حالة الاتّحاد: ترامب بين إلغاء الزيادات الجمركية وظلال إبستين

مدة القراءة 5 د

يدخل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب هذا الأسبوع إلى قاعة مجلس النوّاب لإلقاء خطابه الأوّل الرسميّ عن حالة الاتّحاد في ولايته الثانية، في لحظة سياسيّة نادرة التعقيد. قرار المحكمة العليا بإبطال حزمة الرسوم الجمركيّة الشاملة التي فرضها، تصاعد التوتّر العسكريّ مع إيران، ومناخ داخليّ ما تزال تلقي عليه بظلالها تداعيات قضيّة جيفري إبستين، كلّها عناصر تجعل الخطاب أكثر من استحقاق دستوريّ سنويّ. إنّه اختبار قيادة في عام انتخابيّ بامتياز.

 

من المرجَّح أن يفتتح ترامب خطابه باستعراض مؤشّرات اقتصاديّة: الوظائف، التضخّم، الطاقة، ودعم الصناعة المحليّة. ستكون الرسالة الأساسيّة أنّ مسار “أميركا أوّلاً” ما يزال قائماً، حتّى لو واجه عثرة قانونيّة.

شكّل قرار المحكمة العليا ضربة سياسيّة واضحة، لكنّه لا يلغي جوهر الرؤية الاقتصاديّة التي يقوم عليها خطابه. من المتوقّع أن يسعى إلى الفصل بين الهدف والأداة والقوانين التي سيستعملها لفرض مزيد من التعريفات.  تبقى حماية الصناعة الوطنيّة أولويّة، وأمّا الوسائل فتبقى قابلة لإعادة الصياغة.

في هذا السياق، يُتوقّع أن يُلمّح الرئيس إلى أنّ إلغاء الحزمة سيفتح الباب أمام استرداد ما يقدَّر بنحو 130-160 مليار دولار من الإيرادات الجمركيّة التي اعتُبرت غير قانونيّة،  وقد يشير أيضاً إلى بدائل قانونيّة أو مقاربات تفاوضيّة أكثر مرونة، من دون التخلّي عن الخطاب القوميّ الاقتصاديّ الذي شكّل عنوان ولايته.

 يسعى ترامب إلى تحويل قرار المحكمة من كبحٍ لسياساته إلى لحظة إعادة تموضع تكتيكيّ، من دون التخلّي عن جوهر خطابه

بدائل الرّسوم الجمركيّة

سيقدّم هذه الخطوة بوصفها تصحيحاً تقنيّاً لا تراجعاً سياسيّاً: “إذا أُغلق باب، فهناك أبواب أخرى”. عمليّاً، قد يعني ذلك:

1- فرض تعريفات قطاعيّة محدّدة بدل حزمة شاملة.

2- تفعيل تحقيقات تجاريّة ضدّ دول بعينها.

3-استخدام أدوات تفاوضيّة تمهّد لاتّفاقات جديدة بشروط أميركيّة أكثر صرامة.

بهذا الشكل، يسعى ترامب إلى تحويل قرار المحكمة من كبحٍ لسياساته إلى لحظة إعادة تموضع تكتيكيّ، من دون التخلّي عن جوهر خطابه القائم على السيادة الاقتصاديّة.

ترامب

لن يحتلّ ملفّ إبستين موقعاً مباشراً في الخطاب، لكنّ أثره المعنويّ سيظلّ حاضراً في الخلفيّة. عمّقت القضيّة، بما حملته من أسئلة عن تداخل المال والسلطة والنخب، فجوة الثقة بين الرأي العامّ والمؤسّسات. لا يختفي هذا المناخ من الوعي الجماعيّ لغيابه عن النصّ.

بينما يتحدّث الرئيس عن الشفافيّة أو محاربة الفساد أو “تنظيف واشنطن”، سيكون هذا الإرث غير المرئيّ حاضراً كظلّ سياسيّ، ليس كبند في جدول الأعمال، بل كخلفيّة نفسيّة تعكس هشاشة الثقة العامّة بالنظام السياسيّ.

