المسوّدة الإيرانيّة للاتّفاق المرتقب… ما هو حجم التّنازلات؟

مدة القراءة 7 د

ما تزال حالة من الإبهام والغموض تهيمن على أجواء المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة في مستقبل البرنامج النوويّ. ما يزال خيار الحرب حاضراً بقوّة على طاولة خيارات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. فيما يوجّه رسائل تصعيديّة للنظام الإيرانيّ، من خلال الاستمرار بحشد القوّات العسكريّة في الشرق الأوسط ومحيط إيران، يؤكّد أيضاً أنّه يفضّل التوصّل إلى اتّفاق مع الجانب الإيرانيّ خلال 15 يوم كحد أقصى.

 

استمرار النظام الإيرانيّ في رفع مستوى استعداداته لحرب محتملة مع واشنطن، يؤكّد أنّه على استعداد لأخذ المنطقة إلى حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار. إلّا أنّه يسعى في الوقت نفسه إلى توجيه رسائل للإدارة الأميركيّة بأنّه على استعداد للتعاون من أجل الوصول إلى حلول وتسوية تنهي حالة التصعيد، ولا سيما من خلال تأكيد وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي للجهود التي تبذلها طهران للانتهاء من تدوين مسوّدة الاقتراحات التي ستقدّمها لواشنطن وتكون أساساً للجولة الجديدة من المفاوضات.

بات ما يقارب ثلث القدرات العسكريّة الأميركيّة منتشراً في القواعد الأميركيّة الموزّعة في منطقة غرب آسيا، من دول آسيا الوسطى والقوقاز، وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسّط، بما فيها عناصر قوّات العمليّات الخاصّة “دلتا”، وما تعنيه من إمكانيّة القيام بعمليّات برّية داخل الأراضي الإيرانيّة.

في ردّ على هذه التحشّدات الأميركيّة، تقوم القوّات المسلّحة الإيرانيّة، في الجيش الرسميّ وحرس الثورة الإسلاميّة، بمناورات متلاحقة برّية وبحريّة وصاروخيّة، بشكل مستقلّ، عبر تحريك واسع لقواعد إطلاق الصواريخ وحشدها في المناطق الأقرب إلى ساحات المواجهة المحتملة، وإجراء مناورات بحريّة بالاشتراك مع الحليفين الروسيّ والصينيّ في مياه الخليج وبحر العرب تعني إمكانيّة حصول تغيير جوهريّ في موقف هاتين الدولتين في حال الهجوم الأميركيّ ضمن المعادلات الدوليّة.

طهران ترى أنّ قبول واشنطن بهذا الحجم من التنازلات الإيرانيّة هو المخرج اللائق لكلا الطرفين

انقسام في الدّاخل الإيرانيّ

بلغت هذه الرسالة أعلى درجاتها في مناورة إقفال مضيق هرمز، التي قام بها حرس الثورة تحت عنوان “القدرة الفنّية للسيطرة على المضيق”، أمام جميع أنواع البواخر، بما فيها قطعات الأسطول الأميركيّ العسكريّة.

يعاني الداخل الإيرانيّ من انقسام واضح في التعامل مع الحشود الأميركيّة، فالبعض ينظر إليها باعتبارها إشارات جدّيّة على حرب مقبلة، سواء تجاوبت إيران مع الشروط الأميركيّة للتفاوض أو التسوية أو لا، والبعض الآخر ينظر إليها باعتبارها استعراضاً للقوّة وأداة للضغط السياسيّ لإجبار إيران على التنازل لتجنّب حرب محتملة، تلجأ واشنطن إلى إشعالها.

ينسحب هذا الانقسام أيضاً على القراءة الإيرانيّة للحراك الدبلوماسيّ والسياسيّ الذي تقوم به الدول الإقليميّة مثل المملكة السعوديّة وقطر وعُمان وتركيا للتوسّط بين الطرفين، وبذل الجهود من أجل منع اشتعال الحرب التي ستكون أكلافها كبيرة على منطقة الشرق الأوسط. تذهب بعض التقديرات الإيرانيّة إلى اعتبار هذا الحراك الإقليميّ، وتحديداً العربيّ، نابعاً من خوف هذه الدول من الردّ الإيرانيّ الذي سيشمل القواعد الأميركيّة الموجودة على أراضيها.

ترى إيران، التي تسعى إلى إدارة الأزمة مع واشنطن ومنع تطوّرها إلى مواجهة مكلفة ومباشرة، أنّ الفرصة ما تزال قائمة أمام الدبلوماسيّة للخروج من الأزمة. إلّا أنّها تعتقد بأنّ الرئيس الأميركيّ لن يأخذ المخاوف والمحاذير الإقليميّة في الاعتبار في حال وصل إلى قناعة بأنّ الطريق الوحيد لإجبار إيران على الاتّفاق والتسوية هو الحرب، ولن يتردّد في اتّخاذ هذا القرار.

يضع عدم وضوح الموقف الأميركيّ الحاسم طهرانَ في حالة من الضياع وعدم اليقين حيال إمكانيّة قبول ترامب بأيّ عرض

وضع اللّمسات الأخيرة على المسوّدة

هنا يبدو وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي، الذي يتولّى مهمّة ترجمة قرارات الإدارة الاستراتيجيّة للقيادة الإيرانيّة، في سباق مع الزمن من أجل تسريع التفاوض لمنع وصول الأمور إلى حائط مسدود. هذا ما يفسّر ما صدر عنه من أنّ إدارته قد أنهت العمل على مسوّدة النقاط التي يمكن أن تشكّل إطار اتّفاق مع واشنطن، ولم يبقَ سوى اللمسات الأخيرة التي من المفترض أن توافق عليها قيادة النظام، ممثّلةً بالمرشد الأعلى، ثمّ يحوّلها المفاوض الاستراتيجيّ، أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني، إلى خطوات تنفيذيّة وخريطة طريق لعمل عراقجي مع المفاوض الأميركيّ.

ترامب

أمام تراجع المساحة المتاحة للمناورة الدبلوماسيّة، مع اقتراب انتهاء الفرصة التي منحها ترامب للنظام الإيرانيّ لتقديم عروضه المعقولة للتسوية، ستكون طهران أمام تحدّي إقناع ترامب وإدارته بالنوايا الإيرانيّة الجديّة للحلّ والوصول إلى اتّفاق قابل للحياة والاستمرار، وأنّ الاتّفاق معها يحمل الكثير من المصالح لواشنطن لن تكون الحرب قادرة على توفيرها، وأنّ أيّ ثمن للسلام سيكون أقلّ من فاتورة الحرب.

تشكّل هذه القناعة الإيرانيّة، التي لم تكن مطروحة سابقاً لدى القيادة العليا، أوّل مؤشّرات التنازل، إذ إنّ الحديث عن استثمارات اقتصاديّة في قطاعَي النفط والغاز، وفتح الاقتصاد الإيرانيّ أمام الشركات الأميركيّة، وصولاً إلى تحديث أسطولها الجوّي المدنيّ، يكشف عن انقلاب جوهريّ في موقف القيادة العليا التي كانت ترفض أيّ شكل من الانفتاح الاقتصاديّ مع أميركا.

ما يزال خيار الحرب حاضراً بقوّة على طاولة خيارات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. فيما يوجّه رسائل تصعيديّة للنظام الإيرانيّ

ربّما الخطوة الأكثر إلحاحاً لدى ترامب وإدارته، على الرغم من أهميّة المغريات الاقتصاديّة التي لا يسقطها من حساباته، تكمن في مدى التعاون الإيرانيّ في موضوع الأنشطة النوويّة. إذ إنّ الإشارات المتناقضة التي تصدر عن البيت الأبيض إلى موقفه من أنشطة تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانيّة تشكّل إرباكاً للقيادة والمفاوض الإيرانيّ على حدّ سواء، ولا سيما أنّ المواقف التي تقترب من التناقض، من إنهاء أيّ شكل من أنشطة التخصيب إلى القبول بتخصيب رمزيّ لا يتعدّى مستوى 1 في المئة، تشكّل صفعة للنظام وقيادته التي تتمسّك بحقّها في هذه الأنشطة.

حالة من الضّياع

لذا يضع عدم وضوح الموقف الأميركيّ الحاسم طهرانَ في حالة من الضياع وعدم اليقين حيال إمكانيّة قبول ترامب بأيّ عرض قد تقدّمه يتضمّن الحفاظ على هذا الحقّ حتّى لو كان يتعلّق بالاستعداد الذي تبديه لتعليق هذه الأنشطة لمدّة تراوح بين 3 و5 سنوات، بالإضافة إلى تحديد عدد أجهزة الطرد المركزيّ المسموح لها بالعمل في المنشآت النوويّة، التي ستكون تحت إشراف تامّ ومراقبة واسعة ومشدّدة من قبل الوكالة الدوليّة، وصولاً إلى قبولها إمكانيّة التخلّي عن مطلب الاحتفاظ باليورانيوم المخصّب بدرجة 60 في المئة في حال لم تستطع إقناع واشنطن بالقبول بترقيقه والاحتفاظ به في إيران تحت إشراف الوكالة الدوليّة.

لكنّ طهران ترى أنّ قبول واشنطن بهذا الحجم من التنازلات الإيرانيّة هو المخرج اللائق لكلا الطرفين. إذ يمنح طهران القدرة على تسويقه باعتباره انتصاراً لها، ويسمح لواشنطن وللرئيس ترامب بتسويقه على أنّه إنجاز غير مسبوق استطاع فرضه على إيران من خلال معادلة التفاوض والسلام بالقوّة.

إقرأ أيضاً: واشنطن – طهران: هل تمنع المصالح المشترَكة الحرب؟

في المحصّلة لن يكون بالنسبة لطهران مشابهاً لما استطاعت تحقيقه في اتّفاق عام 2015 مع السداسيّة الدوليّة في عهد الرئيس باراك أوباما، لكنّه سيشكّل مخرجاً للجميع، ويجنّب المنطقة حريقاً شاملاً إذا ما حصل أيّ خطأ في حسابات أيّ من الطرفين وأشعل الشرارة الأولى له.

مواضيع ذات صلة

هل حماكم السّلاح؟

أحيا القصف الإسرائيليّ على البقاع، والروايات الأولى المبالَغ فيها عن استهداف مدنيّين وأطفال، الحجّةَ ذاتها في أوساط جمهور الممانعة: “الدولة الوقحة التي تريد نزع السلاح…

هل يتوحّد الخطاب الإسلاميّ في سوريا؟

ليس سهلاً توحيد الخطاب الإسلاميّ مع الاختلافات العَقَديّة داخل أهل السنّة تاريخيّاً، وهو أمر يتجاوز بالضرورة مندرجات المؤتمر الأوّل لوزارة الأوقاف السوريّة إثر سقوط النظام…

حالة الاتّحاد: ترامب بين إلغاء الزيادات الجمركية وظلال إبستين

يدخل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب هذا الأسبوع إلى قاعة مجلس النوّاب لإلقاء خطابه الأوّل الرسميّ عن حالة الاتّحاد في ولايته الثانية، في لحظة سياسيّة نادرة…

الرّياض تفضّل إيران الدّولة على إيران الفوضى

لم تعد المملكة العربيّة السعوديّة تنظر إلى إيران بوصفها خصماً يجب إضعافه أو إسقاطه، بل بوصفها دولة يجب منع انهيارها. المفارقة تبدو صارخة، لكنّها في…