أحيا القصف الإسرائيليّ على البقاع، والروايات الأولى المبالَغ فيها عن استهداف مدنيّين وأطفال، الحجّةَ ذاتها في أوساط جمهور الممانعة: “الدولة الوقحة التي تريد نزع السلاح لا تستطيع أن تحمينا من إسرائيل”. تبيّن لاحقاً، أنّ من بين الضحايا العشرة في غارات البقاع، الذين أعلنت عنهم وزارة الصحّة اللبنانيّة بصفة “مواطنين”، ثمانية على الأقلّ هم عناصر ومسؤولون نعاهم “الحزب” بالاسم والصورة.
على هذا النحو، تضاف رواية “المجزرة بحقّ أهالينا العزّل” إلى صرخة “أين الدولة التي تريد نزع سلاحنا”، لإنتاج سرديّة وسط جمهور “الحزب”، يُراد لها أن تُغلق النقاش حول الأثمان المدفوعة، وأن تعفي أصحابها من أيّ مساءلة أو محاسبة. بيد أنّ السؤال الحقيقيّ الذي يتهرّب منه هؤلاء، والذي ينبغي أن يُطرح بلا مواربة، هو: هل حماكم السلاح الذي يتمسّك به “الحزب”؟ هل منع القصف؟ هل أوقف الطائرات؟ هل حفظ الأرواح؟
الجواب قدّمه مشهد البقاع، بوصفه امتداداً لمشهد الاستباحة الجوّيّة الإسرائيليّة شبه الكاملة للبلد منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. لا يوجد مقدار من الشعارات الرنّانة، أو السرديّات المزوّرة التي تتلطّى خلف مجازر وهميّة، يمكنه التغطية على هذه الحقيقة: ما عاد بإمكان السلاح أن يوفّر مظلّة أمان لأحد، لا للبنان عامّةً ولا لأهل حزب السلاح على وجه التحديد، بل بات سبباً مغذّياً للاستباحة الإسرائيليّة وذريعة لتماديها. هذه الاستباحة في جوهرها هي النتيجة العمليّة الوحيدة للإصرار الانتحاريّ على إبقاء السلاح خارج إطار الدولة وسلطتها.
الحماية الحقيقيّة لكلّ اللبنانيّين، هي الحماية التي تمنع وقوع الغارة أصلاً، لا التي تستدرجها ثمّ تعجز عن صدّها، وتستثمر الضحايا بعدها دليلاً على ضعف الدولة وأداةً للمزايدة السياسيّة.
هل حماكم السلاح الذي يتمسّك به “الحزب”؟ هل منع القصف؟ هل أوقف الطائرات؟ هل حفظ الأرواح؟
سلطة موازية
نعم، الدولة اللبنانيّة ضعيفة. لكن ينبغي أن يُشار بصراحة إلى السبب الرئيسيّ لضعفها وإضعافها. هي ضعيفة لأنّ سلاحاً يعجز عن مواجهة إسرائيل في الميدان، يستقوي بدلاً من ذلك على الداخل، ويسلب الدولةَ أهمّ صلاحيّاتها السياديّة: قرار الحرب والسلم. كيف يقوى الجيش اللبنانيّ ويُبنى ويُدرَّب ويُسلَّح، في ظلّ سلطة موازية ترفض التنسيق معه إلّا وفق مزاجها وأجندتها وحساباتها الإقليميّة؟ كيف تتعزّز الثقة بالمؤسّسة العسكريّة إن ظلّت أسيرة مسايرة “الحزب” منعاً للاصطدام الأهليّ؟ كيف يمكن للدبلوماسيّة اللبنانيّة أن تنشط وتفاوض وتُقنع وتنتج حلولاً وتبني تحالفات، بينما العالم كلّه ينظر إلى لبنان “كمنصّة صواريخ” لا “كدولة”؟
ازدواجيّة السلاح لا تُضعف الجيش فحسب، بل تُشلّ السياسة الخارجيّة برمّتها، وتُحوّل كلّ عمليّة تفاوض لبنانيّة إلى استعراض دبلوماسيّ لا طائل منه. المفاوض اللبنانيّ الجالس إلى الطاولة الدوليّة، يجلس وخلفه سلاح لا يُطيعه، يعلم بحقيقته كلّ الموجودين في الغرفة.
خطأ مقصود
لا أُغفل هنا أنّ لضعف الدولة اللبنانيّة أسباباً أخرى وأنّ تركيبتها الطائفيّة والمحاصصاتيّة تُنتج فساداً مستشرياً وإدارة متهالكة واقتصاداً يسير بمنطق الغنيمة لا التنمية. لكنّ ثمّة خلطاً مقصوداً يرتكبه أصحاب السلاح حين يُساوون بين نوعين مختلفين تماماً من الضعف. قد يحول الضعف البنيويّ للدولة اللبنانيّة دون بناء مؤسّسات نظيفة أو تحقيق نهضة اقتصاديّة حقيقيّة، لكنّه لا يمنع إبرام ترتيبات سياسيّة وأمنيّة تحمي الحدود وتُوقف الغارات.
الدولة الضعيفة، بكلّ هشاشتها وتناقضاتها، هي نفسها من أبرمت اتّفاق ترسيم الحدود البحريّة عام 2022، وهي من أنتجت اتّفاق وقف الأعمال العسكرية عام 2006 وانتشار الجيش في الجنوب، والقرار 1701، وهي من يعمل اليوم ولو بتعثّر على حصريّة السلاح جنوب نهر الليطاني. حصل كلّ ذلك حين أتيح لها البعض من القدرة على القرار السياسيّ، واستغلال لحظات ضعف السلاح أو تقاطع المصالح معه.
الغارات الأخيرة على البقاع التي استهدفت قيادات الوحدات الصاروخيّة في “الحزب”، لم تكن مجرّد عمليّات أمنيّة روتينيّة، بل كانت رسائل موجّهة إلى طهران
حماية اللبنانيّين لا تشترط دولةً مثاليّة، بل تشترط دولةً تملك قرارها السياسيّ. وعليه لا مجال للحديث عن ضعف الدولة أو قوّتها في حماية اللبنانيّين بجدّية، قبل إنهاء ازدواجيّة السلاح، وفرض الجيش اللبنانيّ لنفسه الحامي الوحيد والشرعيّ للبلاد، تحت غطاء سياسيّ موحّد وقرار وطنيّ جامع، ووفق اتّفاقات وترتيبات يضمن فيها اللبنانيّون والإسرائيليّون الأمن والسلامة المتبادلة للمواطنين على جانبَي الحدود.
الحديث كلّه ينبغي أن ينصبّ الآن على ضعف السلاح الذي ما عادت له جدوى سوى المزيد من استنزاف لبنان وتبديد الفرص القليلة المتاحة لنهوضه.
الرّسالة إلى طهران
الغارات الأخيرة على البقاع التي استهدفت قيادات الوحدات الصاروخيّة في “الحزب”، لم تكن مجرّد عمليّات أمنيّة روتينيّة، بل كانت رسائل موجّهة إلى طهران وإلى دور “الحزب” في حساباتها المعنيّة بأيّ سيناريو مواجهة أميركيّة-إيرانيّة: إذا كنتم تفكّرون في الانزلاق إلى حرب إقليميّة بالوكالة، فنحن نراقب إعادة بناء قيادات الوحدات الصاروخيّة، ونعرف البدلاء والقادة الجدد، ونعرف خطط العمليّات، ونعرف الدور المرسوم لكلّ فرقة ومسؤول.
إقرأ أيضاً: غياب المرشد: الاغتيال اكتمل قبل وقوعه
هي دعوة واضحة لـ”الحزب” للبقاء على الهامش أو مواجهة المزيد من هدم قدراته. هذا التفوّق الاستخباراتيّ الإسرائيليّ يُسقط الحجّة من أساسها، إذ كيف يكون السلاح رادعاً وهو مكشوف بالكامل، ومُخترَق في قياداته، ومُستبَق في عمليّاته؟
الردع المزعوم لا يردع أحداً، لكنّه يستمرّ في استدراج الضربات وتقديم الضحايا، وأوّل الضحايا، هو لبنان الذي ما زال من الممكن إنقاذه.
لمتابعة الكاتب على X: