستقبليّة. تقليديّاً، سعت الدول إلى تحييد القدرات العسكريّة للخصم: منشآت، قواعد، منظومات تسليح. أمّا استهداف القيادة السياسيّة العليا فكان يُعتبر تجاوزاً خطِراً، لأنّه يفتح الباب أمام منطق الاغتيال السياسيّ كأداة مشروعة في العلاقات الدوليّة.
ثمّة من يجادل اليوم داخل الدوائر الاستراتيجيّة الأميركيّة في أنّ ضرب الحلقة الضيّقة المحيطة بالقرار في طهران قد يؤدّي إلى أحد احتمالين: إمّا إرباك النظام ودفعه إلى التراجع، أو تفجير تناقضاته الداخليّة بما يسرّع التغيير من الداخل.
يقوم الرهان هنا على فرضيّة أنّ النظام شديد المركزيّة، وأنّ تماسكه مرتبط بشخصيّات محدّدة. غير أنّ التجارب الإقليميّة تُظهر أنّ البنية السلطويّة غالباً ما تكون أعمق من الأفراد.
هل كان اغتيال بعض القادة مبكراً سينقذ أرواحاً؟
يطرح أنصار هذا المنطق سؤالاً صادماً: ماذا لو أزيح صدّام حسين في الثمانينيّات؟ ماذا لو انتهى حكم معمّر القذّافي قبل أن تنزلق ليبيا إلى عقود من القمع ثمّ الفوضى؟ ماذا لو تمّ التخلّص من بشّار الأسد في السنوات الأولى من الانتفاضة السوريّة قبل أن تتحوّل إلى حرب أهليّة مدمّرة أودت بمئات الآلاف وشرّدت الملايين؟
تحمل هذه الفرضيّات إغراءً أخلاقيّاً واضحاً: إنقاذ الأرواح عبر إزالة رأس النظام مبكراً. لكنّها أيضاً تختزل الصراعات في شخص واحد، وتتجاهل تعقيدات البنية السياسيّة والاجتماعيّة والأمنيّة التي تحيط به.
لم تُخفِ إسرائيل يوماً اعتمادها سياسة “الضربات الدقيقة” ضدّ قيادات تعتبرها تهديداً مباشراً لأمنها
أسلوب إسرائيل: الاغتيال كأداة استراتيجيّة
لم تُخفِ إسرائيل يوماً اعتمادها سياسة “الضربات الدقيقة” ضدّ قيادات تعتبرها تهديداً مباشراً لأمنها. من اغتيال قيادات في “حماس” داخل وخارج الأراضي الفلسطينيّة، إلى استهداف قيادات من “الحزب” مروراً بعمليّات نوعيّة طالت شخصيّات بارزة مثل حسن نصرالله في سياق المواجهة المفتوحة، اعتمدت إسرائيل نهجاً يقوم على إرباك الخصم وضرب مركز قراره.
الهدف المعلن دائماً هو الردع وإحداث صدمة داخل البنية القياديّة للخصم، بما يؤدّي إلى تعطيل خطوط القيادة والسيطرة، وخلق حالة من الشكّ وعدم الثقة داخل المنظومة المستهدَفة. لم يكن هذا الأسلوب تكتيكاً عابراً، بل جزء من عقيدة أمنيّة ترى أنّ تفوّق الاستخبارات والقدرة على الوصول إلى “الرأس” هو ما يعوّض محدوديّة العمق الجغرافيّ.
الواضح في المرحلة الأخيرة أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب يميل إلى تبنّي منطق مشابه: إظهار الحسم عبر استهداف القيادات العليا بوصفه رسالة ردع تتجاوز ساحة المعركة المباشرة. هذا التلاقي في المنهج بين واشنطن وتل أبيب، إن ترسّخ، قد يشكّل تحوّلاً في قواعد الاشتباك الإقليميّة والعالميّة.

في إيران، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً. النظام قائم على شبكة من المؤسّسات الدينيّة والعسكريّة والاقتصاديّة. استهداف القيادة العليا قد يربك القرار، لكنّه قد يدفع أيضاً إلى صعود جناح أكثر تشدّداً داخل المؤسّسة.
السؤال هنا ليس فقط: هل يمكن أن يؤدّي اغتيال القيادة إلى إنهاء الصراع؟ بل هل يمكن أن يؤدّي إلى تسريع انتقال منظَّم للسلطة أم إلى انفجار داخليّ غير محسوب؟
يُظهر التاريخ الحديث أنّ استراتيجيات “قطع الرأس” تنجح أحياناً في إضعاف جماعات مسلّحة صغيرة، لكنّها أقلّ وضوحاً عندما يتعلّق الأمر بدول ذات مؤسّسات راسخة، حتّى وإن كانت سلطويّة.
ماذا يعني أن تتحوّل فكرة استهداف القيادة العليا في إيران إلى خيار مطروح في حسابات الولايات المتّحدة وإسرائيل؟
القانون الدّوليّ: بين الدّفاع عن النّفس والسّابقة الخطِرة
قام القانون الدوليّ بعد الحرب العالميّة الثانية على مبدأ سيادة الدول وحظر استخدام القوّة إلّا في حالات الدفاع عن النفس أو بقرار من مجلس الأمن. يهدّد استهداف قيادة دولة ذات سيادة خارج ساحة قتال مباشرة هذا الإطار، لأنّه إذا جاز لدولة أن تقرّر منفردة أنّ زعيماً ما يشكّل خطراً وجوديّاً يستوجب إزالته، فإنّ الباب يُفتح أمام سابقة يمكن أن تستخدمها دول أخرى بالمنطق ذاته.
ليست المسألة تقنيّة بل تتعلّق بالمعايير المتّبعة: هل يصبح “التهديد المحتمل” مبرّراً كافياً للقتل الاستباقيّ؟ من يحدّد أنّ هذا التهديد وشيك وحقيقيّ؟
من منظور أمنيّ إسرائيليّ، قد يُنظر إلى استهداف القيادة الإيرانيّة كوسيلة لإرباك شبكة النفوذ الإقليميّ. أمّا في الحسابات الأميركيّة، قد تعني أيّ خطوة من هذا النوع انتقالاً من حرب ظلّ إلى مواجهة مفتوحة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الطاقة، الملاحة، والتحالفات.
يحمل الرهان على “الضربة الحاسمة” دائماً إغراءً سياسيّاً. لكنّه أيضاً يحمل مخاطرة التحوّل إلى حرب بلا سقف. السؤال الأخطر: من يملك قرار الحياة والموت؟ إذا بات اغتيال القادة أداة مشروعة في إدارة الصراعات، فمن يمنح الشرعيّة؟ هل يكفي أن يكون القائد خصماً استراتيجيّاً أم يجب أن يكون هناك معيار دوليّ واضح يضبط هذا القرار؟
إقرأ أيضاً: سقوط “عمود الخيمة”: أيّ إيران بعد مقتل خامنئي؟
يبقى القرار حتّى الآن بيد الدولة التي تملك القدرة العسكريّة. مع كلّ سابقة، يتآكل المحظور التاريخيّ الذي كان يفصل بين الحرب والاغتيال السياسيّ. في النهاية، ليس السؤال فقط: هل يؤدّي استهداف القيادة في إيران إلى إنهاء الصراع؟ بل ماذا سيبقى من النظام الدوليّ إذا أصبح قتل الرؤساء خياراً عاديّاً في صندوق أدوات السياسة؟
لمتابعة الكاتب على X:
