قلق إسرائيليّ من شبكات “سنّيّة” للحرس الثوري في الجنوب

مدة القراءة 7 د

تشهد الساحة الجنوبيّة في لبنان تحوّلات لافتة تعيد رسم ملامح المشهدين الأمنيّ والسياسيّ على الحدود مع إسرائيل. إلى جانب “الحزب”، الذي لطالما شكّل العنوان الأبرز للجبهة الشماليّة، برزت الجماعة الإسلاميّة، الفرع اللبنانيّ لجماعة الإخوان المسلمين، لاعباً متعدّد الأبعاد يجمع بين النشاط السياسيّ والاجتماعيّ والعمل العسكريّ، في تطوّر أثار اهتمام مراكز أبحاث إسرائيليّة وصحف غربيّة ومسؤولين أمنيّين على حدّ سواء.

 

 

في تقرير صدر في 10 شباط 2026، سلّط مركز “ألما” الإسرائيليّ للبحوث والتعليم الضوء على ما وصفه بـ”الشبكات الخفيّة” المشابهة لـ”الحزب”، والمتمثّلة بالجماعة الإسلاميّة في القرى السنّيّة القريبة من الحدود الجنوبيّة للبنان. اعتبر التقرير أنّ الجماعة تمثّل الفرع اللبنانيّ لجماعة الإخوان المسلمين، وتمارس مزيجاً معقّداً من الأنشطة السياسيّة والاجتماعيّة والعسكريّة، بما يسمح لها بالحفاظ على نفوذ هادئ لكن فعّال.

استهلّ التقرير بسرد عمليّة اعتقال عطوي محمّد عطوي في 8 شباط 2026 في بلدة الهبّاريّة الحدوديّة. كان عطوي يشغل منصب مسؤول منطقة حاصبيا ومرجعيون داخل الجماعة الإسلاميّة. نقلته قوّة إسرائيليّة إلى داخل الأراضي الإسرائيليّة للتحقيق، فثار احتجاج رسميّ لبنانيّ، واعتبرته بيروت انتهاكاً للسيادة، فيما وصفه “الحزب” بأنّه تصعيد خطير.

وفقاً للتقرير، “يعكس هذا الاعتقال جدّيّة المخاوف الأمنيّة المتزايدة من نشاط الجماعة على الحدود، في سياق الجهود الإسرائيليّة المتواصلة لتعطيل الشبكات المسلّحة التي تعمل بالتنسيق مع “الحزب” وغيره من الفاعلين الإقليميّين”.

تشهد الساحة الجنوبيّة في لبنان تحوّلات لافتة تعيد رسم ملامح المشهدين الأمنيّ والسياسيّ على الحدود مع إسرائيل

منصّات للتّعبئة والتّجنيد

يصف تقرير “ألما” الجماعة الإسلاميّة بأنّها منظّمة “سياسيّة ودينيّة وعسكريّة” تروّج لأيديولوجية الإخوان المسلمين داخل لبنان، مع تركيز خاصّ على المجتمعات السنّية في الجنوب. تدير مدارس دينيّة ومنظّمات شبابيّة وبرامج رعاية اجتماعيّة، وتمتدّ أنشطتها عبر حاصبيا ومرجعيون والقرى الجنوبيّة المحيطة، حيث تحافظ على مراكز محليّة تجمع بين الخدمات المجتمعيّة والتثقيف الأيديولوجيّ، وتستثمر في الفعّاليّات الدينيّة لتكون منصّات للتعبئة والتجنيد.

هذه الأنشطة، بحسب التقرير، “تخلق قاعدة محلّية وفيّة”، فتمكّن الجماعة من التأثير في النسيج الاجتماعيّ للسنّة، مع الحفاظ على أمن عمليّاتها العسكريّة، وتمنحها مرونة تنظيميّة وتصعّب استهدافها.

يخلص التقرير إلى أنّ فهم أنشطة الجماعة الإسلاميّة أساسيّ لتقويم استقرار جنوب لبنان والتفاعل بين الحوكمة المحليّة والأيديولوجية والنشاط العسكريّ.

