في جنيف “إبداع” بالتنازلات وفي بيروت ضياع بالانتخابات

مدة القراءة 6 د

تفرض الأجواء المشدودة بين أميركا وإيران نفسها على الاستحقاقات اللبنانيّة، مثلما هي الحال في سائر دول المنطقة. ما يعتبره دبلوماسيّون غربيّون “لامبالاة” أميركيّة حيال دور “الميكانيزم”، لا يقتصر على اكتفاء واشنطن بتفويض إسرائيل القصف اليوميّ ضدّ “الحزب” استباقاً لأيّ من الاحتمالين. ينسحب “الضياع” على مصير الانتخابات النيابيّة المقبلة. وتفتقد القوى المحليّة شيئاً من “الإبداع” الذي حصل في جنيف لافتراع مخرج لتأجيل استحقاق الانتخابات النيابيّة.

 

 

يدخل مصير التفاوض، أو المواجهة، بين واشنطن وطهران في حسابات الدول كافّة حول ما ينتظرها بعد انقشاع الرؤية.

في لبنان التفويض الأميركيّ لإسرائيل ساري المفعول في حال الحرب ضدّ إيران أو في حال التفاهم معها. وهو تفويض يلاحظ أعضاء في اللجنة الخماسيّة الأميركيّة الفرنسيّة العربيّة بشأن لبنان أنّ مصدره الانشغال الكلّيّ لواشنطن بالملفّ الإيرانيّ.

تفرض الأجواء المشدودة بين أميركا وإيران نفسها على الاستحقاقات اللبنانيّة، مثلما هي الحال في سائر دول المنطقة

تنازلات طهران في جنيف

تسجّل أوساط سياسيّة متابعة لمنصّة جنيف-مسقط التفاوضيّة، في حديثها إلى “أساس”، جملة مستجدّات إيجابيّة، وفق رؤيتها لنتائج الجولة الأخيرة، أبرزها:

  • قبول إيران، في سياق التنازلات التي أقدمت عليها، بدور الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة وحضور رئيسها رافائيل غروسي في جنيف. وهو تراجع إيرانيّ عن اتّهام الوكالة بالانحياز وتغطية حرب حزيران الأميركيّة الإسرائيليّة، يسمح للوكالة بمباشرة تفتيش منشآتها النوويّة راهناً وبعد الاتّفاق المحتمل.
  • موافقة إيران على خفض نسبة تخصيب اليورانيوم على أراضيها إلى الحدود الدنيا، أي أقلّ ممّا تسمح به معاهدة الحدّ من الانتشار النوويّ، مقابل طلب واشنطن تصفيره. وهذا يسمح بالتوصّل إلى تسوية الأمر.

أفكار لم تُطرح

  • قصرت المدّة التي جرى خلالها حديث مباشر بين الوزير الإيرانيّ عبّاس عراقجي وموفد ترامب ستيف ويتكوف، فالإعلان عن اللقاء المباشر وليس عبر الوسيط العُمانيّ يعني تخلّي طهران عن مكابرتها في رفض التبادل المباشر للأفكار. وقد يكون ما جرى مباشرةً أهمّ ممّا حصل أثناء الجلستين المطوّلتين (خلافاً للجولة السابقة) بين الوفدين.
  • لم يكتفِ الوسيط العُمانيّ وزير الخارجيّة حمد البوسعيدي باعتبار جولة أوّل من أمس واعدة، بل وصف اقتراحات طُرحت خلالها بـ”المبدعة والإيجابيّة”، وتحدّث بعض الإعلام الإيرانيّ عن أفكار “غير مسبوقة”. والأهمّ أنّ البوسعيدي انتقل إلى واشنطن حاملاً أفكاراً طُرحت وأخرى لم تُطرح.

تحتاط الأوساط نفسها فتتحفّظ في القول إنّ هذا لا يلغي احتمال اتّخاذ ترامب قرار الحرب لأنّ ما هو مخفيّ في التفاوض أكثر من المعلوم.

ينتظر أن تكرّ سبحة الترشيحات الإثنين المقبل من الأطراف كافّة خوفاً من أن تؤدّي المزايدات على رفض التمديد للبرلمان إلى زيادة الضياع، وبالتالي إلى فوز بعض المرشّحين للنيابة بالتزكية

أُحجية الانتخابات النّيابيّة

على قاعدة تأثير الوقائع الأميركيّة الإيرانيّة على الواقع اللبنانيّ، يدور حديث عن ميل أميركيّ إلى تأجيل الانتخابات النيابيّة في لبنان، مقابل تمسّك “الثنائيّ الشيعيّ”. تعدِّد مصادر سياسيّة جملة معطيات كالآتي:

