مع بدء “عمليّات قتاليّة كبرى” أميركيّة بالتنسيق مع إسرائيل ضدّ إيران، حاول الرئيس دونالد ترامب أن يُمسك العصا من منتصفها: يُعلن هدفاً عسكريّاً محدّداً (“إزالة تهديدات وشيكة” عبر ضرب منظومات الصواريخ وشبكات الوكلاء)، لكنّه في الوقت نفسه يخاطب الإيرانيّين مباشرةً داعياً إيّاهم إلى “الاستيلاء على حكومتهم” بعد انتهاء الضربات، وهي لغة تُقرأ سياسيّاً كدعوة لتغيير النظام حتّى لو لم تُصَغ كـ”هدف رسميّ للحرب”.
ليست هذه الازدواجيّة تفصيلاً لغويّاً، بل هي آليّة إدارة مخاطر: يريد ترامب مساحة مناورة تُتيح له، إن نجحت الضربات وردعت طهران، القول إنّ العمليّة كانت “دفاعاً عن الأمن القوميّ” لا مشروع “احتلال أو إسقاط”. وإن تعثّر الردع أو اتّسعت الحرب، يبقى قادراً على تصعيد السقف السياسيّ وتحميل طهران مسؤوليّة “الفرصة الضائعة” أمام شعبها.
ما الذي يريده ترامب فعلاً؟
من نصوص خطابه المتداوَلة اليوم، يمكن رصد ثلاث طبقات:
1- الطبقة المعلَنة (الهدف العسكريّ): تحييد ما يسمّيه “تهديدات وشيكة” عبر ضرب البنية الصاروخيّة/البحريّة وشبكات الوكلاء، وربط ذلك بمنع إيران من استعادة قدرة نوويّة/توسيعها.
2- الطبقة الردعيّة (رسالة للنظام): تهديد مباشر لقوّات النظام، مع دعوات للاستسلام، بما يوحي أنّ استمرار القتال سيستنزف ركائز القوّة الصلبة للدولة.
3- الطبقة السياسيّة (رسالة للشعب): دعوة الإيرانيّين إلى “الإمساك بالحكومة” بعد انتهاء الضربات، وهنا يتحوّل الخطاب من ردعٍ عسكريّ إلى تفويض سياسيّ، حتّى لو لم يُعلن “تغيير النظام” كهدف رسميّ.
4- لم يعلن ترامب عقيدة “Regime Change” كهدف عمليّاتيّ مكتوب، لكنّه يتصرّف بخطاب يُنتج أثر “تغيير النظام” سياسيّاً وإعلاميّاً، وهو ما يرفع سقف الصراع، ويقلّص فرص “مخرج تفاوضيّ سريع” لأنّ طهران ستقرأه كتهديد وجوديّ لا عقاب محدود وحسب.
يعتبر نتنياهو أنّ أيّ تسوية لا تنتهي بتفكيك البنية العقائديّة والعسكريّة للنظام الإيرانيّ تبقى مؤقّتة وهشّة
في المقابل، تبدو إسرائيل أقلّ التباساً في خطابها. فبينما تتحاشى واشنطن إعلان “تغيير النظام” كهدف رسميّ، لا يخفي عدد من المسؤولين الإسرائيليّين أنّ المشكلة في نظرهم ليست في سلوك طهران فحسب، بل في طبيعة النظام نفسه.
منذ سنوات، يعتبر رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو أنّ أيّ تسوية لا تنتهي بتفكيك البنية العقائديّة والعسكريّة للنظام الإيرانيّ تبقى مؤقّتة وهشّة. لذلك يُقرأ الموقف الإسرائيليّ اليوم كرهان استراتيجيّ على أنّ إضعاف النظام إلى أقصى حدّ اقتصاديّاً وعسكريّاً ونفسيّاً قد يفتح الباب أمام تحوّل داخليّ، حتّى لو لم يُعلن ذلك صراحة كخطّة عمليّاتيّة.
ترى إسرائيل في لحظة المواجهة فرصة لإعادة رسم قواعد اللعبة الإقليميّة، بينما تتعامل واشنطن معها كعمليّة ردع قابلة للاحتواء. قد يصبح هذا الفارق في السقف السياسيّ عامل ضغط إضافيّاً على مسار الأزمة، خصوصاً إذا شعرت تل أبيب أنّ أيّ تهدئة سريعة ستُبقي الخطر قائماً بدل أن تنهيه.
حتّى الآن، تُظهر المؤشّرات المعلنة أنّ طهران تريد ردّاً يُعيد الردع من دون جرّ نفسها إلى مواجهة تُطيح بالنظام. ووفق تقارير اليوم، صدرت تهديدات إيرانيّة بـ”ردّ ساحق” مع تلميحات إلى اعتبار قواعد أميركيّة أهدافاً محتملة، بالتوازي مع واقع انتشار أميركيّ كبير في المنطقة يخلق نقاط ضعف بقدر ما يخلق قوّة.

عمليّاً، تميل خيارات طهران إلى مزيج من:
1- ضربات محسوبة صاروخيّة أو بمسيّرات على قواعد أو أصول حلفاء، مع تجنّب “عتبة القتل الجماعيّ” التي تُجبر واشنطن على توسيع الحرب.
2- تفعيل الساحات الرماديّة: هجمات سيبرانيّة، استهداف ملاحة، عمليّات بالوكالة لأنّها تُربك الخصم بأقلّ كلفة مباشرة.
3- تسويق داخليّ: تصوير الحرب كـ”عدوان خارجيّ” لتقليل أثر الدعوة الأميركيّة على الشارع الإيرانيّ.
لا أحد يستطيع الجزم كم ستستمرّ العمليّات العسكريّة، لكنّ نمط الصدام الأميركيّ-الإيرانيّ يعطي ثلاث مدد محتملة:
تفضّل إسرائيل وإدارة ترامب سقوط النظام لكنّ احتمال حصول ذلك منخفض حتّى لو وُجد غضب شعبيّ
1- صدمة قصيرة (من 72 ساعة إلى 10 أيّام)
تحدث إذا نجحت الضربات في إقناع طهران بأنّ كلفة التصعيد أعلى من جدواه، ووجدت واشنطن مصلحة في وقف النار بسرعة لتفادي اتّساع إقليميّ/اقتصاديّ (النفط والممرّات). تسعير الأسواق يُظهر حساسيّة عالية لأيّ تعطّل بالإمدادات، مع تقديرات أنّ خام برنت قد يقفز إذا حصلت صدمة عرض حتّى لو محدودة.
2- جولة متوسّطة (من أسبوعين إلى 6 أسابيع)
“عضّ أصابع” متبادَل: ردود إيرانيّة على قواعد/حلفاء، وردود أميركيّة-إسرائيليّة على منصّات إطلاق ومخازن وقدرات قيادة وسيطرة. يصبح هذا السيناريو مرجّحاً إذا أراد الطرفان “تسجيل نقاط” قبل فتح قناة وساطة (عُمان/سويسرا/قنوات خلفيّة). (التقارير قبل الضربات تحدّثت عن مسار تفاوضيّ وصل إلى لحظة انسداد).
3- حرب منخفضة الشّدّة طويلة (أشهر)
إذا اتّسعت الهجمات في البحار/الوكلاء، أو حدث خطأ حسابات (سقوط أعداد كبيرة من القتلى أو إصابة منشأة طاقة كبرى)، قد نرى “حرب ظلّ” مفتوحة زمناً، حتّى لو تراجعت الضربات الجوّيّة المباشرة.
تشبه شروط واشنطن لوقف الحرب إلى حدّ كبير استسلام النظام. يبقى احتمال ذلك محدوداً على المدى القصير لأنّ خطاب “خذوا حكومتكم” من قبل الرئيس ترامب يجعل التراجع أمام واشنطن يبدو في طهران كمدخل لانهيار الهيبة وربّما لانقسام داخل مؤسّسات النظام. كلّما شعر النظام أنّ الهدف هو بقاؤه، يميل إلى الصمود لا المساومة.
من المؤكّد أن تسعى دول المنطقة وروسيا والصين إلى إيجاد تسوية لوقف الحرب، واحتمال نجاح ذلك يتوقّف على توافر ثلاثة شروط:
1- ضربة تُضعف قدرات محدّدة دون المساس ببقاء النظام.
2- ضمانات مخرج (وساطة تتيح لطهران إعلان “الانتصار بالصمود” مقابل تنازلات تقنيّة).
3- رغبة أميركيّة في تجنّب المستنقع وتبعات الطاقة والإقليم.
يريد ترامب مساحة مناورة تُتيح له، إن نجحت الضربات وردعت طهران، القول إنّ العمليّة كانت “دفاعاً عن الأمن القوميّ”
تفضّل إسرائيل وإدارة ترامب سقوط النظام لكنّ احتمال حصول ذلك منخفض حتّى لو وُجد غضب شعبيّ لأنّ تغيير الأنظمة عبر القصف وحده نادراً ما ينجح ما لم يتزامن مع تفكّك داخل النخبة أو انتقال ولاءات أمنيّة/عسكريّة على نطاق واسع. قد يُحرّك الخطاب الأميركيّ الشارع، لكنّه أيضاً قد يدفع مؤسّسات الدولة إلى التكتّل دفاعاً عن الذات.
مع بدء العمليّات العسكريّة تبدو واشنطن كأنّها تريد حرباً لها نهاية (تحييد قدرات وفرض ردع جديد)، بينما تريد طهران ردّاً يعيد الردع دون فتح باب سقوطها. بين الهدفين مساحة واسعة للأخطاء.
إقرأ أيضاً: إيران… وخيار ألمانيا واليابان!
إذا بقيت الضربات ضمن “حزمة عسكريّة” ولم تتحوّل إلى “تفكيك للنظام”، فالنافذة الأكثر واقعيّة هي جولة متوسّطة تستمرّ أسابيع قبل العودة إلى قنوات التفاوض أو التهدئة المشروطة. أمّا إذا استمرّ الخطاب الأميركيّ في تقديم الحرب كفرصة “لإنهاء النظام”، فستتصرّف طهران على أنّها في معركة بقاء، وعندها تطول المواجهة وتتّسع ساحاتها.
لمتابعة الكاتب على X:
