الأزمة الماليّة: الفلسطينيّون ينتظرون حلول السماء

مدة القراءة 6 د

تجلس السلطة الفلسطينيّة على حافة الانتظار تترقّب “حلول السماء” بعدما “انتهت حلول الأرض”، كما قال وزير الماليّة الفلسطينيّ أسطيفان سلامة خلال مؤتمر صحافيّ في رام الله قبل أيّام بشأن الأزمة الماليّة التي تعصف بالحكومة.

 

قدّم سلامة صورة سوداويّة للوضع الاقتصاديّ، واصفاً عام 2026 بأنّه الأصعب ماليّاً في تاريخ السلطة، مع موجز سريع لأبرز الإحصاءات الماليّة، مثل بلوغ الدَين حوالي 15.5 مليار دولار، بسبب احتجاز إسرائيل 4.4 مليارات دولار (حوالي 13 مليار شيكل) من أموال المقاصّة.

المقاصّة هي أموال الجمارك التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينيّة بموجب بروتوكول باريس الاقتصاديّ الموقّع بين الجانبين عام 1995. بموجبه تحصل إسرائيل على 3% من قيمة ما تجبيه، بينما تقوم بتحويل بقيّة المبلغ للسلطة، ويشكّل حوالي 70% من إيراداتها العامّة.

تواصل إسرائيل منذ شهر أيّار الماضي احتجاز أموال المقاصّة وترفض تحويل دولار واحد منها للسلطة، وقد فشلت الجهود الدوليّة في ثني إسرائيل عن ذلك، بل إنّ وزير الماليّة الإسرائيليّ بتسلئيل سموتريتش يهدّد بـ”تصفير” المقاصّة، أي مصادرتها بالكامل وعدم إرجاعها تحت ذرائع مختلفة.

تجلس السلطة الفلسطينيّة على حافة الانتظار تترقّب “حلول السماء” بعدما “انتهت حلول الأرض”، كما قال وزير الماليّة الفلسطينيّ أسطيفان سلامة

التّهديد الوجوديّ

يمكن وصف تصريحات وزير الماليّة الفلسطينيّ بأنّها أكبر مكاشفة ومصارحة مع الرأي العامّ منذ فترة طويلة، وتعكس الواقع الحقيقيّ للأزمة الماليّة التي تعيشها الحكومة الفلسطينيّة، خاصة أنّ قوله: “حلول الأرض انتهت، وبقيت حلول السماء”، يحمل دلالة على عمق الأزمة وضيق الخيارات المتاحة أمامه.

تعقيباً على ذلك، قال الخبير الاقتصاديّ مؤيّد عفانة لـ”أساس” إنّ “الحلول والمرونة الفنيّة لدى وزارة الماليّة “تتضاءل وتتراجع”، بعدما “استنفدتها بالكامل” لتوفير إيرادات ماليّة وتجنيد الموارد، من بينها إبرام تسويات ماليّة مع الهيئات المحليّة ومع شركات توزيع الكهرباء والمياه بقيمة 600 مليون شيكل، وقد جرى إنفاق هذا المبلغ بالفعل. إلى ذلك تمّ تحصيل ضرائب مقدَّمة من الشركات الكبرى والبنوك وشركات الاتّصالات”، مضيفاً أنّ “وزارة الماليّة “استنفدت كلّ الخيارات والوسائل المتاحة لديها”، ولم تعد لديها أدوات فنّية إضافيّة للتعامل مع الأزمة القائمة”.

بيّن عفانة أنّ صندوق الطوارئ الذي جرى إنشاؤه خصّيصاً لدعم الخزينة العامّة كان من المفترض أن يجمع نحو مليار و200 مليون دولار، لكن لم يصل إليه سوى 250 مليون دولار فقط، أي ما يعادل سدس المبلغ المعلن فانعكس ذلك فجوة كبيرة في التمويل.

أشار إلى أنّ أموال المقاصّة محتجَزة بالكامل لدى إسرائيل منذ شهر أيّار، على الرغم من الوعود المتكرّرة بالإفراج عنها كلّياً أو جزئيّاً، وفي ظلّ ذلك تعيش السلطة الفلسطينيّة حاليّاً على الإيرادات المحليّة فقط، التي تجمعها وزارة الماليّة، وكانت تصل في أفضل مستوياتها إلى نحو 400 مليون شيكل شهريّاً، لكنّها تراجعت بسبب الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصاديّة إلى نحو 250 مليون شيكل شهريّاً، نتيجة انكماش الحياة الاقتصاديّة وعوامل ومؤشّرات متعدّدة.

الأرقام تكشف حجم الفجوة

أوضح عفانة أنّ الحكومة تحتاج إلى نحو 720 مليون شيكل شهريّاً لصرف 60% من رواتب الموظّفين فقط، تضاف إليها النفقات التشغيليّة للسلطة الفلسطينيّة، وهو ما يعني الحاجة إلى قرابة مليار ونصف مليار شيكل شهريّاً لتغطية التزامات الشركات والمستشفيات والمحروقات وقطاعات التربية والتعليم، في حين أنّ المتاح فعليّاً لا يتجاوز 250 مليون شيكل من الإيرادات المحليّة.