  • يعود ما أوحى به السفير الأميركيّ ميشال عيسى وهو رأيه الشخصي على حد تعبيره، من تفضيل تأجيل الانتخابات النيابيّة المقرّرة في أيّار، إلى تفضيل واشنطن تأخير اختيار اللبنانيّين لممثّليهم في البرلمان إلى ما بعد انتهاء سحب سلاح “الحزب”. إضافة إلى الانشغال الأميركيّ بالملفّ الإيرانيّ، لا تريد واشنطن حصول “الحزب” على حصّة وازنة في البرلمان في ظلّ استمرار الالتفاف الشيعيّ حوله أكثر من السابق. حسب هذه الأوساط يجاري الجانب السعوديّ التوجّه الأميركيّ، ووفق معلومات المتابعين لهذا الموقف أنّ الجانب الفرنسيّ ليس بعيداً عنه. يقول هؤلاء إنّ ممثّلي الدول الثلاث أبلغوا موقفهم إلى رؤساء الجمهوريّة العماد جوزف عون، والبرلمان نبيه برّي، والحكومة نوّاف سلام وبعض القوى السياسيّة الفاعلة. قال بعضهم بوضوح: “لا نريد للبرلمان الجديد أن ينتخب الرئيس المقبل للجمهوريّة”، مع أنّ ولاية الأربع سنوات النيابيّة تنتهي قبل اقتراب نهاية ولاية الرئيس عون. وفي كلّ الأحوال قد يكون انقشاع الرؤية نتيجة المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة، التي يفترض أن تشمل سحب طهران يدها من دعم أذرعها في المنطقة، ومنهم “الحزب”، يساهم في إضعاف “الحزب” وتراجع قبضته على الوضع الشيعيّ.
  • “الثنائيّ الشيعيّ” متنبّه إلى الأهداف الأميركيّة من وراء تأجيل الانتخابات. ولذلك يصرّ “الحزب” والرئيس برّي على إجرائها كيفما كان. وقد عملا منذ أسابيع على التحضير للّوائح المشترَكة، مع رفض انتخاب المغتربين في الخارج، والاكتفاء بدعوتهم إلى الاقتراع في لبنان.
  • أبلغ الرئيس جوزف عون مَن فاتحه من السفراء والموفدين بالتمديد للبرلمان سنة أو سنتين أنّه لا يمكنه احتمال أيّ تأجيل للانتخابات بعدما وعد بإجرائها في خطاب القسم، وستشكّل سقطة للعهد. أمّا برّي فشدّد لهؤلاء على أنّ الأمر ليس في يده بل يتعلّق بموقف الحكومة، التي عليها إرسال مشروع قانون بالتمديد للبرلمان تبرّر فيه عدم قدرتها على إجراء الانتخابات. كان موقف سلام شبيهاً بموقف عون، وامتنع حتّى الأمس عن اقتراح أيّ تمديد للبرلمان، على الرغم من قول مصادر سياسيّة إنّه لا يمانع ضمناً تأجيل الانتخابات بين سنة وسنتين كي لا تُعتبر حكومته مستقيلة فور انتخاب البرلمان الجديد، ولأنّ استكمال إنجاز المطلوب منها إصلاحيّاً يحتاج إلى مدّة أطول في الحكم.

إقرأ أيضاً: الخماسية الدوليّة: ماذا جرى في اجتماع السفارة المصريّة؟

  • تسبّب موقف الحكومة المصرّ على اقتراع المغتربين للنوّاب الـ128 في دول الانتشار، من دون الدائرة المستحدَثة ذات الستّة نوّاب للاغتراب، بخلاف بين سلام وبرّي الذي يرفض و”الحزب” اقتراع المغتربين في الخارج. وأحرج برّي سلام بوجوب إصدار مراسيم انتخاب النوّاب الستّة في الانتشار وتوزيعهم على القارّات. وتحوّل الخلاف إلى تحدٍّ. فمن سيتولّى اقتراح تأجيل الانتخابات مع اقتراب نهاية مهلة تقديم الترشيحات التي تردّد كثر في الإقدام عليها جرّاء الضياع الذي خلّفته اقتراحات تأجيل الاستحقاق؟
  • يُنتظر أن تكرّ سبحة الترشيحات الإثنين المقبل من الأطراف كافّة خوفاً من أن تؤدّي المزايدات على رفض التمديد للبرلمان إلى زيادة الضياع، وبالتالي إلى فوز بعض المرشّحين للنيابة بالتزكية. وقد يقود ذلك إلى إجراء العمليّة الانتخابيّة لأنّه لا بديل قانونيّاً يؤجّلها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

التموضع بديل الانتشار: تركيا تُعيد ترتيب أوراقها في سوريا؟

قلّصت تركيا عديد قوّاتها في سوريا من خمسة ألوية إلى ثلاثة خلال الأشهر الأخيرة، في خطوة لم تُعلن رسميّاً، لكنّها تعكس انتقالاً مدروساً من مرحلة…

الضّفّة أوّلاً.. هناك تُدفن الدّولة الفلسطينيّة

ليست غزّة، على فداحة الكارثة الإنسانيّة التي تعيشها، المكان الذي يُحسم فيه مستقبل القضيّة الفلسطينيّة. تجري المعركة الحقيقيّة في مكان آخر: في الضفّة الغربيّة، حيث…

وليد جنبلاط يخوض المعركة القاتلة

بينما ينهمك اللبنانيون باليوميات التي يُعاد تدويرها، يتفرد وليد جنبلاط في قراءة مشهد إقليمي متسارع الوتيرة، وقد شد رحاله نحو الارتصاف في الجانب المشرق من…

طهران تروي عطش ترامب: سرّ حبّة المِسك الاقتصادية

في يوم ربيعيّ من شهر أيّار من عام 2003، وبينما كانت واشنطن تعيش نشوة إسقاط بغداد، وصل إلى فاكس السفير السويسريّ لدى إيران، تيم غولديمان،…