لا يُقاس السياسيّ في واشنطن بما يقوله مرّة واحدة، بل بقدرته على إعادة صياغة مواقفه دون أن يخسر نفوذه. أتقن ليندسي غراهام هذه المهارة. لكن في ملفّ الخليج، وخصوصاً في التوتّر السعوديّ – الإماراتيّ، لم يعد السؤال ما إذا كان يمارس مرونة استراتيجيّة، بل ما إذا كان يوازن بين الاستراتيجية والحساب الانتخابيّ.
يقدِّم غراهام كلّ تحرّك في المنطقة تحت عنوان واحد: مواجهة إيران. هذه هي البوصلة الثابتة. غير أنّ الإشكاليّة ليست في الهدف، بل في الطريقة. فعندما تتحوّل “مواجهة إيران” إلى مظلّة تبرّر الميل نحو طرف على حساب آخر، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام استراتيجية متماسكة أم أمام اصطفاف انتقائيّ؟
الوساطة… لكن من موقع مائل
مع تصاعد التباينات بين الرياض وأبوظبي في اليمن، وفي مقاربة ملفّات الطاقة والتحالفات، ظهر غراهام في موقع “الداعي إلى الوحدة”. لكنّه لم يكن وسيطاً متوازناً. لغته تجاه الإمارات كانت احتفائيّة، بينما بدت تصريحاته حيال المملكة السعوديّة أقرب إلى رسائل ضغط مبطّنة.
قدّم أبوظبي نموذجاً للحداثة السياسيّة والشريك الأكثر انسجاماً مع الرؤية الأميركيّة الجديدة، خصوصاً بعد اتّفاقيّات أبراهام. في المقابل، حمّل الرياض ضمناً مسؤوليّة أيّ تصدّع قد “يخدم إيران”.
هذا ليس حياداً دبلوماسيّاً، بل توجيه سياسيّ. وهو توجيه ينسجم تماماً مع رؤيته لإعادة تشكيل محور إقليميّ تقوده إسرائيل وتتموضع فيه بعض العواصم الخليجيّة وفق درجة اقترابها من هذا التصوّر.
يقدِّم غراهام كلّ تحرّك في المنطقة تحت عنوان واحد: مواجهة إيران. هذه هي البوصلة الثابتة. غير أنّ الإشكاليّة ليست في الهدف، بل في الطريقة
اصطفاف غير قابل للمراجعة
في هذا السياق، يتّضح أنّ ميله نحو الإمارات ليس معزولاً عن دعمه المطلق لإسرائيل. فالإمارات، عبر اتّفاقيّات أبراهام، أصبحت جزءاً من البنية الإقليميّة التي يراها غراهام امتداداً طبيعيّاً للتحالف الأميركيّ – الإسرائيليّ.
ليس دعمُ إسرائيل بالنسبة إليه موقفاً سياسيّاً عابراً، بل التزام عقائديّ. دعمَ تفوّقها العسكريّ، أيّدَ نقل السفارة إلى القدس، وساند الاعتراف بالجولان. في كلّ مواجهة، كان خطابه قاطعاً: إسرائيل تدافع عن نفسها، وعلى واشنطن أن تقف بلا تردّد معها.
حين تتقاطع أبوظبي مع هذا المسار، تبدو أقرب إلى رؤيته. وحين تتباين الرياض في مقاربة بعض الملفّات، ترتفع نبرة التحفّظ.
بمعنى آخر: ليس معيار التقويم مواجهة إيران فقط، بل أيضاً مدى الاندماج في معمار التحالف الذي تتمحور فيه إسرائيل.
حسابات الدّاخل
الأهمّ أنّ غراهام ليس سياسيّاً يعمل في فراغ. يُطرح مقعده في مجلس الشيوخ عن كارولاينا الجنوبيّة على جدول الانتخابات النصفيّة كلّ ستّ سنوات، وأُعيد انتخابه عام 2020. وبالتالي ستكون معركته المقبلة في انتخابات 2026.
صحيح أنّ كارولاينا الجنوبيّة تميل جمهوريّاً، لكنّ غراهام واجه سابقاً تحدّيات داخليّة من يمين الحزب، خاصّة من تيّارات أكثر تشدّداً. يمنحه دعمُه الصلب لإسرائيل وتشدّده حيال إيران رصيداً قويّاً لدى القاعدة المحافظة والإنجيليّة، وهي قاعدة حاسمة في أيّ انتخابات تمهيديّة جمهوريّة.
أمّا في ما يخصّ الخليج، فإنّ تبنّي خطاب “القيادة الحازمة” و”منع إيران من الاستفادة من الانقسامات” يعزّز صورته كصقر أمن قوميّ، وهي هويّة انتخابيّة رابحة داخل حزبه.
هنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل وساطته المنحازة جزء من رؤية استراتيجيّة خالصة أم هي أيضاً رسالة انتخابيّة تقول لقاعدته: أنا الحارس الصلب للتحالف مع إسرائيل، وأنا من يضبط إيقاع الحلفاء في مواجهة إيران؟
لا يمكن إنكار أنّ لغراهام بوصلة واضحة: احتواء إيران وتعزيز التحالف مع إسرائيل. لكنّ الوساطة في الخلاف السعوديّ – الإماراتيّ كشفت وجهاً آخر: ميلاً انتقائيّاً نحو الطرف الذي ينسجم أكثر مع تصوّره الإقليميّ
مرونة أم انتقائيّة؟
في المحصّلة، لا يمكن إنكار أنّ لغراهام بوصلة واضحة: احتواء إيران وتعزيز التحالف مع إسرائيل. لكنّ الوساطة في الخلاف السعوديّ – الإماراتيّ كشفت وجهاً آخر: ميلاً انتقائيّاً نحو الطرف الذي ينسجم أكثر مع تصوّره الإقليميّ.
لا يقطع مع الرياض، لكنّه لا يتردّد في الضغط عليها.
لا يكتفي بدعم أبوظبي، بل يرفعها نموذجاً.
هذا ليس تقلّباً عشوائيّاً، بل سياسة محسوبة لكن ليست محايدة.
إقرأ أيضاً: السويداء: بين هيبة الدولة وحسابات الإقليم
في واشنطن، يُكافأ السياسيّ الذي يبقى مؤثّراً. وغراهام يعرف أنّ التأثير لا يتحقّق فقط بالثبات، بل أيضاً بإعادة التموضع عند الحاجة. غير أنّ السؤال الذي سيلازمه مع اقتراب انتخابات 2026 هو: هل يرى فيه الناخبون رجل استراتيجية طويلة النفس أم سياسيّاً يجيد تعديل بوصلته بما يحفظ موقعه؟
الفرق بين الاثنين قد لا يبدو كبيراً في العاصمة الأميركيّة، لكن في السياسة هو كلّ شيء.
