بعد ساعات من انتهاء جلسة المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة الأخيرة في جنيف، وبعد التصريحات المملّة من وفدَي البلدين عن التقدّم، التفاؤل، ووضع إطار… وما يشبه ذلك، قالت مصادر في واشنطن إنّ الولايات المتّحدة طلبت من وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي وفريقه العودة في آخر شباط الجاري بردّ مكتوب ليُبنى على الشيء مقتضاه. فيما يمهل هذا الإعلان إيران 10 أيّام لتأتي بفتاوى جديدة، يجوز التساؤل بشأن “بركة” الصبر والتمهّل التي هبطت على واشنطن على نحو لا يشبه تعجّلها وتوعّدها بالسرعة والحسم.
لا يوحي ذلك “التسامح” إلّا بحاجة الولايات المتّحدة إلى مزيد من الوقت لتنشر قواها العسكريّة المتكاثرة والمتدافعة لتتناسب مع الأهداف المجهولة لضربات لم تخفِ احتمالاتها. بالنظر إلى تجربة “مطرقة منتصف الليل” حين شنّت قاذفات B2 الاستراتيجيّة في حزيران الماضي ضربات على مفاعلات فوردو ونطنز وأصفهان قبل يومين من موعدٍ لجولة مفاوضات جديدة في مسقط، ليس من المستبعد أن يسبق “المهلة” الأميركيّة هجوم واسع ومركّز، يلاقي تقويماً سلبيّاً لنتائج لقاء جنيف.
رأس الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أوّل اجتماع، الخميس، لـ”مجلس السلم”، إلّا أنّ رواج همّة ذلك السلم مع الاستعداد لتلك الحرب قد لا يكون تناقضاً بقدر ما هو حاجة منطقيّة في رؤى ترامب إلى الاندفاع لإزالة ما يعتبره عقبة لذلك الشرق الأوسط الذي يطمح إليه. الأرجح أنّ طهران بدأت تميل، على الرغم من أوراق التنازل التي ألقت بها دفعة واحدة، إلى إدراك أنّ ما يضجّ في مياه المنطقة يقود إلى الحرب، وأنّ عليها التموضع حول ما يكاد يكون يقيناً.
يُجمع خبراء الشؤون العسكريّة على أنّ الضربة الأميركيّة ستكون أكبر وأمضى وأوسع من “مطرقة” حزيران الماضي. فيما يستبعد العارفون أن تغيّر تلك الضربات مواقف طهران من المطلوب منها أميركيّاً، باتوا يميلون إلى أنّ هدف تلك الحرب هو التعامل مع “الحالة” الإيرانية، بما في ذلك إسقاط النظام في طهران.
قالت مصادر في واشنطن إنّ الولايات المتّحدة طلبت من وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي وفريقه العودة في آخر شباط الجاري بردّ مكتوب ليُبنى على الشيء مقتضاه
هل يصمد النّظام؟
يغيب على نحو ملتبس جهر رسميّ لإدارة ترامب بميل إلى إسقاط النظام على الرغم من أنّ ترامب نفسه كان لوّح بهذا الخيار. يشمل الاستغراب غياب الخطّة “ب”، في حال استهدفت الحرب وجود النظام الإيرانيّ عن قصد، أو انهيار إثر ضربات أدّت إلى الشلل والفوضى والتصدّع. يتشكّك الخبراء في إمكانيّة صمود النظام أمام كثافة النيران الأميركيّة وحدها (إذا لم نحتسب تلك الإسرائيليّة) بعد ضغوط العقوبات وضربات حزيران وارتكاب طهران قبل أسابيع “مجزرة” طالت آلافاً من المحتجّين. تستبعد المصادر عدم إدراك واشنطن لخطورة حربها، ويفترض أنّها تُعدُّ العدّة للتعامل مع كلّ الاحتمالات.
قد يكون ذلك الغموض، حتّى في التلويح ببدائل مقترحة للنظام الساقط، والنشر المكثّف لحاملات الطائرات والقوى البحريّة والجوّيّة المواكبة، يهدفان إلى “إخضاع” إيران وإجبارها على احترام خطوط ترامب الحمر، وفق ما لمّح إليه نائب الرئيس جي دي فانس تعليقاً على جلسة جنيف.