قبل شهر رمضان بيومين، تمكّنت السلطة الفلسطينيّة من صرف 60% من رواتب موظّفيها، لكنّ هذه النسبة التي دأبت السلطة على صرفها منذ شهور تبدو في مهبّ الريح

أضاف: “لا تلوح في الأفق أيّ بوادر حاليّاً لدعم ماليّ دوليّ قبل شهر حزيران، ومن المتوقّع عقد اجتماع لآليّة بيغاس، واجتماع للبنك الدوليّ في نهاية العام”، مؤكّداً أنّ رسالة وزير الماليّة “واقعيّة وتعبّر عن المتاح والموجود”.

قبل شهر رمضان بيومين، تمكّنت السلطة الفلسطينيّة من صرف 60% من رواتب موظّفيها، لكنّ هذه النسبة التي دأبت السلطة على صرفها منذ شهور تبدو في مهبّ الريح أيضاً. إذ قال عفانة إنّ استمرار صرف 60% من الرواتب “أمر صعب”، مرجّحاً أن تنخفض هذه النسبة خلال الفترة المقبلة نتيجة محدوديّة التدفّقات الماليّة إلى الخزينة العامّة.

أكّد أنّ نسبة الصرف تتحدّد وفقاً لحجم التدفّقات الماليّة، محذّراً من أنّ غياب الدعم الخارجيّ المجدي وعدم الإفراج عن أموال المقاصّة سيجعلان المرحلة المقبلة “صعبة جدّاً”.

أكّد عفانة ضرورة عدم الاكتفاء بتوصيف الواقع، بل بلورة استراتيجية وطنيّة على المستويَين الدوليّ والمحلّيّ، محذّراً من أنّ الخنق الاقتصاديّ القائم ينذر بخنق وغضب اجتماعيّ داخليّ، وهو ما وصفه بـ”الخطِر”، مشيراً إلى أنّ الناس تحت ضغط كبير، ولا أحد يعلم متى يمكن أن ينفجر الوضع.

أضاف أنّ الظروف الحاليّة تؤدّي حتماً إلى الانهيار، “لكنّنا لم ننهَر بعد”، لافتاً إلى أنّ الواقع متغيّر في إقليم متغيّر، وأنّه عندما توقّفت أموال المقاصّة توقّع عدم قدرة السلطة على الاستمرار، لكنّ بعض الإجراءات الفنيّة سمحت باستمرار الحدّ الأدنى من التسيير.

إقرأ أيضاً: مجلس السّلام: معاني إقصاء السلطة الفلسطينية

عام 2026 صعب وثلاثة سيناريوات للمرحلة المقبلة

رجّح عفانة أن يكون عام 2026 عاماً صعباً، لاعتبارات عدّة، من بينها أنّه عام الانتخابات العامّة في إسرائيل، وأنّ وزير الماليّة الإسرائيليّ بتسلئيل سموتريتش، الذي يتحكّم بالملفّ الماليّ، يسعى إلى ممارسة ضغوط سياسيّة واقتصاديّة وتنفيذ خطط استيطانيّة لتجنيد أصوات المستوطنين للتصويت له، خاصّة في ظلّ عدم تجاوزه نسبة الحسم حسب استطلاعات الرأي، وهو ما يعني، وفق عفانة، عدم وجود انفراجة في أموال المقاصّة حتّى شهر تشرين الأوّل موعد الانتخابات الإسرائيليّة.

طرح عفانة ثلاثة سيناريوات محتملة للمرحلة المقبلة:

  • بقاء الوضع على ما هو عليه: استمرار الحكومة في تدبير شؤونها الماليّة شهراً بشهر، وإدارة الأزمة دون حلّ جذريّ.
  • تدخّل عربيّ ودوليّ لإنقاذ السلطة دون حلّ الأزمة: وهو سيناريو غير مستبعَد، مع إمكانيّة مساهمة المملكة السعوديّة بجزء من الدعم الماليّ.
  • إفراج إسرائيل عن أموال المقاصّة أو جزء منها: وهو سيناريو مستبعَد وفق تقديره.

مواضيع ذات صلة

“القوّات” تُغامِر: كتلة الـ19 ستَكبر

على الرغم من الضباب الكثيف الذي يلّف مصير الانتخابات النيابيّة في أيّار المقبل، وبروز عقد جديدة بما فيها تعثّر فتح العديد من المرشّحين لحسابات مصرفيّة…

هل يقدّم “شورى الدّولة” إخراج التّمديد؟

منذ أن رفعت الحكومة يديها استسلاماً من مهمّة وضع مراسيم تطبيقيّة لقانون الانتخابات، وتحديداً للدائرة الـ16 الواجب استحداث مقاعدها، بدا أنّ خيطاً رفيعاً لتواطؤ ما…

مصادر أميركيّة لـ”أساس”: نثق بالجيش و”لا” لانتخابات بقوّة السّلاح

بينما تتّجه الأنظار إلى خطّة الجيش اللبنانيّ في مرحلتها الثانية، يسود جوّ من الترقّب الأميركيّ لهذه المرحلة وسرعة تنفيذها من عدمه. ثمّة تباين بين توقيت…

جنوب اللّيطاني وشماله: مهل مفتوحة و”تسوية”؟

تترافق المرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح شمال الليطاني مع لحظة انشداد دوليّة نحو المفاوضات الأميركيّة – الايرانيّة المترنّحة بين خيارَي الحرب واللاحرب. تلفح هذه…