وصف المحلل السياسي الأميركي الإيراني الأصل كريم سجادبور، المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي بأنه” الرجل الذي دمر إيران”، أدى تمسكه بعقيدة “المقاومة” وعدم قدرته على التكيف مع المتغيرات إلى إهدار نصف قرن من تاريخ إيران، ففشلت البلاد في تحقيق التنمية بينما تقدمت دول المنطقة اقتصادياً، في حين ظل الشعب الإيراني يدفع الثمن الأكبر… فأدى طموحه وغطرسته في النهاية إلى سقوطه.”
اعتبر الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وكان قبل ذلك “كبير محللي إيران” في مجموعة الأزمات الدولية، ” أن خامنئي ومنذ تولى منصب المرشد الأعلى لإيران في حزيران 1989، الذي وصل اليه صدفة، أفصح عن شعوره بانعدام الأمن الذي سيُلازم حكمه الوحشي الذي دام 37 عاماً. قال في خطابه الافتتاحي: “أنا إنسان ذو عيوب ونقائص كثيرة، و” في الحقيقة، طالب في معهد ديني صغير.” فكان هذا، في ذلك الوقت، تقييماً دقيقاً لنفسه كرجل دين متوسط الرتبة في عالم الإسلام الشيعي الهرمي. غير أنه وبعد أن بدا غير مؤهل للحكم، أصبح على مدى العقود الأربعة التالية، أحد أطول الحكام المستبدين خدمةً في العالم، وأقوى رجل في الشرق الأوسط، مُهيمناً على خمس دول مُنهكة: سوريا، ولبنان، والعراق، واليمن، وغزة.”
وصف المحلل السياسي الأميركي الإيراني الأصل كريم سجادبور، المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي بأنه” الرجل الذي دمر إيران”
في رأي سيجادبور، هذا الطموح والغطرسة هما ما أدى في النهاية إلى سقوطه، الى جانب سياسته مفرط الوحشية المدفوعٍة بفكرة أن جزءاً كبيراً من مجتمعه وأكبر قوة عظمى في العالم يسعيان للإطاحة به، وهو ما حدث في النهاية.
كتب في صحيفة “نيويورك تايمز”: حرص خامنئي على الظهور بصورة رجل متدين بسيط يعيش حياة متقشفة. إلا أن تقارير عديدة أشارت إلى أنه كان يسيطر على ثروة هائلة بنيت على ممتلكات صودرت من إيرانيين بعد الثورة. وخلال فترة حكمه، بقيت إيران معزولة إلى حد كبير عن النظام المالي العالمي لعقود. كانت عملتها من بين العملات الأكثر انخفاضاً في العالم، وجواز سفرها من بين الأقل قبولاً، فيما كان الإنترنت فيها من الأكثر خضوعاً للرقابة. وفي الوقت نفسه، تحول نزيف العقول إلى أحد أبرز صادرات البلاد، إذ كان نحو 150 ألف إيراني يغادرون وطنهم سنوياً بحثاً عن فرص أفضل في الخارج.
أولويات التحدي لا التنمية
خارج الحدود الإيرانية، أضاف سيجادبور، استغل خامنئي الفراغات التي خلّفتها حرب العراق والانتفاضات العربية. وقد اعتمد في ذلك على ذراع عسكرية قوية تمثلت في قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري قاسم سليماني، الذي اغتيل في غارة أميركية أمر بها دونالد ترامب في كانون الثاني 2020. وفي حين كان الإيرانيون يعانون في الداخل من العقوبات القاسية والتضخم المرتفع، أنفق خامنئي عشرات المليارات من الدولارات لدعم ما سماه “محور المقاومة” في أنحاء الشرق الأوسط. وعلى مدى سنوات طويلة، وجدت إيران نفسها منخرطة فعلياً في مواجهة ثلاثية الجبهات: ضد الولايات المتحدة، وضد إسرائيل، وضد قطاعات واسعة من شعبها. كانت أيديولوجيته كقائد بسيطة وراسخة. شكّلت مقاومة “الغطرسة العالمية” أساس نظام معتقداته وعقيدته الاستراتيجية. قال لي الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي ذات مرة أن خامنئي كان يعتقد أن الجمهورية الإسلامية تتطلب العداء لأميركا.” ولقد أوضحت شعارات النظام الدائمة – “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل”، وليس “تحيا إيران” – أن أولويته كانت التحدي لا التنمية.“
بعد أن أشار سيجادبور الى مرحلة اعتقاد خامنئي بلوغ النفوذ الإقليمي لإيران ذروته عام 2023، فأشاد بهجوم حماس على إسرائيل، وأطلق يد حزب الله ووكلائه في المنطقة تعزيزا لهذا النفوذ”، عرض للمرحلة تراجع هذا النفوذ بشكل كبير “مع توجيه إسرائيل ضرباتٍ قاصمة لمحور المقاومة الإيراني واغتيال قادة بارزين من حلفاء، وتعرضها هي نفسها لضربات إسرائيلية وأميركية في حربٍ دامت 12 يوماً في حزيران 2025، وبعد أن قصفت إسرائيل المدن الإيرانية والمنشآت العسكرية، واغتالت كبار قادة الحرس الثوري في غرف نومهم ومخابئهم، ممهدةً الطريق أمام الولايات المتحدة لإسقاط 14 قنبلة خارقة للتحصينات على المواقع النووية الإيرانية، خرج خامنئي من تحت الأرض وتحدث بعد أيامٍ من الصمت، بصوتٍ أجش وبشرةٍ شاحبة، ليعلن النصر. فكان مشهداً يُراد منه إظهار القوة، لكنه في الواقع أبرز للعالم هشاشة النظام.”
حرص خامنئي على الظهور بصورة رجل متدين بسيط يعيش حياة متقشفة. إلا أن تقارير عديدة أشارت إلى أنه كان يسيطر على ثروة هائلة بنيت على ممتلكات صودرت من إيرانيين بعد الثورة
30000 قتيل من المتظاهرين
لكن أشد أعمال العنف والتدمير التي ارتكبها خامنئي، أضاف سيجادبور. فهي في الداخل، حين أمر في كانون الثاني 2026، ومع تصاعد الاحتجاجات على الوضع الاقتصادي في البلاد، بأشد حملة قمع دموية في تاريخ النظام، فتراوحت التقديرات بين 6800 قتيل، وفقاً لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الأميركية، و30 ألف قتيل في حملة استمرت 48 ساعة، وفقًا لتقديرات مسؤولين كبيرين في وزارة الصحة الإيرانية، كما ذكرت مجلة تايم. فكانت تلك ذروة يائسة لعقود من القمع، فعل رجل لم يفهم لغةً سوى القوة حين حوصر.
إقرأ أيضاً: الحرب وما بعدها
وختم سيجادبور مقاله بالقول: لقد بنى آية الله خامنئي حياته على فكرة واحدة: المقاومة. هذه الفكرة ساندته خلال السجن ومحاولات الاغتيال والعقوبات والانتفاضات. رفضه التكيف حسم مصير بلاده. لقد مثّلت فترة حكم الجمهورية الإسلامية، حتى الآن، نصف قرن ضائع لإيران. بينما أصبح جيرانها في الخليج العربي مراكز عالمية للتمويل والنقل والتكنولوجيا، أهدرت إيران ثروتها على مغامرات إقليمية فاشلة وبرنامج نووي لم يجلب لها سوى العزلة – كل ذلك في الوقت الذي كانت تقمع فيه وتبذر فيه أعظم مصدر لثروتها: شعبها.
لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا
