“القوّات” تُغامِر: كتلة الـ19 ستَكبر

مدة القراءة 6 د

على الرغم من الضباب الكثيف الذي يلّف مصير الانتخابات النيابيّة في أيّار المقبل، وبروز عقد جديدة بما فيها تعثّر فتح العديد من المرشّحين لحسابات مصرفيّة خاصّة بالحملات الانتخابيّة، سبقت “القوّات اللبنانيّة” جميع الأحزاب في رَسم مسار التزامها إجراء الاستحقاق النيابيّ إن من خلال “مسلسل” انسحابات بعض نوّابها من حلبة الانتخابات، و”تثبيت” آخرين، أو لناحية إطلاق ماكيناتها الانتخابيّة في عدّة مناطق.

 

أحدثت سلسلة الانسحابات لنوّاب “القوّات” من الشوط النيابيّ المفترَض في أيّار جلبة كبيرة غطّت على النقاشات الصاخبة حيال مصير الانتخابات نفسها، مقابل مشهد مسيحيّ مضادّ لدى “التيّار الوطنيّ الحرّ” لا يزال يُغربِل ترشيحاته، مُركّزاً على أزمة المقاعد الستّة في الخارج، والمعركة المفتوحة ضدّ وزير الخارجيّة يوسف رجّي بعد توقيع رئيسه جبران باسيل وستّة من المرشّحين المحتملين عن الدائرة الـ16، مذكّرة ربط نزاع مع وزارة الخارجيّة، لحثّها على القيام بواجباتها لحماية حقّ التمثيل الذي كرّسه قانون الانتخابات للمغتربين.

على الجبهة المقابلة، استاتيكو آخر مناقض لما حصل في معراب، إذ يتوجّه “الحزب” لخوض الانتخابات النيابيّة، في حال حصولها، بالطاقم نفسه في انتخابات 2022، من دون أيّ تعديل في الوجوه، وأمّا الأمر الأبرز على مستوى حركة “أمل” فهو الاستبعاد لوزير المال ياسين جابر، ليس فقط التزاماً بتعهّد الحكومة عدم خوض أيّ من وزرائها الانتخابات، بل لقرار متّخذ في عين التينة بعدم تبنّي ترشيح جابر في الدورة المقبلة، بغضّ النظر عن تاريخ حصولها.

هي تحديداً الدورة التي قد تشكّل محطّة مفصليّة، في سياق السؤال الكبير: هل يترشّح الرئيس نبيه برّي لولاية تاسعة؟

 يبقى الهدف الأكبر لـ”القوّات” رفع عدد نوّاب كتلة “الجمهوريّة القويّة” الحاليّ (19 نائباً)، وتؤكد أوساطها أنّ “الكتلة ستكبر حتماً”

ترشيحات “القوّات”: ستريدا أوّلاً

لمناسبة إعادة ترشيح “الرفيقة” ستريدا جعجع و”الرفيق” جوزف إسحق عن قضاء بشرّي، برّر جعجع لـ”القوّاتيّين” التمسّك بزوجته ستريدا، نائبة “القوّات” منذ 2005، مع إسحق نائب بشرّي في دورتَي 2018 و2022، بأنّكم “تعرفون ما هي صفاتهما، هذه الصفات هي التي دفعتني إلى طرح التجديد لهما أمام الهيئة التنفيذيّة، وقرّرت الهيئة التنفيذيّة التجديد لهما بالإجماع، وليس بالأكثريّة”.

معيار “الصفات” نفسه هو الذي سلّط الضوء أكثر على تخلّي جعجع حتّى الآن عن أربعة نوّاب لم تعد “صفاتهم” على ما يبدو تتماشى مع أجندة سمير وستريدا ومسار “توريثها”.

نائب المتن ملحم رياشي الوحيد الذي “قالها كما هي”، من ضمن سلّة النوّاب المُنسحِبين: جورج عقيص عن زحلة، شوقي الدكّاش عن كسروان، سعيد الأسمر عن جزّين، النائب فادي كرم عن الكورة حيث تبنّت “القوّات” ترشيح زياد حبيب، في مقابل تمسّك جعجع بنوّاب خسروا في بلداتهم في الانتخابات البلديّة الماضية، كالنائبين جورج عدوان (دير القمر) وغادة أيّوب (جزّين).

أكّد الرياشي أنّ “قيادة “القوّات” أبلغتني رغبتها في بعض التغيير في هذه الدورة”، فيما البقيّة أشارت إلى “خيار شخصيّ وعزوف عن الترشّح”. تحدّث الرياشي في بيان الانسحاب عن الرقم “الاستثنائيّ جدّاً جدّاً” الذي ناله في الانتخابات الماضية عن المقعد الكاثوليكيّ في قضاء المتن.

القوات

بلغ هذا الرقم 15,254 صوتاً تفضيليّاً، وهو الرقم الأعلى مسيحيّاً في كلّ الدوائر، مقابل زميله رازي الحاج عن المقعد المارونيّ في المتن الذي نال 3,459 صوتاً تفضيليّاً.

يُذكَر هنا أنّ ثلاثة نوّاب شيعة نالوا الأصوات التفضيليّة العليا على مساحة الدوائر الـ15، وهم: محمّد رعد (دائرة الجنوب الثانية-النبطيّة) 48,543، والرئيس نبيه برّي (دائرة الجنوب الثانية-الزهراني) 42,091، وأمين شرّي (بيروت الثانية) 26,363.

في بيروت الأولى تُسجّل مواجهة النائب “القوّاتيّ” غسان حاصباني لزميله في اللائحة جهاد بقرادوني

حصان المتن خارجه!

الاستغناء عن الرياشي الذي وَصَف نفسه قبل أيّام من إعلانه استغناء القيادة “القوّاتيّة” عن ترشيحه بـ”حصان القوّات الرابح في المتن”، وهو ما تؤكّده الأرقام، إضافة إلى “ميزة” حرمان “التيّار الوطنيّ الحرّ” من الفوز بالمقعد الكاثوليكيّ (إدي معلوف) في حال الإبقاء على ترشّحه، يُعزّز التساؤلات عن المعايير التي اعتمدها جعجع لإبعاد عدد من النوّاب.

في هذا السياق، تقاطعت غالبيّة نيابيّة عند استغراب تخلّي جعجع عن نائب زحلة جورج عقيص المعروف ببروفيله الرصين وخلفيّته القانونيّة الصلبة. يصف أحد النوّاب الحاليّين عقيص بـ poids lourd الذي لا يُمكن تبرير إبعاده.

في بيروت الأولى تُسجّل مواجهة النائب “القوّاتيّ” غسان حاصباني (أرثوذكس) لزميله في اللائحة جهاد بقرادوني (أرمن أرثوذكس) المعروف بنشاطه وديناميكيّته على الأرض، وجذبه لأصوات من خارج القاعدة “القوّاتيّة”. وفق المعلومات، أعلن بقرادوني مراراً عدم رغبته بخوض غمار النيابة مجدّداً، في ظلّ إصرار القيادة “القوّاتيّة” على ترشيحه، وقد حُسم الأمر ببقائه ضمن لائحة الترشيحات “القوّاتيّة” الثابتة في بيروت الأولى.

تسونامي “قوّاتيّ” في كسروان

تَعكس كسروان، القضاء الذي يبقى للعائلات فيه دورها المؤثّر في صناديق النيابة، أحد أكثر النماذج “القوّاتيّة” في المدى البعيد الذي ذهب إليه جعجع في قلب طاولة الترشيحات. ثلاثة وجوه شبابيّة غير “قوّاتيّة” (بمعنى الالتزام الحزبيّ)، وهم غوستاف قرداحي، المغترب الذي يعمل في شركة استشارات في دبي وحلّ محلّ “القوّاتيّ” شوقي الدكّاش، وقرداحي حاليّاً بصدد التعرّف عن قرب على “قوّاتيّي” كسروان، ولويس أبو شرف، وفؤاد البون نجل النائب الأسبق منصور البون. تبنّى جعجع ترشيح سمير صليبا في المتن، وهو معروف بحراكه الشبابيّ والديناميكيّ.

أحدثت سلسلة الانسحابات لنوّاب “القوّات” من الشوط النيابيّ المفترَض في أيّار جلبة كبيرة غطّت على النقاشات الصاخبة حيال مصير الانتخابات نفسها

تشدّد مصادر “قوّاتيّة” على “ضرورة إدخال تجارب نيابيّة جديدة، ودم شبابيّ، مع احترام كلّ التجارب النيابيّة السابقة، وهو خيار يصعب لأيّ حزب أن يَنتهجه مع هذه السلّة الواسعة من تغيير الوجوه، لكن في ظلّ الانسجام الكامل بين القيادة والقواعد “القوّاتيّة” يُصبح هذا الخيار مَحميّاً في لحظة سياسيّة مفصليّة”، فيما يبقى الهدف الأكبر لـ”القوّات” رفع عدد نوّاب كتلة “الجمهوريّة القويّة” الحاليّ (19 نائباً)، وتؤكد أوساطها في هذا السياق أنّ “الكتلة ستكبر حتماً”.

إقرأ أيضاً: هل يقدّم “شورى الدّولة” إخراج التّمديد؟

في المقابل، يرى خصوم “القوّات” أنّ “معراب تحاول التغطية على فشلها الحكوميّ، خصوصاً في ملفّ الكهرباء، بحركات استعراضيّة في بقع انتخابيّة تضمن أصلاً الفوز فيها، بغضّ النظر عن أسماء المرشّحين”، مشيرين إلى أنّ “الهدف المضمر على المدى البعيد إبعاد من لا يُصنّف في دائرة القريبين من النائب ستريدا جعجع، مع توقّع حدوث المزيد من الانسحابات داخل القوّات”.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

هل يقدّم “شورى الدّولة” إخراج التّمديد؟

منذ أن رفعت الحكومة يديها استسلاماً من مهمّة وضع مراسيم تطبيقيّة لقانون الانتخابات، وتحديداً للدائرة الـ16 الواجب استحداث مقاعدها، بدا أنّ خيطاً رفيعاً لتواطؤ ما…

مصادر أميركيّة لـ”أساس”: نثق بالجيش و”لا” لانتخابات بقوّة السّلاح

بينما تتّجه الأنظار إلى خطّة الجيش اللبنانيّ في مرحلتها الثانية، يسود جوّ من الترقّب الأميركيّ لهذه المرحلة وسرعة تنفيذها من عدمه. ثمّة تباين بين توقيت…

جنوب اللّيطاني وشماله: مهل مفتوحة و”تسوية”؟

تترافق المرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح شمال الليطاني مع لحظة انشداد دوليّة نحو المفاوضات الأميركيّة – الايرانيّة المترنّحة بين خيارَي الحرب واللاحرب. تلفح هذه…

إيران وخطيئة “التفاؤل المفرط”

لماذا خرجت إيران بأجواء إيجابيّة من جولة التفاوض الأخيرة في جنيف؟ لماذا عاكست المواقف الأميركيّة الأجواء التي سارع عبّاس عراقجي إلى بثّها؟   كانت جلسة…