هل يتوحّد الخطاب الإسلاميّ في سوريا؟

مدة القراءة 10 د

ليس سهلاً توحيد الخطاب الإسلاميّ مع الاختلافات العَقَديّة داخل أهل السنّة تاريخيّاً، وهو أمر يتجاوز بالضرورة مندرجات المؤتمر الأوّل لوزارة الأوقاف السوريّة إثر سقوط النظام السابق. لم يسعَ المؤتمر إلى حسم الخلافات فضلاً عن مناقشتها، بل إلى وضع آليّة معقولة للتفاهم وتدوير الزوايا الحادّة، وذلك من أجل تحصين النظام الجديد من النزاعات الداخليّة التي قد تزعزع أركانه. هو باختصار محاولة لتعزيز عصبيّة الدولة الراهنة.

 

انعقد في قصر المؤتمرات في دمشق، بين 15 و16 شباط الجاري، المؤتمر الأوّل لوزارة الأوقاف السوريّة تحت عنوان “وحدة الخطاب الإسلاميّ”، برعاية الرئيس أحمد الشرع ومجلس الإفتاء الأعلى، وتحت شعار: “رَحِم بين أهله” (وهو قول مأثور بين العلماء ينمّ عن علاقة العلماء فيما بينهم، الشبيهة بعلاقة الأقرباء، أي صِلة الرَّحِم)، وبحضور أكثر من 150 شخصيّة دينيّة ورسميّة من مختلف المدارس العلميّة والدعويّة، والمذاهب الفقهيّة، والاتّجاهات المنهجيّة المنضوية تحت اسم أهل السنّة.

هو نتاج 14 ورشة تمهيديّة في مديريّات الأوقاف بالمحافظات السوريّة، شارك فيها أكثر من 500 عالم وداعية. تلتها ورشات مركزيّة في دمشق أسفرت عن صياغة مسوّدة ميثاق “وحدة الخطاب الإسلاميّ”، الذي هو عبارة عن عهد جماعيّ باعتماد النهج الوسطيّ والمعتدل في مقاربة المسائل الخلافيّة في أمور العقيدة خاصّة، التي تشكّل تصدّعات كامنة داخل الصفّ السنّيّ الواحد.

ظهرت الخلافات العَقَديّة في زمن الإسلام الأوّل بين الفِرَق الإسلاميّة، لكنّها برزت أيضاً داخل أهل السنّة والجماعة على وجه الخصوص في القرون الأخيرة

تقويم الفائدة

لا يمكن إدراك أهميّة هذا المؤتمر، أو حتّى تقويم فائدته في هذا الوقت، من دون أن نفهم الدواعي العمليّة لعقد هذا المؤتمر الآن، وسوريا في مخاض عسير: توحيد التراب، بناء الدولة، وإنهاض الاقتصاد، إضافة إلى المخاطر الداخليّة والخارجيّة. قد تؤسّس الجدالات النظريّة الساخنة في الفترة الانتقاليّة داخل المساجد ومدارس التعليم الدينيّ والكليّات الشرعيّة لصدامات بين التيّارات المتنافسة، أو حتّى تهيّئ الأرض لإعادة تشكيل كتلة متشدّدة قريبة فكريّاً من تنظيم داعش، أو تلتقي معه في منتصف الطريق، في وقت تتصاعد فيه المخاطر الأمنيّة من ثلاثة اتّجاهات متناقضة، منها الانفصاليّ، ومنها التكفيريّ، وما بينهما فلول النظام السابق المدعومة من محور الممانعة.

كما فشلت المعارضة السوريّة المسلّحة في توحيد صفوفها خلال حرب الـ14 سنة، وإلى حين انطلاق عمليّة “ردع العدوان” أواخر تشرين الثاني 2024، بسبب إخفاقها في توحيد خطابها الإسلاميّ، فكذلك ستكون الحال لو تُركت النزعات الفكريّة نفسها تترعرع من دون ضوابط في سوريا المحرّرة، إذ ستهدّد أركان النظام الجديد، ولو بعد حين، لا سيما أنّ الرئيس أحمد الشرع نأى بنفسه بعيداً عن الخطاب السابق للسلفيّة الجهاديّة، ولهيئة تحرير الشام خاصّة، فبات “الطاغوت”، بنظر بيان أخير لتنظيم الدولة، و”دمية بيد الغرب الصليبيّ”.

هل يجد هذا الموقف التقليديّ لداعش صدى له لدى أنصار السلفيّة الجهاديّة، الذين قاتلوا “داعش” بشراسة لأكثر من عقد قبل التحرير، تحت راية “القاعدة”، عندما كانت جبهة النصرة جزءاً منها، أو “هيئة تحرير الشام” بعدما انفصلت أو انشقت عن تنظيم القاعدة، أو أيّ فصيل جهاديّ آخر، سواء أكان هذا الفصيل محلّيّاً أم أجنبيّاً؟

مسوّدة ميثاق “وحدة الخطاب الإسلاميّ” هو عبارة عن عهد جماعيّ باعتماد النهج الوسطيّ والمعتدل في مقاربة المسائل الخلافيّة في أمور العقيدة خاصّة

أُسس الخلاف

ظهرت الخلافات العَقَديّة في زمن الإسلام الأوّل بين الفِرَق الإسلاميّة، لكنّها برزت أيضاً داخل أهل السنّة والجماعة على وجه الخصوص في القرون الأخيرة، ابتداء من عصر ابن تيميّة (توفّي عام 1328م) وصولاً إلى ظهور دعوة محمّد بن عبد الوهّاب (توفّي عام 1792م) في الجزيرة العربيّة.

إنّ مرجعيّة أتباع “داعش” هي أدبيّات السلفيّة الوهّابيّة في بداية ظهورها، قبل أن تنضبط بالضوابط الصارمة للدولة السعوديّة. وترجع السلفيّة الوهابيّة كثيراً إلى فتاوى ابن تيميّة في مسائل العقيدة، وهو يستند في معظم مواقفه إلى آراء المدرسة التاريخيّة لأهل الحديث، مع إضافات له زادت من تعقيد المشهد باعتبار المسائل المستحدَثة التي تصدّى لها في زمانه، وذلك بالضدّ من أدبيّات المدرسة الكلاميّة لأبي الحسن الأشعري (توفّي عام 936م) وأبي المنصور الماتريدي (توفّي عام 944م).

كان الخلاف الأوّل لدى الاتّجاهات الإسلاميّة السنيّة على تأويل صفات الله: هل تؤخذ معانيها كما وردت في القرآن والحديث النبويّ حرفيّاً، أم تُؤوّل بما ينفي عنها تشبيه الله بخلقه؟ انحاز بعض أهل الحديث أو أهل السلف إلى الجهة الأولى، فيما تموضعت المدارس الكلاميّة في الجهة الثانية.

الخطاب الإسلاميّ

طوّر ابن تيميّة لاحقاً السرديّة السلفيّة، مع توسيع اهتماماته وفتاويه إلى نطاق أوسع، متصدّياً للطُّرُق الصوفيّة علاوة على الفِرَق الإسلاميّة الأخرى والمدارس الكلاميّة المختلفة، وصولاً إلى الأشعريّة والماتريديّة الذين اعتُبروا “متكلّمة أهل السنّة”، أي الذين نصروا مذهب أهل الحديث بالأدلّة العقليّة، مع فتح باب تأويل بعض الصفات الإلهيّة تنزيهاً لله عن مشابهته البشر.

كان ابن تيميّة ميّالاً أكثر إلى تكفير المخالفين عَقَديّاً، بعكس الأشاعرة والماتريديّة الذين كانوا أكثر وَرَعاً في إصدار أحكام التكفير ضدّ أهل القبلة، وظهر فيهم تداخل مع المتصوّفة المعتدلين، البعيدين عن شطحات متصوّفة آخرين توحي أحياناً ممارساتهم بالمبالغة في تعظيم مشايخهم أحياء وأمواتاً، وأدبيّاتهم بوحدة الوجود بالقول إنّه لا شيء في الكون إلّا الله. وتلك مسألة معقّدة ليس هنا مكان تجليتها.

لا يمكن إدراك أهميّة هذا المؤتمر، أو حتّى تقويم فائدته في هذا الوقت، من دون أن نفهم الدواعي العمليّة لعقد هذا المؤتمر الآن

تلك خلافات تاريخيّة من حيث ظهورها الزمانيّ، لكنّها حاضرة في الاتّجاهات الإسلاميّة الراهنة بتراثها المكتوب الحيّ إلى يومنا هذا، وفي سوريا خاصّة، بعدما تحوّل هذا البلد في سنوات الثورة إلى مختبر لكلّ الأفكار والمناهج الدينيّة، من أقصاها إلى أقصاها، انطلاقاً ممّن يُطلَق عليهم المتشدّدون أو المتطرّفون، أو “الداعشيّون” مجازاً، تدرّجاً إلى من يُسمَّوْن بالمُميّعين، والمقصود بهم بنظر المتطرّفين خاصّة الذين يُضيّعون أحكام الدين، أو يتساهلون بأحكام الولاء والبراء، أي الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين.

المفارقة أنّ أحمد الشرع، أو أبا محمّد الجولاني سابقاً، بات اليوم أقرب بكثير إلى فئة المُميّعين منه إلى فئة المتشدّدين، لأسباب معروفة ليست هي حصراً في تحالفاته السياسيّة مع الدول، وتقاربه الوثيق مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتّحدة، وانضمامه أخيراً إلى التحالف الدوليّ لمحاربة “داعش”، بحيث يوصَم هنا بأنّه قد تحالف صراحة مع الكفّار (القوى الدوليّة) ضدّ المسلمين (تنظيم الدولة)، فاستحقّ بذلك إخراجه من الملّة.

من النتائج العمليّة لذلك نصب الكمائن المتفرّقة لأفراد الجيش وقوّات الأمن الداخليّ في طول سوريا وعرضها بوصفهم “أنصار الطاغوت”، مع محاولات مستميتة من مجموعات صغيرة لاغتيال الشرع نفسه ورفيقَيْه أنس خطاب وزير الداخليّة وأسعد الشيباني وزير الخارجيّة، كما جاء في تقرير أمميّ صدر أخيراً.

معالجة الخلافات بالمبادرات

بناء على ما سبق بيانه، يمكن فكّ حروف ما ورد في كلمات مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلاميّ” في دمشق، من مثل أنّ “الإسلام في سوريا يمثّل مرجعية دينيّة وتشريعيّة وأخلاقيّة وحضاريّة جامعة، لا يجوز توظيفه لخدمة حزب أو طائفة أو جماعة، والمرجعيّة العليا تتمثّل في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الثابتة، وينطلق منهما الاجتهاد ويُردّ إليهما عند الاختلاف، مع تأكيد اتّباع السنّة وسنّة الخلفاء الراشدين وما اتّفق عليه السلف الصالح، وتوقير الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم وعدم الإساءة إلى أيّ منهم”.

ليس سهلاً توحيد الخطاب الإسلاميّ مع الاختلافات العَقَديّة داخل أهل السنّة تاريخيّاً، وهو أمر يتجاوز بالضرورة مندرجات المؤتمر الأوّل

يُضاف ما دعا إليه المشاركون من “الاعتراف بالمذاهب الفقهيّة الأربعة: الحنفيّة والشافعيّة والمالكيّة والحنبليّة، والمذاهب العَقَدية الثلاثة: الأشعريّة، والماتريديّة، وأهل الحديث، واجتناب التعصّب، وترسيخ أدب الحوار والخلاف، وتعميق الثقة المتبادلة بين العلماء والدعاة، ومنع التحريض والتشهير والإقصاء”، واعتماد أسلوب “فهم نصوص الوحي وفق أصول الاستنباط المعتمدة، والتمسّك بالثوابت مع المرونة في المتغيّرات، وعدم إشغال العامّة بالخلافات العَقَديّة، وتقديم المصالح العامّة على الشخصيّة والفئويّة، وتعظيم شأن الفتوى ومنع التصدّر لها من غير أهلها، وتعزيز مرجعيّة مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا”.

كانت للشرع كلمة في اليوم التالي للمؤتمر قال فيها: “لسنا في حالة رفاهية للدخول في خلافات فكريّة تعود لقرون طويلة، فلدينا أولويّات كثيرة، منها التركيز على الضبط الأخلاقيّ المجتمعيّ”. أضاف أنّه “لا خوف على سوريا من التنافر الفقهيّ بوجود علماء أجلّاء يمتلكون رصيداً أخلاقيّاً كبيراً يجعلهم قادرين على إدارة الاختلاف دون أن يتحوّل إلى تنافر أو تباغض”.

منشأ هذا الاهتمام الرسميّ البالغ بما يمارسه العلماء والدعاة في الحياة اليوميّة بعد التحرير، هو انتماء التيّار الأساسيّ للمعارضة السوريّة السابقة إلى تيّار السلف، فيما كان الانتماء الغالب في سوريا قبل الثورة إلى الأشعريّة والماتريديّة في العقيدة، وإلى الصوفيّة في السلوك.

عندما عاد المهجّرون إلى مدنهم ومنها دمشق طبعاً، وإلى البلدات والقرى، ظهر التباين في المحافل بين أنصار التيّارَيْن، فكان خليقاً بالدولة الجديدة أن تعالج الأمر بما تحوزه من سلطة وهيبة وشرعيّة ثوريّة وأسبقيّة جهاديّة لوضع حدّ وفرض قيد.

 يمكن فكّ حروف ما ورد في كلمات مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلاميّ” في دمشق، من مثل أنّ الإسلام في سوريا يمثّل مرجعية دينيّة

مبادرة الشّرع

كانت المبادرة الأولى من جانب الرئيس الشرع، للتقريب بين التيّارين الرئيسَين في سوريا، عبر تشكيل الهيئة الدينيّة العليا من أصحاب توجّهات مختلفة: عبدالرحيم عطون “أبي عبدالله الشاميّ” الذي كان الشرعيّ الأوّل في هيئة تحرير الشام، وهو سلفيّ المنهج، وتولّى التصدّي لفكر “داعش” في حقبة حرجة، وكان جزءاً من التحوّلات التي طرأت على “الهيئة”، وأضحى رئيس المكتب الاستشاريّ للشؤون الدينيّة في رئاسة الجمهوريّة، فيما مُنح منصب الإفتاء العامّ في الدولة الجديدة إلى الشيخ أسامة الرفاعي، وهو أشعريّ العقيدة ومن أسرة صوفيّة، وكان قبل التحرير رئيس المجلس الإسلاميّ السوريّ، الذي اختلف سياسيّاً ودينيّاً مع الجولاني وهيئة تحرير الشام، واختارته المعارضة عام 2021 ليكون مفتي الجمهوريّة بعد أيّام من إلغاء بشّار الأسد لهذا الموقع.

إقرأ أيضاً: الشّرع يربك “قسد”: صفعة عسكريّة وقنبلة سياسيّة

هل يُعالَج الخلاف العَقَديّ بالقرارات الإداريّة أو التوجّهات السياسيّة؟ هل يكفي مؤتمر واحد لتجاوز الفجوة المتسارعة في الاتّساع بين النظريّة والواقع، بين ما تسطّره الكتب من معاني أحداث وسياقات سابقة وما تفرضه وقائع اللحظة من تحدّيات عمليّة غير مسبوقة؟

مواضيع ذات صلة

هل حماكم السّلاح؟

أحيا القصف الإسرائيليّ على البقاع، والروايات الأولى المبالَغ فيها عن استهداف مدنيّين وأطفال، الحجّةَ ذاتها في أوساط جمهور الممانعة: “الدولة الوقحة التي تريد نزع السلاح…

المسوّدة الإيرانيّة للاتّفاق المرتقب… ما هو حجم التّنازلات؟

ما تزال حالة من الإبهام والغموض تهيمن على أجواء المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة في مستقبل البرنامج النوويّ. ما يزال خيار الحرب حاضراً بقوّة على طاولة…

حالة الاتّحاد: ترامب بين إلغاء الزيادات الجمركية وظلال إبستين

يدخل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب هذا الأسبوع إلى قاعة مجلس النوّاب لإلقاء خطابه الأوّل الرسميّ عن حالة الاتّحاد في ولايته الثانية، في لحظة سياسيّة نادرة…

الرّياض تفضّل إيران الدّولة على إيران الفوضى

لم تعد المملكة العربيّة السعوديّة تنظر إلى إيران بوصفها خصماً يجب إضعافه أو إسقاطه، بل بوصفها دولة يجب منع انهيارها. المفارقة تبدو صارخة، لكنّها في…