غير أنّ نظام إيران الذي ينهل كثيراً من خياراته من زاد أيديولوجيّ خشبيّ، قد يلعب ورقة المجازفة حتّى آخر حبّة غبار من حافة الهاوية. لعلّ في تلك المقامرة ما يثني ترامب عن خوض حرب تسهل مباشرتها ويصعب ختمها. وإذا ما رفض ترامب الانخراط في ألعاب الميسَر، فقد تغريه مجريات الحرب بإقفال ملفّ نظام طهران وطيّ صفحته وفتح صفحة أخرى.
تصوّرات جاهزة
يتعذّر الركون إلى ما هو رسميّ في واشنطن. غير أنّ أوراق سياسات ومقالات مطوّلة صادرة عن مراكز التفكير في الولايات المتّحدة تحثّ واشنطن على امتلاك تصوّر لما ستفعله إذا بدأت مؤشّرات الانهيار تتراكم. تتعامل تلك الأوراق مع كيفيّة دعم قوى معارضة، وتوفير ممرّات إنسانيّة واقتصاديّة، ومنع تفكّك الدولة إلى أقاليم متصارعة على أسس قوميّة ومذهبيّة.
يدور الجدل حول معارضة خارجيّة وعلى رأسها المجلس الوطنيّ للمقاومة الإيرانيّة أو وليّ عهد إيران السابق أو واجهات أخرى تمنّي النفس باعتراف أميركيّ صريح بها. في المقابل، يتحفّظ تيّار داخل المؤسّسة الأميركيّة على الرهان على تنظيم واحد أو قائد منفى، مستحضراً تجربة العراق بعد 2003، حين أدّى الرهان على نخبة معارضة في الخارج إلى أزمة شرعيّة داخليّة، وإلى فراغ أمنيّ وسياسيّ مهّد للحرب الأهليّة وصعود الجماعات المتطرّفة. تلمّح بعض السيناريوات الواقعيّة في واشنطن إلى فكرة “سلّة واسعة” من الشركاء الإيرانيّين المحتملين: ناشطون في الداخل، نخب تكنوقراط، شخصيّات من داخل النظام السابق لم تتورّط في جرائم كبرى، وأطراف معارضة في الخارج.
إقرأ أيضاً: في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟
عراق ثانٍ؟
لكنّ التحدّي الأكبر يكمن في كيفيّة تجنّب أن تتحوّل إيران إلى فسيفساء حروب. تحمل الخريطة الإثنيّة والمناطقيّة للبلاد بذور صراعات كامنة: أكراد في الغرب، عرب في الجنوب الغربيّ، بلوش في الشرق، آذريّون في الشمال الغربيّ، إضافة إلى الصدع المذهبيّ والقوميّ بين المركز الفارسيّ والمحيط المهمّش. إذا انهار المركز بشكل فوضويّ، يمكن أن تتدافع هذه الهويّات نحو مطالب انفصاليّة أو نحو بناء سلطات محليّة مسلّحة، خاصّة إذا دخلت أطراف خارجيّة – إقليميّة أو دوليّة على خطّ الاستثمار في هذه الأوراق.
تدعو بعض الرؤى إلى رسم “خريطة إنقاذ مبكرة” لليوم التالي تقوم على تجنّب خطأ حلّ الجيش و”اجتثاث البعث” في العراق، حيث أدّى تفكيك الدولة إلى فتح بوّابة الفوضى. لكنّ سقوط نظام إيران ليس حدثاً إيرانيّاً فقط بل زلزال ستصيب ارتجاجاته المنطقة برمّتها. يفاقم غياب خطّة أميركيّة تناقش مع دول المنطقة تهيّبها من خيار إسقاط نظام طهران. لا تخفي تلك الدول، من تركيا إلى الخليج مروراً بمشرق المنطقة ومغربها، رفض الخيار العسكريّ ضدّ إيران ومآلاته المجهولة. يقول لسان حال من خاصمتهم طهران في المنطقة قبل من صادقتهم إنّ نظاماً نعرفه على كوارثه أفضل من نظام لا نعرف ألفه من يائه.
لمتابعة الكاتب على X: