ترامب يخوض حرب وجود نظام إيران

مدة القراءة 6 د

بدأت الحرب. تبدو سابقة في ظروفها وتفاصيلها إذا ما قورنت بحروب سابقة. ليست مفاجئة. جرى التحضير لها منذ أشهر على نحو مباشر وشفّاف. دفع البنتاغون بقواه البحريّة نحو مياه المنطقة. حاملات طائرات ومدمّرات وغوّاصات وقاذفات من أنواع وأحجام حديثة. بدا أنّ إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب اتّخذت قرار الحرب الكبرى منذ أن عادت قاذفات B2 الاستراتيجيّة من عمليّة قصف مفاعلات إيران النوويّة في حزيران الماضي. لكنّ السؤال: ماذا يريد ترامب؟

 

أطلق الرئيس الأميركيّ ما قال إنّها “عمليّة” عسكريّة ضدّ إيران. لم يتلفّظ بكلمة “حرب”، وهو الذي لطالما وعد ناخبيه بأنّها ليست صنعته، وأنّه آتٍ للتخلّص منها وإخراج بلاده من مستنقعاتها. كان وعداً انتخابيّاً يسهُل التراجع عنه خدمة لـ “مصالح الدولة”. أبلغ الأمّة الأميركيّة أثناء خطاب حالة الاتّحاد أمام الكونغرس أنّ إيران تمثّل “خطراً” على الولايات المتّحدة. فاجأنا وفاجأهم بإعلانه، لأوّل مرّة، أنّ إيران تملك برنامجاً صاروخيّاً ستصل نيرانه إلى الأراضي الأميركيّة.

العرض لم يكن كافياً؟

لم يسبق لترامب أن تحدّث عن برنامج إيران الصاروخيّ. استولى على خطابه، منذ انسحابه من الاتّفاق النوويّ عام 2018، هاجس القنبلة النوويّة. وحتّى حين ذهبت إسرائيل، ثمّ الأوروبيّون، إلى المطالبة بأن تشمل المفاوضات برنامج إيران الصاروخيّ، بقي ترامب، وهذا ما عوّل عليه الإيرانيّون، متمسّكاً بجوهر العلّة: القنبلة اللعينة. قبل أسابيع فقط صدر عن وزير الخارجيّة ماركو روبيو، ابن “المؤسّسة” الأميركيّة، أوّل إشارة رسميّة أميركيّة إلى أنّ ملفّ الصواريخ بات هدفاً.

الأرجح أنّ الحرب كانت مقرَّرة بشكلها الحاليّ، بالتحالف مع إسرائيل، قبل أشهر. تبادل الحليفان الزيارات العسكريّة التقنيّة بصمت، ووُضعت الخطط، وحُدّدت الأهداف. تُرك للقيادة السياسيّة أن تتبادل رسائل عدم التوافق الكامل، وهو ما استدعى هرولة رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو للقاء الرئيس الأميركيّ في واشنطن أخيراً. كان مطلوباً التعتيم وعدم الخروج ببيانات لترك هامش تخمين للجانب الإيرانيّ، وربّما الفرصة لتقديم اقتراح مفحِم يقنع ترامب بإعلان نصر نظيف من دون إطلاق طلقة واحدة.

لم يعطِ ترامب، ثمّ بعد ذلك نتنياهو، لإيران مجالاً للَبس وعدم فهم أهداف الحرب

لم يحمل وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي العرض المقبول إلى جنيف. تمسّكت إيران بتقنيّات “التشاطر” التي عُرفت بها منذ قيام الجمهوريّة عام 1979. قال العرض:

1- نتنازل عن مستويات التخصيب على ألّا تكون صفريّة.

2- نتنازل عن مخزون اليورانيوم على أن نحتفظ بقسم منه.

3- نقفل ملفّ البرنامج النوويّ وتُرفع العقوبات ولا يُفتح أيّ ملفّ آخر.

ترامب

فوق ذلك، ذهب عراقجي في نهاية يوم التفاوض إلى التبشير بالنهايات السعيدة.

تبادل مبعوثا ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، النظرات. لم يصدر عنهما ما يفسّر “فرح” عراقجي. استنتجت طهران المأزق وطلبت من الوسيط العمانيّ، وزير الخارجيّة بدر البوسعيدي، السفر إلى واشنطن لمحاولة ترميم ما انكسر في جنيف والبوح بما عجز وزير إيران عن البوح به. التقى الوزير بنائب الرئيس الأميركيّ جيه دي فانس، ثمّ كشف للإعلام الأميركيّ لاحقاً أنّ إيران مستعدّة لخيار “صفريّ” ينهي أخطار القنبلة. كان الكشف جللاً ومفاجئاً، ومع ذلك اختارت واشنطن الحرب.

ليست المفاجأة في الحرب بل في أهدافها. الحرب أداة من أدوات السياسة، فما هي الأهداف السياسيّة؟

إعادة تموضع شاملة؟

في إعلانه “العمليّة” العسكريّة أطلق ترامب عناوين ذات سقف أقصى. قدّم القرار بصفته ضرورة لأمن الأمّة الأميركيّة. لم يعُد الهدف البرنامج النوويّ ولا حتّى الصاروخيّ، بل إسقاط “الحالة” الإيرانيّة وإزالة النظام في طهران. أخرج من الخزائن العتيقة كشف حساب لما مارسته الجمهوريّة الإسلاميّة ضدّ المصالح الأميركيّة، بما في ذلك المجزرة التي ارتُكبت بحقّ قوّات المارينز في بيروت عام 1983. كان في البيت الأبيض حينها صقر من صقور الحزب الجمهوريّ، رونالد ريغن، الذي قرّر سحب قوّات بلاده بشكل مهين ومستغرَب من لبنان، فيما يعود صقر جمهوريّ هذه الأيّام ليردّ الإهانة ويصفّي حساباً تعذّر حينها التعامل مع واقعه.

في إعلانه “العمليّة” العسكريّة أطلق ترامب عناوين ذات سقف أقصى. قدّم القرار بصفته ضرورة لأمن الأمّة الأميركيّة

لم يعطِ ترامب، ثمّ بعد ذلك نتنياهو، لإيران مجالاً للَبس وعدم فهم أهداف الحرب. تبلّغت طهران على الهواء مباشرة أنّها حرب وجود، بما يفسّر سرعة إطلاق طهران ردّها الصاروخيّ ضدّ القواعد الأميركيّة في المنطقة داخل دول لطالما عملت وبذلت الجهد لمنع اللجوء إلى الخيار العسكريّ. باتت المنطقة جزءاً من بنك الأهداف، وبات على المنطقة أن تتموضع في خياراتها السياسيّة المقبلة وفق هذا الأمر الواقع، ولسان حال طهران يقول: “ومن بعدي الطوفان”.

لا سوابق يمكن الاعتماد عليها لفهم اللحظة وما بعدها. دفعت الولايات المتّحدة، محاطة بحلف متعدّد الجنسيّات، بعشرات الآلاف من الجنود لغزو أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 لإسقاط النظامين. اكتفت بقصف جوّيّ مكثّف لأسابيع لإسقاط نظام يوغوسلافيا السابقة عام 1999، فيما تولّى تمرّد داخليّ واسع، مدعوم بقصف من قوّات الناتو، إسقاط النظام في ليبيا عام 2011. فكيف يمكن إسقاط نظام إيران؟

إقرأ أيضاً: هل أعدّت واشنطن نظاماً إيرانيّاً بديلاً؟

السؤال صعب. لكنّ ما تخبرنا به الساعات الأولى لبدء الضربات يشي بحالة ذعر أصابت القيادة في إيران إلى درجة القيام بردّ سريع عبثيّ يكاد يكون عشوائيّاً ومتسرّعاً ضدّ أهداف في دول الخليج. تغيّر شكل المنطقة بعد الحرب. أثارت طهران برمشة عين جيرانها وأطاحت بتفاهمات أوقفت حالة الخصام، على الأقلّ منذ اتّفاق بكين مع المملكة السعوديّة عام 2023. باتت دول المنطقة المستهدَفة وما وراءها مضطرّة إلى التموضع وفق حقيقة أنّها جزء من الحرب، ويجب أن تكون جزءاً من مآلاتها التي يجب ألّا يحتكر تقريرها تحالف أميركيّ إسرائيليّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

إيران… وخيار ألمانيا واليابان!

لو كانت الأمور طبيعيّة بين أميركا وإسرائيل من جهة و”الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانيّة من جهة أخرى، لما كانت الحاجة إلى حرب تستهدف اقتلاع النظام الإيرانيّ. لا…

هل قرّر ترامب تغيير النّظام في طهران؟

مع بدء “عمليّات قتاليّة كبرى” أميركيّة بالتنسيق مع إسرائيل ضدّ إيران، حاول الرئيس دونالد ترامب أن يُمسك العصا من منتصفها: يُعلن هدفاً عسكريّاً محدّداً (“إزالة…

المهمّة الدينيّة للسّفير الأميركيّ في إسرائيل

على الرغم من أنّ دستور الولايات المتّحدة الأميركيّة ينصّ على فصل الدين عن الدولة، لم يغِب دور الدين عن اتّخاذ القرار السياسيّ الأميركيّ، خاصّة عندما…

في جنيف “إبداع” بالتنازلات وفي بيروت ضياع بالانتخابات

تفرض الأجواء المشدودة بين أميركا وإيران نفسها على الاستحقاقات اللبنانيّة، مثلما هي الحال في سائر دول المنطقة. ما يعتبره دبلوماسيّون غربيّون “لامبالاة” أميركيّة حيال دور…