“تايمز أوف إسرائيل”: التّصعيد الآتي من الجبهة السّنّيّة؟

من جهته، حذّر خوسيه ليف ألفاريز، وهو باحث أميركيّ –إسرائيليّ متخصّص في العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة والاستراتيجية الجيوسياسيّة الدوليّة، من أنّ “التهديد القادم على الجبهة الشماليّة ليس بديلاً عن “الحزب”، بل هو شريك إسلاميّ متخفٍّ بُني ليحظى بالشرعيّة في السلم وليشنّ هجماته في الحرب”.

كتب الباحث، الذي كان رقيباً سابقاً في وحدة “الشبح” التابعة للقوّات الخاصّة في جيش الدفاع الإسرائيليّ، ومحارباً قديماً في الجيش الأميركيّ، في مدوّنة على موقع “تايمز أوف إسرائيل” تحت عنوان “لبنان يواجه جبهة إرهابيّة سنّية جديدة”، أنّ التهديد الصاعد على الجبهة الشماليّة ليس بديلاً عن “الحزب”، بل شريك مكمّل له. أشار إلى وجود تنسيق ميدانيّ مع “الحزب” على طول الجبهة الشماليّة، حتّى من دون اندماج تنظيميّ. في جنوب لبنان، لا تحتاج الجماعات الإرهابيّة إلى تحالفات رسميّة للعمل في نظام ضغط موحّد ضدّ إسرائيل.

كتب: “في جنوب لبنان، حيث تتداخل بيئات الجماعات المسلّحة، غالباً ما يتلاشى التمييز بين التعاون والتعايش. تخلق مناطق الإطلاق المشتركة، اللوجستيّات المتداخلة، والأهداف المتوازية تنسيقاً فعليّاً حتّى في ظلّ بقاء سلاسل القيادة منفصلة. لذا ما يجعل الجماعة الإسلاميّة خطِرة ليس حجمها بل موقعها. تتغلغل بين المجتمعات السنّية التي لا يسيطر عليها “الحزب” سيطرة كاملة، وتعمل سياسيّاً في دولة تُعاني من الغموض، وتُقدّم لأصحاب النفوذ في لبنان شيئاً مفيداً: إمكانيّة الإنكار المعقول. عندما تُطلق الصواريخ، يمكن تشتيت اللوم، وعندما تردّ إسرائيل، تتلاشى المسؤوليّة في ضباب المؤسّسات اللبنانيّة”.

على الرغم من أنّ “الحزب” تعاون سابقاً مع مختلف الجماعات الإسلاميّة السنيّة في لبنان، مثل كتائب المقاومة، تُشكّل هذه الشراكة رابطاً جديداً بين الحرس الثوريّ الإيرانيّ

في رأي الباحث، يعكس اعتقال عطوي إدراك إسرائيل لكون منظومة التهديدات في لبنان لم تعد أحاديّة البُعد، وأنّه على الرغم من بقاء “الحزب” القوّة المهيمنة، لم يعد وحيداً، وأنّ الجهات الإسلاميّة السنّيّة تُهيّئ نفسها لتكون جبهات مساعدة، أصغر حجماً وأقلّ نشاطاً ومُقنّعة سياسيّاً، لكنّها مُندمجة تماماً في المحور المناهض لإسرائيل عند اندلاع الحرب.

هذا، برأيه، كارثيّ بالنسبة للبنان، فبلد يُكافح أصلاً لاحتواء جهة مسلّحة غير حكوميّة يُطبّع الآن وجود جهة ثانية. علاوة على ذلك، لم تعد الكيانات الإرهابيّة الشيعيّة والسنّية اللبنانيّة متنافسة، بل أصبحت متعاونة بشكل متزايد. أعلام مختلفة، خطابات مختلفة، والتأثير الاستراتيجيّ نفسه: يُستخدم لبنان منصّة انطلاق دون مساءلة.

