نبيه برّي حرّيف في السياسة. الآخرون هواة مقارنة به. بمقدوره سحب اللاعبين من حوله إلى البحر وردّهم عطشى. قلب معادلة المطالبة بالتمديد من الدفاع إلى الهجوم. بعدما كان المبادر إلى طرح تسوية تقضي بتأجيل تقنيّ للانتخابات مقابل تصويت غير المقيمين للـ128 نائباً في الداخل بعد إلغاء الدائرة الـ16، صار هو من يرفض التمديد، ويتدلّل على الآخرين للقبول به، مقابل شروط وأثمان، فيما يُبلغ اللبنانيّين يوميّاً أنّ الاستحقاق في موعده.
قبل نحو عشرة أيّام من موعد إقفال باب الترشّح، لا يزال الاستحقاق النيابيّ قانوناً قائماً، لكنّ إجراءه مطوّق سياسيّاً. يشي المناخ العامّ المحيط بأنّ قطار التمديد وُضع على سكّته، لكنّ الطبخة لم تنضج بعد. الخلاف على مدّة “تعليق” الاستحقاق لم يذلَّل بعد، ويقوم بين من يريده لعام واحد فقط يمكّنه من فرض التغيير في موازين قوى البرلمان، وبين من يريده لعامين للاعتبارات ذاتها.
كانت كلّ المؤشّرات تدلّ على أنّ رئيس الجمهوريّة جوزف عون يدفع باتّجاه إجراء الانتخابات في موعدها لأكثر من سبب، منها خروج كتلة نيابيّة مؤيّدة له ترفع من حصّته في الحكومة المقبلة، ومنها أنّ التمديد هو كسر للعهد في عامه الثاني. أمّا الآخرون فيريدون التأجيل لكن بأقلّ الأضرار والأثمان الممكنة. تكمن المعضلة في أنّ البحث لا يزال جارياً عن تقاطع على تحديد هذه الأضرار والأثمان للانطلاق بمشروع التمديد.
قبل نحو عشرة أيّام من موعد إقفال باب الترشّح، لا يزال الاستحقاق النيابيّ قانوناً قائماً، لكنّ إجراءه مطوّق سياسيّاً
مفاجأة الدّورة الاستثنائيّة
يفاجئ رئيسا الجمهوريّة والحكومة الرأي العامّ بتوقيع مرسوم لفتح دورة استثنائيّة لأنّ الدورة الاستثنائيّة الحاليّة التي فُتحت مطلع العام لإقرار الموازنة العامّة تنتهي يوم غدٍ في 28 شباط. أمّا الدورة العاديّة المقبلة فتبدأ يوم الثلاثاء بعد 15 آذار، أي في 17 آذار، وبالتالي لا سبب ملحّاً لفتح الدورة الاستثنائيّة إلّا إقرار التمديد، خصوصاً أنّ أكثر من نائب يجزم عدم وجود مشاريع قوانين جاهزة أو ملحّة يجب إقرارها قبل موعد 17 آذار.
وفق آخر المعطيات يتبيّن الآتي:
- لا يزال رئيس الجمهوريّة يجزم أمام زوّاره أنّ الحكومة ماضية في إجراءاتها ما دام مجلس النوّاب لم يقدم على التمديد لنفسه، ويؤكّد أنّه لم يسمع من أيّ من السفيرين الأميركيّ ميشال عيسى والسعوديّ وليد البخاري كلاماً عن التمديد.
- يثير إصرار الرئيس برّي على إجراء الانتخابات في موعدها لغطاً والتباساً حول حقيقة موقفه. إذ بينما يرى البعض أنّ هذا الإصرار يعقّد مشروع التمديد، لأنّه سيكون صعباً على الرئيس برّي التراجع عن موقفه ليسير بالتمديد وكأنّ شيئاً لم يكن، خصوصاً أنّ رئيس المجلس يرفض تأجيل الاستحقاق لعام واحد كما هو مطروح، يرى البعض الآخر أنّ التمديد لعامين هو “خدمة” للثنائيّ الذي لا يريد تفويت هذه الفرصة.
في هذا السياق، تفيد المعلومات أنّ برّي أبلغ صراحة مستشار رئيس الجمهوريّة أندريه رحّال أنّ التمديد لن يمرّ إلّا إذا بُني على مشروع قانون يأتي من الحكومة، ويكون التمديد فيه على الأقلّ لعامين.
