التموضع بديل الانتشار: تركيا تُعيد ترتيب أوراقها في سوريا؟

مدة القراءة 5 د

قلّصت تركيا عديد قوّاتها في سوريا من خمسة ألوية إلى ثلاثة خلال الأشهر الأخيرة، في خطوة لم تُعلن رسميّاً، لكنّها تعكس انتقالاً مدروساً من مرحلة الانتشار العسكريّ الكثيف إلى إعادة تموضع محسوبة فرضتها التحوّلات الميدانيّة والسياسيّة بعد سقوط نظام بشّار الأسد نهاية عام 2024. فقدت القواعد العسكريّة التي كانت تُستخدم نقاطَ مراقبة بموجب تفاهمات مسار آستانة جانباً كبيراً من مبرّر وجودها، لا سيما في ريف إدلب الجنوبيّ وريف حلب الغربيّ، مع تبدّل موازين القوى على الأرض.

 

تعتزم أنقرة تنفيذ خطّة شاملة لإعادة هيكلة وانتشار قوّاتها في الشمال السوريّ بما يتناسب مع الواقع الجديد. ولا تعني هذه الخطوة انسحاباً كاملاً، بل انتقال إلى نموذج انتشار أقلّ كثافة وأكثر ارتباطاً بترتيبات أمنيّة مشتركة، مع الإبقاء على نقاط تمركز أساسيّة تضمن استمرار آليّة الردع الحدوديّ.

يبدو أنّ أنقرة سرّعت تنفيذ هذه الخطّة عقب سيطرة الجيش السوريّ على حيّي الشيخ مقصود والأشرفيّة في حلب، وما تبع ذلك من تراجع “قسد” في الرقّة ودير الزور الذي مهّد للاتّفاق الأمنيّ الموقّع نهاية كانون الثاني، وأعاد رسم خريطة النفوذ في شماليّ وشرقيّ البلاد. تشير المعطيات إلى أنّ العلم التركيّ سيبقى مرفوعاً في النقاط الحسّاسة، خصوصاً في المناطق التي جرى انتزاعها من سيطرة “قسد”، بما يشمل الاحتفاظ ببعض القواعد في عفرين، تل أبيض في محافظة الرقّة، ورأس العين في محافظة الحسكة، ضمن صيغة انتشار مخفّف لكن مستمرّ.

تعتزم أنقرة تنفيذ خطّة شاملة لإعادة هيكلة وانتشار قوّاتها في الشمال السوريّ بما يتناسب مع الواقع الجديد

من العمليّات العسكريّة إلى إعادة التّوازن

يواكب هذا التحوّلَ توجّهٌ تركيٌّ لإعادة تفعيل اتّفاقيّة أضنة الموقّعة عام 1998 بين أنقرة ودمشق، والتي منحت تركيا حقّ تنفيذ عمليّات بعمق يصل إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي السوريّة، وفق التفسير التركيّ للاتّفاق، لملاحقة التهديدات الإرهابيّة. يجري اليوم بحث تحديث الاتّفاق ليواكب الواقع الجديد، عبر تحويله من إطار أمنيّ محدود إلى صيغة تعاون مؤسّسيّ أوسع قد تشمل مراكز تنسيق لوجستيّة وتدريبيّة وعمليّاتيّة مشتركة في مناطق استراتيجيّة.

منذ عمليّة درع الفرات، مروراً بعمليّتَي غصن الزيتون ونبع السلام، وصولاً إلى عمليّة درع الربيع، رسّخت أنقرة حضوراً عسكريّاً واسعاً في شماليّ سوريا، وأنشأت عشرات القواعد ونقاط المراقبة. وقد مثّل هذا الانتشار عنصراً حاسماً في رسم موازين القوى ومنع تشكّل ما تصفه تركيا بـ”الممرّ الكرديّ” على حدودها الجنوبيّة.

غير أنّ المشهد الإقليميّ تغيّر جذريّاً بعد سقوط نظام الأسد، فتراجع الدور الإيرانيّ، وانحسر الوجود الروسيّ إلى الساحل، وتسارعت خطوات واشنطن لدمج “قسد” ضمن الدولة السوريّة بالتوازي مع انسحاب تدريجيّ لقوّات التحالف الدوليّ. دفعت هذه المعطيات مجتمعة أنقرة إلى إعادة تقويم تموضعها العسكريّ بما ينسجم مع واقع أقلّ احتكاكاً مباشراً وأكثر اعتماداً على الترتيبات المؤسّسيّة.

المشهد الإقليميّ تغيّر جذريّاً بعد سقوط نظام الأسد، فتراجع الدور الإيرانيّ، وانحسر الوجود الروسيّ إلى الساحل، وتسارعت خطوات واشنطن لدمج “قسد” ضمن الدولة السوريّة

إعادة تموضع لا انسحاب

في هذا السياق، أكّد وزير الدفاع التركيّ يشار غولر أنّ بلاده لا تنوي سحب قوّاتها في الوقت الحالي، مشدّداً على أنّ أيّ قرار بالمغادرة مرتبط بتحقيق استقرار كامل وضمان معايير الأمن. ويعكس هذا الموقف رؤية تركيّة تعتبر الوجود العسكريّ في سوريا امتداداً مباشراً لأمنها القوميّ، وورقة تأثير في معادلة الاستقرار الإقليميّ.

عليه، لا يمكن توصيف ما يجري بأنّه انسحاب بقدر ما هو إعادة صياغة للدور العسكريّ التركيّ. يعكس خفض القوّات إلى ثلاثة ألوية ثقة نسبيّة بالترتيبات الجديدة، لكنّه لا يلغي الحضور التركيّ ولا أدوات النفوذ التي راكمتها أنقرة خلال السنوات الماضية.

في موازاة ذلك، يعكس التوتّر المتصاعد بين أنقرة وتل أبيب تبايناً أعمق في مقاربة مستقبل سوريا. فبينما تركّز تركيا على تثبيت وحدة الأراضي السوريّة ومنع أيّ تهديد لأمنها عبر الحدود الجنوبيّة، تبدو إسرائيل معنيّة بالحفاظ على توازنات إقليميّة تمنع تشكّل سلطة مركزيّة قويّة بالكامل.

إقرأ أيضاً: الكرد بين الدّاخل والخارج: أوجلان وعبدي نموذجاً

تتّهم أنقرة تل أبيب بمحاولة التأثير في المسار السوريّ عبر قنوات سياسيّة وأمنيّة مختلفة لعرقلة جهود إعادة بسط سلطة الدولة وترتيب التفاهمات الجديدة. وفي هذا السياق، يظلّ ملفّ “قسد” أحد عناصر الخلاف، لكنّه ليس جوهر التوتّر. تتّصل المسألة برؤية كلّ طرف لشكل النظام الإقليميّ المقبل، واعتبار سوريا منطقة نفوذ وساحة احتكاك سياسيّ وأمنيّ أكثر منها ساحة مواجهة مباشرة.

لا يمثّل تقليص الوجود العسكريّ التركيّ من خمسة ألوية إلى ثلاثة انسحاباً، بل مرحلة انتقاليّة في مسار إعادة صياغة الدور التركيّ داخل سوريا. تعيد أنقرة ترتيب تموضعها بما يتلاءم مع المتغيّرات الجديدة، مستندة إلى شراكة أمنيّة متنامية مع دمشق، مع الحفاظ على خطوطها الحمر الحدوديّة ونفوذها الاستراتيجيّ. وبين انتشار أقلّ وحضور أكثر تنظيماً، تحاول بلورة تفاهم استراتيجيّ طويل الأمد مع الإدارة السوريّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ManhalBaresh

 

*كاتب سوري

مواضيع ذات صلة

في جنيف “إبداع” بالتنازلات وفي بيروت ضياع بالانتخابات

تفرض الأجواء المشدودة بين أميركا وإيران نفسها على الاستحقاقات اللبنانيّة، مثلما هي الحال في سائر دول المنطقة. ما يعتبره دبلوماسيّون غربيّون “لامبالاة” أميركيّة حيال دور…

الضّفّة أوّلاً.. هناك تُدفن الدّولة الفلسطينيّة

ليست غزّة، على فداحة الكارثة الإنسانيّة التي تعيشها، المكان الذي يُحسم فيه مستقبل القضيّة الفلسطينيّة. تجري المعركة الحقيقيّة في مكان آخر: في الضفّة الغربيّة، حيث…

وليد جنبلاط يخوض المعركة القاتلة

بينما ينهمك اللبنانيون باليوميات التي يُعاد تدويرها، يتفرد وليد جنبلاط في قراءة مشهد إقليمي متسارع الوتيرة، وقد شد رحاله نحو الارتصاف في الجانب المشرق من…

طهران تروي عطش ترامب: سرّ حبّة المِسك الاقتصادية

في يوم ربيعيّ من شهر أيّار من عام 2003، وبينما كانت واشنطن تعيش نشوة إسقاط بغداد، وصل إلى فاكس السفير السويسريّ لدى إيران، تيم غولديمان،…