خلص إلى التحذير من أنّ التصعيد المقبل قد لا يأتي بخطاب من “الحزب” أو بإشارة إيرانيّة، بل قد يأتي من جماعة وُصفت طويلاً بأنّها “سياسيّة” أو “اجتماعيّة” أو “معتدلة”، إلى أن تُقرّر خلاف ذلك. لم تكن الجبهة السنّيّة هادئة قطّ، إذ كان الأمر انتظاراً وحسب.

“التّلغراف”: تحالف غير متوقّع

بدورها، تناولت صحيفة “التلغراف” البريطانيّة الموضوع تحت عنوان “تحالف “الحزب” غير المتوقّع الذي ينذر بعهد جديد من الإرهاب”، وركّزت على مخاوف أجهزة الاستخبارات الإسرائيليّة من تحالفات عابرة للطوائف على الحدود الشماليّة، وعلى شعورهم بالقلق إزاء عودة ظهور الإسلام السنّيّ في لبنان لذاته. اعتبرت أنّ اعتقال عطوي عطوي يعكس قناعة إسرائيليّة بأنّ منظومة التهديد لم تعد أحاديّة البُعد.

إقرأ أيضاً: في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

نقل مراسل الصحيفة في القدس عن الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ماثيو ليفيت، قوله إنّ عودة “قوّات الفجر” للظهور تُظهر أنّ “الحزب” يسعى بنشاط للعمل مع حلفاء جدد لتجنّب خطر الردّ من الجيش الإسرائيليّ. في رأيه، “يكمن القلق في أنّ “الحزب” يسعى للعثور على أشخاص ليسوا أعضاءً فيه، يتمتّعون بحرّية حركة أكبر، ويُنظر إليهم بشكل أقلّ كوكلاء لإيران وأكثر كمقاتلين لبنانيّين. إنّهم يبحثون على طول الحدود السوريّة واللبنانيّة عن هؤلاء الوكلاء”.

إلى جانب القوّة العسكريّة المحتملة لتحالف تكتيكيّ بين “الحزب” وكتائب الفجر، يرى بعض المحلّلين، بحسب التقرير، رمزيّة مقلقة في التعاون الوثيق بين الجهاديّين السنّة والشيعة. حذّروا من أنّ التعاون التكتيكيّ بين الجماعة الإسلاميّة و”الحزب” قد يخلق مظلّة “جهاديّة جامعة” تتجاوز الانقسامات التقليديّة بين السنّة والشيعة.

على الرغم من أنّ “الحزب” تعاون سابقاً مع مختلف الجماعات الإسلاميّة السنيّة في لبنان، مثل كتائب المقاومة، تُشكّل هذه الشراكة رابطاً جديداً بين الحرس الثوريّ الإيرانيّ، الذي يُسيطر فعليّاً على الجماعة، وجماعة الإخوان المسلمين.

مواضيع ذات صلة

كسر قبضة طهران على بغداد: 3 سّيناريوهات للعراق

يرى ضابطان أميركيّان متقاعدان خدما في بغداد أنّ سقوط النظام الإيرانيّ، إن حدث، سيحمل للعراق مخاطر جسيمة وفرصاً تاريخيّة في آنٍ واحد. إذ قد يفتح…

فريدمان لترامب وليهود أميركا: لا تدعوا نتنياهو يخدعكم

انتقد الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان بشدّة سياسات رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، معتبراً أنّه يستهزئ بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وباليهود الأميركيّين على حدّ…

سوريا: السّاعات الأخيرة لـ”ملك موهوم ومهووس”

في مقال مطوّل تحت عنوان “سقوط آل الأسد”، روى الكاتب في مجلّة “ذا أتلانتيك” روبرت وورث الساعات الأخيرة لبشّار الأسد نقلاً عن أحد أعضاء حاشية…

فضيحة أبي عمر… كما ترويها “الفايننشيل تايمز”

“هي قصّة مذهلة تدلّ على مدى هشاشة النخبة السياسيّة اللبنانيّة ومدى سهولة التلاعب بها”، هكذا وصفت صحيفة “فايننشيل تايمز” البريطانيّة قصّة “أبي عمر”، الشخص الذي…