بدأ يتّضح، شيئاً فشيئاً، أنّ في العراق أزمة نظام، نظام غير قابل للاستمرار. لا مفرّ، في مرحلة ما، في حال كان مطلوباً إنقاذ البلد، من إيجاد صيغة جديدة للحكم فيه. ما بُني على باطل لا يمكن أن يستمرّ، خصوصاً في بلد متنوّع الديانات والمذاهب والقوميّات أرادت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران نقل تجربتها الفاشلة إليه.
إذا كان نظام “الجمهوريّة الإسلاميّة”، الذي في أساسه نظريّة “ولاية الفقيه”، فشل في إيران نفسها، فكيف يمكن له النجاح في البلد المجاور الذي اسمه العراق؟
في أساس أزمة النظام القائمة في العراق الجهل الأميركيّ لهذا البلد المعقّد، وهو جهل دفع إدارة جورج بوش الابن إلى الاعتقاد بإمكان تحويل العراق إلى نموذج لدولة ديمقراطيّة يمكن للنظام التعدّديّ فيها أن يكون مثالاً يحتذى به في كلّ أنحاء المنطقة.
كان الرأي السائد في واشنطن وقتذاك أنّ مجرّد سقوط النظام البعثيّ – العائليّ، الذي كان على رأسه صدّام حسين، كفيل بتحوّل العراق إلى دولة ديمقراطيّة تتنافس فيها الأحزاب على السلطة عبر صناديق الاقتراع، دولة تتسابق دول الجوار على الاقتداء بتجربتها.
بدأ يتّضح، شيئاً فشيئاً، أنّ في العراق أزمة نظام، نظام غير قابل للاستمرار. لا مفرّ، في مرحلة ما، في حال كان مطلوباً إنقاذ البلد، من إيجاد صيغة جديدة للحكم فيه
دور إيرانيّ محوريّ
ما لا بدّ من تذكّره دائماً أنّ الحرب الأميركيّة على العراق جاءت مباشرة بعد الحرب على أفغانستان نتيجة كارثة 11 أيلول 2001. يومذاك نفّذ تنظيم “القاعدة” الإرهابيّ، الذي كان على رأسه أسامة بن لادن، “غزوتَي” واشنطن ونيويورك. كان لا بدّ، أوّلاً، من التخلّص من نظام “طالبان” في أفغانستان، وهو النظام الذي وفّر ملجأ لأسامة بن لادن وعصابته. أسقطت إدارة بوش الابن التي كان يتحكّم بها “المحافظون الجدد”، نظام “طالبان”. لكن ليس معروفاً إلى اليوم لماذا قرّر الرئيس الأميركيّ، وقتذاك، الانتهاء من نظام صدّام حسين فيما لا يزال الجيش الأميركيّ في خضمّ حرب أفغانستان؟
ذهب الأميركيّون إلى العراق من دون خطّة واضحة ومن دون حليف حقيقيّ في المنطقة غير “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران التي لعبت دوراً محوريّاً في توحيد المعارضة العراقيّة من أجل التخلّص من النظام القائم في بغداد ووراثته. ذهب الأميركيّون إلى العراق حاملين أفكاراً ساذجة من نوع أنّ شيعة العراق عرب ومرجعيّتهم في النجف وليست في قم. لم يكن هناك إدراك أميركيّ لوزن الميليشيات الشيعيّة العراقيّة التي أدخلها الإيرانيّون إلى بغداد على دبّابات المحتلّ الأميركيّ!
شاهدت بأمّ عيني التنسيق الأميركيّ – الإيرانيّ في أثناء انعقاد مؤتمر لندن للمعارضة العراقيّة في كانون الأوّل 2002. جاء معظم أركان المعارضة، من شيعة وأكراد، إلى لندن في طائرة واحدة أقلعت من طهران. كانت واضحةً التعليمات الإيرانيّة إلى زعماء المعارضة الشيعيّة، الذين كان يمثّلهم الراحل عبدالعزيز الحكيم. قضت تلك التعليمات بالموافقة على الطرح الأميركيّ في المؤتمر.
الأهمّ من ذلك كلّه أنّ البيان الذي صدر عن مؤتمر لندن كان يتحدّث للمرّة الأولى عن “الأكثريّة الشيعيّة” في العراق الذي سيكون دولة “فدراليّة”. كان الهدف من إدراج كلمة “فدراليّة”، بتفسيراتها الكثيرة، استرضاء الأكراد في ضوء الحذر الذي كان يبديه مسعود بارزاني أمام المشهد الدائر أمامه. شارك بارزاني وقتذاك في مؤتمر لندن. كان يعلم، على حدّ قوله، أنّ قطار إسقاط صدّام حسين “انطلق” وأن لا مكان في العراق الجديد لمن لا يلتحق بهذا القطار. كانت الكلمة التي ألقاها مسعود بارزاني في مؤتمر لندن أفضل الكلمات على الإطلاق، إذ حذّر من “الانتقام” مشيراً في الوقت ذاته إلى جرائم النظام الصدّاميّ في حقّ الأكراد وفي حقّ أفراد عائلته.
لم يكن من مستفيدٍ من كلّ ما حدث في العراق منذ 2003 غير إيران. ما حدث كان زلزالاً غيّر موازين القوى في المنطقة بعدما صار العراق في جيب “الجمهوريّة الإسلاميّة”. فشل الخمينيّ طوال ثماني سنوات، بين 1980 و1988، في ابتلاع العراق. حقّق له الأميركيّون حلمه في 2003. خاضوا عمليّاً حرباً من أجل خدمة مصالح إيران لا أكثر.
ذهب الأميركيّون إلى العراق من دون خطّة واضحة ومن دون حليف حقيقيّ في المنطقة غير “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران التي لعبت دوراً محوريّاً في توحيد المعارضة العراقيّة
نظام سياسيّ جديد؟
يحاول الرئيس دونالد ترامب الآن، عن طريق التحذيرات التي يبعث بها، إلى كلّ من يعنيه الأمر في العراق، إصلاح خطأ استراتيجيّ عمره نحو ربع قرن. بدأ الخطأ بقرار خوض حرب العراق قبل الانتهاء من حرب أفغانستان والاعتقاد أنّ ثمّة فارقاً بين الإرهاب السنّيّ والإرهاب الذي تمثّله التنظيمات الشيعيّة الموالية لإيران والمنتشرة في كلّ أنحاء المنطقة، بما في ذلك العراق.
هل ينجح ترامب في إصلاح الخطأ الاستراتيجيّ الذي ارتكبه جورج بوش الابن ولعب دوراً في تعميقه باراك أوباما الذي اختزل كلّ مشاكل المنطقة وأزماتها في الملفّ النوويّ الإيرانيّ؟
ثبت، من خلال الممارسة، فشل النظام الذي قام في العراق في عام 2003. لا قدرة في بغداد على فرض نوري المالكي رئيساً للوزراء، خصوصاً في ضوء تهديد واشنطن بفرض عقوبات على العراق في حال عصيان رغبات دونالد ترامب. أكثر من ذلك، ليس ما يشير، حتّى إشعار آخر، إلى أنّ في الإمكان انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة. أمّا بالنسبة إلى “الفدراليّة”، لا يزال هناك أكثر من مفهوم لها.
إقرأ أيضاً:
بقي الآن أنّ على العراق البحث عن نظام سياسيّ جديد بعيداً عن الهيمنة الإيرانيّة. سيتوقّف الكثير على نتيجة المواجهة بين “الجمهوريّة الإسلاميّة” من جهة، والولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة أخرى. يصعب تجاهل دفع إسرائيل في اتّجاه حصول مواجهة عسكريّة مع إيران. يصعب خصوصاً تصوّر بقاء الوضع العراقيّ على ما هو عليه في غياب التغيير الذي يبدو أنّ إيران مقبلة عليه.
