لم يعُد الحديث المجدي عن انتخابات أيّار أنّها ستجرى في موعدها، بل كيف الوصول إلى مخرج تأجيلها بتمديد ولاية البرلمان الحاليّ، والبحث عن فدائيّ تتلطّى الكتل وراءه بغية التوصّل إلى ما تريده، وهو الإبقاء على المجلس الحاليّ سنتين على الأقلّ. ما كان ينقص المشهد إلّا أن تنضمّ الخماسيّة الدوليّة إلى المنادين بتمديد الولاية وتصدُّر الصفوف.
قدّم الكلام المنسوب إلى الخماسيّة الدوليّة دفعاً مشجّعاً للمتحمّسين لتعطيل انتخابات أيّار وصولاً إلى تمديد ولاية البرلمان الحاليّ. كان رئيس المجلس نبيه برّي مَن كشف عنه، ثمّ أصدر مكتبه توضيحاً لم ينفِ المضمون لكن دونما تأكيد هويّة الجهة صاحبة الكلام المُدلى به، بغية خفض منسوب التوتّر لا أكثر. الكلام صحيح، ومكان صدوره معروف، وصاحبه كذلك. فكيف إذا أُضيف إلى ذلك كلّه جفاء بين رئيس المجلس والسفير الأميركيّ ميشال عيسى وقد انقضى وقت دونما أن يلتقيا.
لم يعُد الحديث المجدي عن انتخابات أيّار أنّها ستجرى في موعدها، بل كيف الوصول إلى مخرج تأجيلها بتمديد ولاية البرلمان الحاليّ
موقف مفاجئ؟
قبيل انعقاد اجتماع القاهرة الثلاثاء الفائت الممهِّد لاجتماع باريس في 5 آذار المقبل لدعم الجيش وقوى الأمن الداخليّ، التأمت الخماسيّة الدوليّة في مقرّ السفارة المصريّة بحضور ثلاثة ضيوف هم سفراء بريطانيا وألمانيا والاتّحاد الأوروبيّ، لأنّهم معنيّون باجتماع باريس وبغية التنسيق فيما بين السفراء الثمانية. في خلال المداولات تحدّث السفير الأميركيّ كاشفاً أمام الحاضرين عن موقف مفاجىء يستبعد إجراء الانتخابات النيابيّة العامّة في الموعد المقرّر لها في أيّار لسببين عزاهما إلى عدم حسم مسألتَيْ تصويت المغتربين وعدم بتّ الميغاسنتر وجدهما دافعَيْن يبرّران تأخير الانتخابات. بيد أنّ المهمّ أنّه بدا مهتمّاً بالتعبير عن موقفه هذا علناً أمامهم. بينما لزم السفراء الآخرون الصمت بَانَ السفير السعودي وليد البخاري متفهّماً وجهة نظر زميله الاميركي وميّالاً اليها. كانا السفيران الوحيدان من الثمانية تناولا الموضوع بينما لزم الباقون الاصغاء. في وقت لاحق زار سفراء الخماسيّة قائد الجيش العماد رودولف هيكل وانتهز السفير الأميركيّ المناسبة كي يعيد تأكيد الموقف نفسه المستبعِد للاستحقاق في معرض إبراز حجّة مختلفة هي أولويّة حصر السلاح في يد الدولة اللبنانيّة وتنفيذ المرحلة الثانية منه بدءاً من جنوب نهر الأوّلي.
سُرِّب كلام عيسى إلى نوّاب حملوه للتوّ إلى برّي فكشف عنه. على الأثر أخذت الخماسيّة الدوليّة على رئيس المجلس ردّ فعله الذي صوّر كلام السفير الأميركيّ بأنّه موقفها بسفرائها الخمسة، مع أنّ الاجتماع لم يكن مخصّصاً لها، ولا ذاك البند كان في جدول أعمالها، ولم تكن وحدها الحاضرة مع وجود ثلاثة سفراء أوروبيّين آخرين غير معنيّين بالخماسيّة الدوليّة ودورها.
مع صدور إيضاح رئيس المجلس هدأ السجال في الموضوع، دونما أن يُسحَب من التداول، وبات يعبِّر عنه سفير دولة كبرى هي الأكثر تأثيراً في الخماسيّة الدوليّة، ويحظى بتأييد سفير دولة إقليميّة كبرى ذات تأثير يلي الأوّل. المفاجأة أنّ السفير الفرنسيّ هيرفي ماغرو راح يجاري الرأي نفسه، فاجتمع بذلك ثلاثة من خمسة في الخماسيّة الدوليّة على تحبيذ تأجيل انتخابات أيّار.
مع ذلك لم يصدر عنها موقف علنيّ يطلب تمديد ولاية البرلمان الحاليّ لسببين على الأقلّ مرتبطين بخفر سياسيّ: أوّلهما اللياقة الدبلوماسيّة التي تمنع سفراء دول أيّاً كانوا من الظهور في مظهر مَن يتدخّل في شؤون داخليّة واستحقاقات محليّة في البلد المنتدَبين إليه. ثانيهما أنّ موقفاً كهذا يتناقض تماماً مع الغاية التي نشأت من أجلها الخماسيّة الدوليّة بصفتها ممثّلة المجتمعَين العربيّ والدوليّ مكلّفة مساعدة لبنان على الخروج من مآزقه الدستوريّة وأوّلها آنذاك مبرّر نشوئها، وهو إنهاء شغور رئاسة الجمهوريّة وتوفير ظروف انتخاب رئيس جديد للدولة، توسَّع لاحقاً إلى المساعدة على تسمية رئيس مكلّف للحكومة. إذاً حين شجّعت أخيراً على تأجيل استحقاق دستوريّ هو الانتخابات النيابيّة العامّة كان موقفها على طرف نقيض ممّا هي مدعوّة إليه.
لا مخرج لتمديد الولاية إلّا في مجلس النوّاب الذي يملك هذه الصلاحيّة كما في سني الحرب وأعوام 2013 و2014 و2017، ويملك تقصيرها كما في عام 1992
التّمديد ممكن؟
ممّا بات يقيناً في حسبان سفراء الخماسيّة الدوليّة الذين يجتمعون فرادى بنوّاب الكتل أن لا أحد مستعجل على انتخابات أيّار من غير أن يجهر أمام السفراء بأنّهم جاهزون للإفصاح عن موقفهم السلبيّ، عبر دورانهم من حول فكرة واحدة: كيف المخرج للتخلّص من الانتخابات في أيّار وتمديد الولاية بين خيارات ثلاثة: سنة، سنتين، ولاية كاملة.
لا مخرج لتمديد الولاية إلّا في مجلس النوّاب الذي يملك هذه الصلاحيّة كما في سني الحرب وأعوام 2013 و2014 و2017، ويملك تقصيرها كما في عام 1992. ما يعلنه برّي أنّه لن يدعو المجلس إلى الالتئام لمناقشة أيّ تعديل لقانون الانتخاب النافذ، ويرفض على نحو قاطع في المقابل تأجيل انتخابات أيّار. في المقابل ليست الطريق إلى تمديد الولاية شائكة بالقدر المتصوَّر لبضعة أسباب، منها:
1 ـ في آخر الشهر الحالي 28 شباط ينتهي العقد الاستثنائي الاول ويدخل البرلمان في اجازة الى 17 آذار، موعد العقد العادي الاول الذي يستمر الى 31 ايار.
بفتح عقد استثنائيّ ثانٍ أمس ينتهي عشيّة موعد الالتئام العاديّ، تُفهَم الرسالة ببُعد صريح: الفسح في المجال مجدّداً أمام البرلمان لمناقشة تعديلات الحكومة لقانون الانتخاب في ظلّ إصرار معلن لرئيسَيْ الجمهوريّة والحكومة على إجراء الانتخابات في موعدها وفق قانون متوافَق عليه، وهو ما يصطدم حتماً بموقف رئيس المجلس الرافض الخوض فيه، لكن المتقاطِع مع الرئيسين جوزف عون ونوّاف سلام على المضيّ في الانتخابات في موعدها، وفي الوقت نفسه المتعارض معهما بإزاء القانون النافذ. بذلك يفقد العقد الاستثنائيّ جدوى عجلته ما دامت معضلة عدم انعقاد المجلس تراوح مكانها.
إقرأ أيضاً: انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟
ولأنه مُجرَّب، من غير المستبعد تكرار ما سبق ان خبره اللبنانيون في برلمان 2009. في 31 ايار 2013، اليوم الاخير في العقد العادي الاول التأم ومدّد لنفسه سنة ونصف سنة امتدت الى 20 تشرين الثاني 2014، ثم من بعده تمديد ثان حتى عام 2017 بذريعة الشغور الرئاسي، فثالث حتى الوصول الى انتخابات 2018.
2 ـ استمرار عقبة تصويت الانتشار العالقة، سواء بالنسبة إلى انتخاب ستّة نوّاب قارّيّين، أو بالنسبة إلى العقبة المكمّلة لتلك العالقة بدورها بين تصويت الانتشار لـ128 نائباً في السفارات والقنصليّات أو على الأراضي اللبنانيّة. إلى الشقّ القانونيّ في المشكلة، يقف الاشتباك السياسيّ في طريق إجراء الاستحقاق في موعده. ومن غير المستعبد اتّصافه بالافتعال بغية بلوغ تأجيل انتخابات أيّار. هي اللعبة نفسها جرّبها بنجاح برلمان 2009 لدى وصوله إلى عام 2013 منقسماً من حول قانون الانتخاب.
3 ـ قبل بلوغ اليوم الأوّل في العقد العاديّ الجديد يكون باب الترشيحات للانتخابات قد أُقفل في 10 آذار، وهو مؤشّر إلى الطريقة التي سيُصار فيها إلى إخراج تمديد الولاية.