في المقابل، سيكون الملفّ الإيرانيّ أكثر وضوحاً في الخطاب. رفعت منسوب الترقّب داخليّاً وخارجيّاً التقاريرُ عن تعزيزات عسكريّة أميركيّة وتحرّكات بحريّة وجويّة في المنطقة. هنا سيحرص ترامب على إظهار الحزم من دون الانزلاق إلى خطاب حرب مفتوحة.

سيكون الرهان على معادلة دقيقة: التأكيد أنّ الحشود العسكريّة رسالة ردع وليست إعلان مواجهة، وأنّ الإدارة تمسك بزمام المبادرة من موقع قوّة محسوبة. في عام انتخابيّ، أيّ انطباع باندفاع غير محسوب قد يثير قلق الناخب الوسطيّ، فيما أيّ تراجع قد يُقرأ ضعفاً.

من المرجَّح أن يفتتح ترامب خطابه باستعراض مؤشّرات اقتصاديّة: الوظائف، التضخّم، الطاقة، ودعم الصناعة المحليّة

خطاب انتخابيّ بامتياز

لا يمكن فصل خطاب حالة الاتّحاد هذا العام عن سياقه الانتخابيّ. تلوح انتخابات تشرين الأوّل النصفيّة في الأفق، وتشكّل الحاجة إلى أغلبيّة جمهوريّة مريحة في الكونغرس دافعاً أساسيّاً لتحديد نبرة الرسالة.

من المتوقّع أن يقوم الخطاب على ثلاث ركائز مترابطة:

1- تثبيت السرديّة الاقتصاديّة على الرغم من التحدّيات القضائيّة.

2- إبراز صورة القيادة الحازمة في السياسة الخارجيّة.

3- تعميق التمايز مع الخصوم في ملفّات الهجرة والأمن والقيم الثقافيّة.

اختبار التّوازن

ليس التحدّي الحقيقيّ أمام ترامب في اختيار العناوين، بل في ضبط النبرة. قد يُقلق الإفراط في المواجهة مع المحكمة المدافعين عن استقرار المؤسّسات، وقد تثير المبالغة في التصعيد تجاه إيران مخاوف من انزلاق إلى مواجهة واسعة، فيما تجاهل المناخ الداخليّ المشبع بالشكوك قد يبدو انفصالاً عن المزاج العامّ.

إقرأ أيضاً: “مجلس السّلام” يضبط نتنياهو تحت السّقف؟

هكذا يتحوّل خطاب حالة الاتّحاد هذا العام إلى لحظة مفصليّة: ليس فقط لتقويم “حال الأمّة”، بل لاختبار قدرة الرئيس على إدارة التوتّر بين الإنجاز والقيود، بين القوّة والحذر، وبين الكلمات وما يخيّم فوقها من ظلال. في السياسة، أحياناً ما يُقال مهمّ، لكنّ ما يحيط به من سياق قد يكون أكثر تأثيراً.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

هل حماكم السّلاح؟

أحيا القصف الإسرائيليّ على البقاع، والروايات الأولى المبالَغ فيها عن استهداف مدنيّين وأطفال، الحجّةَ ذاتها في أوساط جمهور الممانعة: “الدولة الوقحة التي تريد نزع السلاح…

هل يتوحّد الخطاب الإسلاميّ في سوريا؟

ليس سهلاً توحيد الخطاب الإسلاميّ مع الاختلافات العَقَديّة داخل أهل السنّة تاريخيّاً، وهو أمر يتجاوز بالضرورة مندرجات المؤتمر الأوّل لوزارة الأوقاف السوريّة إثر سقوط النظام…

المسوّدة الإيرانيّة للاتّفاق المرتقب… ما هو حجم التّنازلات؟

ما تزال حالة من الإبهام والغموض تهيمن على أجواء المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة في مستقبل البرنامج النوويّ. ما يزال خيار الحرب حاضراً بقوّة على طاولة…

الرّياض تفضّل إيران الدّولة على إيران الفوضى

لم تعد المملكة العربيّة السعوديّة تنظر إلى إيران بوصفها خصماً يجب إضعافه أو إسقاطه، بل بوصفها دولة يجب منع انهيارها. المفارقة تبدو صارخة، لكنّها في…