بين حديث إعلاميّ عن ورشة لتشكيل حكومة سوريّة جديدة بصلاحيّات موسّعة وأسماء طُرحت لرئاسة الوزراء، رسم تقرير i24NEWS صورة حكومة شاملة قد تعيد ترتيب المشهد التنفيذيّ في دمشق، مع تداول اسم فهد المصريّ لرئاسة الحكومة، ضمن خطّة تدريجيّة لدمج بعض الوزارات ورفع الكفاءة الإداريّة، في سياق الحديث عن مرحلة سياسيّة مختلفة تُراد لها شرعيّة أوسع داخليّاً وخارجيّاً.
معلومات “أساس” من واشنطن تعيد ضبط هذا المشهد وتضعه ضمن إطاره الفعليّ. يتموضع التغيير الحكوميّ المطروح ضمن تعديل وزاريّ محدود يطال عدداً من الوزراء على خلفيّة أداء اعتُبر ضعيفاً خلال المرحلة الماضية، لا أكثر. لن تكون التعديلات، بحسب المعلومات، جذريّة، ولن تمسّ الوزارات السياديّة الأساسيّة، الداخليّة والدفاع والخارجيّة، التي تُعدّ ركائز المرحلة الأمنيّة والسياسيّة الراهنة.
تقول معلومات “أساس” إنّ هذه التصريحات لا تُفهم ككلام عابر، بل تعكس ارتياحاً أميركيّاً واضحاً لأداء الشرع، خصوصاً في ملفّ الأكراد، الذي يُعدّ أحد أكثر ملفّات المرحلة حساسيّة
تضيف معلومات “أساس” أنّ التوجّه يميل إلى انتظار مرور سنة كاملة على الحكومة الحاليّة، باعتبارها أوّل حكومة بعد سقوط النظام، قبل أيّ إعادة نظر أوسع، وتؤكّد أنّ فهد المصري لن يكون له أيّ دور سياسيّ رسمي في المرحلة الراهنة داخل سوريا، خلافاً لما جرى تداوله في بعض التقارير.
بهذا المعنى، لا يجري الحديث عن إعادة تشكيل شاملة للسلطة، بل عن إعادة ضبط أداء داخل بنية قائمة، في لحظة تُعتبر حسّاسة على مستوى التوازنات الداخليّة والخارجيّة.
يتقاطع هذا المسار الداخليّ مباشرة مع الموقف الأميركيّ المعلَن تجاه الرئيس أحمد الشرع. قال الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إنّ الشرع “الذي كنت عمليّاً سبباً في وصوله إلى الرئاسة، يقوم بعمل استثنائيّ”. أضاف أنّه “رجل صارم وليس مثاليّاً”، لكنّ “الشخص المثاليّ لم يكن ليتمكّن من إنجاز المهمّة”، وأكّد أنّ سوريا “تتوحّد فعليّاً وتسير في الاتّجاه الصحيح”، مشيراً إلى أنّ تعامل الشرع مع الأكراد حتّى الآن “كان جيّداً جدّاً”.
هذه التصريحات لا تُفهم ككلام عابر، بل تعكس ارتياحاً أميركيّاً واضحاً لأداء الشرع، خصوصاً في ملفّ الأكراد، الذي يُعدّ أحد أكثر ملفّات المرحلة حساسيّة.
لم تكن العلاقة بين ترامب والشرع ظرفيّة أو بروتوكوليّة. التقيا في أكثر من مناسبة، آخرها في البيت الأبيض في تشرين الثاني 2025، بعد ستّة أشهر من لقائهما الأوّل في المملكة العربيّة السعوديّة بترتيب من ولي العهد السعودي، حيث أعلن ترامب حينها خططاً لرفع العقوبات، وذلك بعد أيّام فقط من إعلان الولايات المتّحدة أنّ الشرع لم يعد “إرهابيّاً عالميّاً مصنّفاً بشكل خاصّ”. عكس هذا المسار انتقال العلاقة من مستوى الحذر إلى مستوى أعلى من الانفتاح السياسيّ.
تقول معلومات “أساس” إنّ قيادة “قسد” عادت إلى ضخّ خطاب الحكم المحلّيّ بعد سلسلة لقاءات مع مسؤولين غربيّين خلال الفترة الأخيرة، لا سيما في أوروبا، مستندة إلى إشارات دعم خارجيّة
تقليص الوجود الأميركيّ
في موازاة هذا الدعم السياسيّ، يتبلور مسار أميركيّ ميدانيّ لا يقلّ أهميّة. تتّجه واشنطن إلى تقليص وجودها العسكريّ تدريجاً في سوريا ضمن انتقال وُصف بأنّه “مدروس ومبنيّ على ظروف الميدان”. تشير المعطيات إلى أنّ الوجود العسكريّ الأميركيّ “بشكل مكثّف” لم يعُد مطلوباً، في ظلّ تقدير بأنّ الحكومة السوريّة باتت مستعدّة لتحمّل المسؤوليّة الأساسيّة في “مكافحة الإرهاب”.
يحمل هذا التحوّل دلالة سياسيّة واضحة بحسب ما قاله مصدر مقرّب من الحكومة السوريّة لـ”أساس”: لا يأتي تقليص الوجود العسكريّ كإعادة تموضع فقط، بل كمؤشّر إلى مستوى الثقة بقدرة السلطة في دمشق على الإمساك بالأرض أمنيّاً. حين تنتقل واشنطن من الحضور المباشر إلى الاعتماد على الحكومة السوريّة في مكافحة الإرهاب، فهذا يعني أنّ ميزان التقدير الأمنيّ تبدّل.
في المقابل، يرتفع منسوب التوتّر في ملفّ “قسد”. لم تأتِ التصريحات الأخيرة للقياديّة إلهام أحمد وتحذيرها من اندلاع حرب جديدة في سياق أمنيّ فقط، بل بدَوَا كإشارة سياسيّة إلى محاولة رفع السقف في مواجهة الاتّفاق مع دمشق.
تقول معلومات “أساس” إنّ قيادة “قسد” عادت إلى ضخّ خطاب الحكم المحلّيّ بعد سلسلة لقاءات مع مسؤولين غربيّين خلال الفترة الأخيرة، لا سيما في أوروبا، مستندة إلى إشارات دعم خارجيّة. تأتي هذه العودة إلى مطلب الحكم المحلّيّ في وقت تتّجه فيه التفاهمات الإقليميّة نحو تضييق هامش المشاريع الموازية للدولة.
تضيف المعلومات أنّ الموقف الغربيّ في هذا الملفّ ليس موحّداً: دعم للاتّفاق مع دمشق في العلن عند لقاء المسؤولين السوريّين، مقابل رسائل مختلفة تُنقل إلى قيادات “قسد” في الكواليس، في ظلّ قلق من التفاهم القائم بين ترامب والشرع وإردوغان وما يفرضه من وقائع جديدة على الأرض.
إقرأ أيضاً: إيران وخطيئة “التفاؤل المفرط”
تثبيت الدّعم الخارجيّ
هكذا يتبلور المشهد على مسارين متوازيَين: تثبيت حكوميّ داخليّ عبر تعديل محدود، وتثبيت خارجيّ عبر دعم أميركيّ سياسيّ وتقليص عسكريّ تدريجيّ. وفي المقابل، تصعيد كرديّ يتحرّك ضمن هامش يتقلّص تدريجاً.
لا تشير المعادلة التي تتشكّل إلى إعادة صياغة كاملة للنظام السياسيّ، بل إلى إعادة تثبيت مركز القرار في دمشق، في ظلّ مظلّة أميركيّة تعكس ارتياحاً واضحاً لمسار المرحلة.