- تؤكد مصادر رسمية مطلعة عدم نضوج التسوية السياسية التي ستكرّس التمديد، وما فتح الدورة الاستئنائية إلّا مبادرة من جانب رئيس الحكومة لكي لا يُتهم بتعطيل التشريع خلال المدة الفاصلة قبل فتح الدورة العادية، سواء لناحية تعديل قانون الانتخابات أو لناحية التمديد اذا ما تمّ الاتفاق عليه.
- حتى اللحظة، لم تُقدّم أي مراجعة أمام مجلس شورى الدولة بتعميم وزير الداخلية القاضي بفتح باب الترشح مستثنياً المقاعد الستة المفترض إضافتها في الدائرة 16. يتردد أنّ المتحمسين للطعن، تراجعوا عن هذا الخيار خشية من أي يصدر حكم “الشورى” بغير ما تشتهيه سفن المُمَدين.
وفق مطّلعين، ليس طرح التعديل الحكوميّ مستجدّاً، وأساسه أداء وزير الخارجيّة يوسف رجّي غير المقبول من أكثر من طرف
تفيد المعطيات أنّ رئيس الحكومة نوّاف سلام ليس بوارد تبنّي مشروع قانون يقضي بالتمديد، لا بل سيترك وزير الداخليّة أحمد الحجّار يمضي في إجراءاته التي “حصّنها” باستشارة هيئة الاستشارات التي تجاهلتها في جلستها الأخيرة التي عُقدت أمس. ووفق معلومات كان مجلس الوزراء اتّفق في الجلسة ما قبل الأخيرة، وبعد الاطّلاع من وزير الداخليّة على مضمون الاستشارة، على تخصيص جلسة لمناقشة الاستشارة بشكل مفصّل لاتّخاذ موقف منها، بمعنى تبنّيها أو رفضها.
لكن يبدو، وفق المعلومات، أنّ رئيس الحكومة قرّر “التطنيش” على الأمر لتُترك المسألة عند وزير الداخليّة الماضي في خطوات إجراء الاستحقاق، بانتظار حسم ما ليس بيده.
- كان يُنتظر أن تنهمر الترشيحات على وزارة الداخليّة خلال الأسبوع المقبل، قبل موعد إقفال الباب في 10 آذار، خصوصاً أنّ المهلة الفاصلة قد لا تحسم مسار التمديد، لكنّ فتح الدورة الاستثنائيّة قد يعيد تبريد الترشيحات إذا ما دعا برّي إلى عقد جلسة تشريعيّة يُفترض أن تكون مصيريّة في حسم مصير الانتخابات.
- حتى الآن تترك القوى السياسية احتمال حصول الانتخابات، قائماً. وهي بذلك تمارس “الخبث السياسي” من خلال الإيحاء بأنّ التمديد حاصل، من باب تبريد الماكينات غير الحزبية، وفرض الاستحقاق كتهريبة.
إقرأ أيضاً: السّراي عن التّعديل الوزاريّ: “بعد بكّير”
ملهاة التّعديل
في الأثناء، بدت التسريبات عن تعديل حكوميّ أشبه بالدخان المسيّل للدموع ومن باب إلهاء الرأي العامّ بحثاً عن “الوزراء الضحايا” أو الـNominees المرشّحين للخروج من الحكومة. الهدف الأساس من هذه التسريبات هو إقناع الناس أنّ التمديد صار أمراً واقعاً، و”الحلوينة” هي وجوه وزاريّة جديدة قد تساعد على “هضم” فضيحة التمديد.
وفق مطّلعين، ليس طرح التعديل الحكوميّ مستجدّاً، وأساسه أداء وزير الخارجيّة يوسف رجّي غير المقبول من أكثر من طرف. وبالتالي هو أوّل “المفصولين” من الصفّ الحكوميّ. لكنّ خروجه سيُستتبع حكماً بتشكيلة وزراء سيرافقونه من مختلف القوى السياسيّة على قاعدة 6 و6 مكرّر الطائفيّة والسياسيّة. ولهذه الورشة مقتضياتها وصعوباتها.
يُذكر أنّ التعديل يُبنى على أساس مرسوم يرفعه رئيس الحكومة ويوقّعه رئيس الجمهوريّة، ويُفترض أن تطلب الحكومة بعد صدوره الثقة من جديد.
لمتابعة الكاتب على X:
