على الرغم من أنّ دستور الولايات المتّحدة الأميركيّة ينصّ على فصل الدين عن الدولة، لم يغِب دور الدين عن اتّخاذ القرار السياسيّ الأميركيّ، خاصّة عندما يتعلّق القرار بالشرق الأوسط. إلّا أنّ هذا الدور كان يتراجع إلى حدّ الانحسار، أو يتقدّم إلى حدّ الانفجار، تبعاً لمدى ابتعاد أو اقتراب الرئيس الأميركيّ نفسه من حركة الأصوليّة الإنجيليّة الأميركيّة التي تطلق على نفسها اسم “الصهيونيّة المسيحيّة”، ويشغل أحد أركانها مايك هاكابي منصب سفير الولايات المتّحدة في إسرائيل.
ثمّة ملاحظة لا بدّ منها تتعلّق بالصفة “المسيحيّة” لهذه الحركة. فالمسيحيّة في قيمها ومُثلها وتعاليمها تتناقض كلّ التناقض مع ما تدعو إليه هذه الحركة من تعاليم وما تبثّه من قيم، ثمّ إنّها حركة تتهجّم على الكاثوليكيّة وتتطاول على البابا، ولا تتنكّر فقط للكنائس المسيحيّة المشرقيّة، وخاصّة الأرثوذكسيّة، لكنّها، كأيّ حركة أصوليّة دينيّة أخرى، تعتبر كلّ من هو خارجها محروماً من نعمة الخلاص.
صاحبة الصّوت المرجّح
أمّا الملاحظة الثانية فتتعلّق بـ”إنجيليّتها”. صحيح أنّ هذه الحركة خرجت أساساً من التيّار الدينيّ الإنجيليّ العامّ، إلّا أنّها خرجت عليه أيضاً، حتّى إنّ الكنائس الإنجيليّة الكبرى تقف من هذه الحركة، لاهوتيّاً وسياسيّاً، موقفاً سلبيّاً ورافضاً، كالكنيسة المشيخيّة والكنيسة الميثوديّة وسواهما، ويلتزم هذا الموقف أيضاً المجلس الوطنيّ لكنائس المسيح في الولايات المتّحدة، الذي يضمّ مجموعة كبيرة من الكنائس الإنجيليّة إلى جانب الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة.
من هنا، ليس السفير الأميركي في إسرائيل هاكابي دبلوماسيّاً محترفاً. فقد عيّنه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في هذا المنصب تقديراً لخدماته التي قدّمها له في الانتخابات الرئاسيّة الماضية من موقعه في الحركة الصهيونيّة المسيحانيّة. ذلك أنّ هذه الحركة تتمتّع بشعبيّة واسعة، خاصّة في الولايات الجنوبيّة. ولذلك تبدو وكأنّها صاحبة الصوت المرجّح في الانتخابات الرئاسيّة، وكذلك في انتخابات مجلسَي الكونغرس الأميركيّ.
السفير الأميركي في إسرائيل هاكابي دبلوماسيّاً محترفاً. فقد عيّنه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في هذا المنصب تقديراً لخدماته التي قدّمها له في الانتخابات الرئاسيّة
تأثّرت الصهيونيّة المسيحيّة بثلاث حركات تنطلق جميعها من تفسيرات للنبوءات الدينيّة الواردة في التوراة. تهتمّ الحركة الأولى بقضيّة مؤشّرات نهاية الزمن، وتهتمّ الحركة الثانية بقضيّة التقرّب من اليهود من أجل عودة المسيح، وأمّا الحركة الثالثة فيتركّز اهتمامها على الدفاع عن إسرائيل وعلى مباركتها. وعلى الرغم من تباين هذه الاهتمامات، بل وحتّى تناقضها أحياناً، تلتقي أوّلاً على التأويل الحرفيّ للتوراة، وتلتقي ثانياً على الإيمان بأنّ المستقبل الكارثيّ للإنسانيّة أمر مبرمج ومقرّر إلهيّاً، وتلتقي ثالثاً على وجوب مساعدة اليهود على التجمّع في فلسطين. وفي ضوء هذا الالتقاء على هذه القضايا الثلاث، تبرز خلفيّة ومعالم الارتباط بين الدينيّ والسياسيّ في أدبيّات هذه الحركات.
رأي شخصيّ؟
نظراً لانتشار هذه الحركة الدينيّة – الصهيونيّة في العديد من الولايات الأميركيّة، ونظراً لقوّتها الانتخابيّة المرجّحة، فقد ركب الرئيس دونالد ترامب، الذي ينتمي إلى ثقافة مختلفة تماماً، هذه الموجة حتّى وصل إلى البيت الأبيض. ولكنّ ذلك ليس من دون ثمن. ومن هذا الثمن تعيين هاكابي سفيراً، وقبل ذلك نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس والاعتراف بالجولان حقّاً لإسرائيل.
من هنا كان هاكابي منسجماً مع نفسه كركن من أركان الحركة المسيحانيّة الصهيونيّة في أميركا. فقد قال ما يؤمن به حقّاً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنّه كان يعبّر عن السياسة الأميركيّة… وإلى أن يثبت العكس!!
يذكر أنّ السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، كان قد أثار جدلاً واسعاً إثر تصريح أدلى به خلال مقابلة مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، أشار فيه إلى قراءة دينية تتحدث عن أرض تمتد “من النيل إلى الفرات”. وعندما سُئل عمّا إذا كان من الممكن أن تتحقق هذه الرؤية، قال إنه “لن يكون أمراً سيئاً لو أخذوا كل الأرض”، قبل أن يوضح لاحقاً أنّ حديثه جاء في سياق ديني، ولا يعكس تغييراً في السياسة الرسمية للولايات المتحدة تجاه حدود إسرائيل أو مسار التسوية السياسية.
