بعد إيران: تركيا وإسرائيل بين التّحدّي والتّوازن

مدة القراءة 6 د

لن يترك أيّ تحوّل جذريّ في موقع إيران، سواء أكان ضعفاً أو احتواءً، فراغاً محايداً في الشرق الأوسط، بل سيقود إلى إعادة توزيع الثقل الاستراتيجيّ في الإقليم. في مقدَّم المتأثّرين بهذه التحوّلات تقف إسرائيل وتركيا، كلٌّ بحساباته وأولويّاته وهواجسه المتعدّدة الأبعاد. هنا تبدأ مرحلة جديدة من إعادة رسم التوازنات: مرحلة قد لا تكون فيها المواجهة المباشرة السيناريو المرجّح، لكنّها لم تعد خارج حسابات التخطيط الاستراتيجيّ.

 

تتّجه الأنظار إلى أنقرة وتل أبيب لمعرفة كيف سيُدار فراغ ما بعد إيران: هل يدخل الطرفان مرحلة ردع بارد طويل الأمد أم ينزلقان إلى سباق نفوذ مفتوح يعيد صياغة قواعد اللعبة الإقليميّة؟

لا يتعلّق السؤال الأعمق بمن يملأ الفراغ فقط، بل بكيفيّة تصرّف الحلفاء، وفي مقدَّمهم واشنطن، إذا تحوّل التنافس التركيّ – الإسرائيليّ إلى صدام استراتيجيّ يصعب ضبط إيقاعه أو احتواؤه.

لعبت إيران خلال السنوات الماضية دوراً محوريّاً في معادلات الإقليم، من سوريا إلى العراق ولبنان واليمن، فبات حضورها عاملاً ثابتاً في حسابات الأمن القوميّ لكلٍّ من أنقرة وتل أبيب. مع تصاعد الحديث عن مرحلة “ما بعد إيران”، تراقب تركيا التطوّرات عن كثب، مدركة أنّ أيّ فراغ سياسيّ أو أمنيّ محتمل لن يكون حدثاً عابراً، بل لحظة إعادة تشكيل غير معلنة للنفوذ والحدود قد تعيد ترجيح موازين القوى لمصلحة إسرائيل.

أنقرة أمام معادلة مركّبة

في هذا السياق، تبدو أنقرة أمام معادلة مركّبة: فرص استراتيجيّة قد تتقاطع مع مخاطر غير محسوبة، فيما يترقّب الفاعلون الإقليميّون والدوليّون إعادة تموضع كبرى. يبقى العامل الأكثر حساسيّة في هذه المعادلة سلوك إسرائيل، وقد تراوح السيناريوات بين إدارة تنافس مضبوط الإيقاع والذهاب إلى احتكاك مباشر عبر ساحات نفوذ متداخلة.

تعكس الرسائل الصادرة عن أنقرة تصميماً واضحاً على حماية مصالحها وتعزيز موقعها في الإقليم

بين هذه الاحتمالات، تدرك أنقرة أنّ البقاء خارج معادلة ما بعد إيران ليس خياراً، وأنّ إعادة تعريف موقعها في التوازنات الجديدة مسألة مرتبطة أيضاً بما ستقدم عليه إسرائيل.

تدرس تركيا اليوم خياراتها بعناية لتوسيع قدرتها على الردع، داخليّاً وإقليميّاً. ترسم ملامحَ رؤيةٍ واضحةٍ التصريحاتُ الصادرةُ عن مسؤولين أتراك بشأن ضرورة الاستعداد لكلّ السيناريوات، بما فيها اختلال التوازنات الاستراتيجيّة، إلى جانب تسريع تطوير القدرات الدفاعيةّ المتقدّمة: تريد أنقرة أن تكون لاعباً لا يمكن تجاوزه في أيّ ترتيبات إقليميّة مقبلة.

يتمثّل السؤال المركزيّ هنا في كيفيّة الموازنة بين مصالحها داخل حلف شمال الأطلسي، وواقع العلاقة القائمة بين عدد من دول الحلف وإسرائيل، في حال تصاعد التنافس الإقليميّ.

يتّضح من تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان ومن تحليلات دوائر التفكير التركيّة أنّ أنقرة تسعى إلى بناء معادلة ردع متعدّدة الأبعاد، لا تقتصر على القدرات التقليديّة، بل تشمل أيضاً تعزيز الحضور الإقليميّ وإعادة التموضع الاستراتيجيّ إزاء أيّ اختلال محتمل في ميزان القوى.

تسعى تركيا، في هذا السياق، عبر اتّفاقيّات مع المملكة السعوديّة ومصر وباكستان إلى تقوية تحالفاتها العسكريّة، وهو ما يزيد من قلق إسرائيل حيال العقود والتجهيزات التي قد تمنح أنقرة قدرة ردع إضافيّة. لا يقتصر التمدّد العسكريّ التركيّ على الحدود الوطنيّة، بل يشمل مناطق نفوذ استراتيجيّة خارجيّة. هذا ما يقود إسرائيل إلى رصد كلّ خطوة تركيّة عن كثب، والسعي إلى موازنة الثقل العسكريّ التركيّ عبر ساحة شرق المتوسّط وبحر إيجه، بما يشمل اليونان وقبرص اليونانيّة، إضافة إلى النفوذ الأميركيّ في المنطقة.

تراقب العواصم الغربيّة، إلى جانب إسرائيل، مواقف تركيا وتحرّكاتها، في ظلّ تقديرات تدعو إلى متابعة التوتّر التركيّ– الإسرائيليّ بحذر. تراوح السيناريوات المطروحة غربيّاً بين مسارات تهدئة دبلوماسيّة ومحاولات لضبط إيقاع التنافس عبر قنوات غير مباشرة، وصولاً إلى استراتيجيات ضغط محسوبة على الطرفين.

تراقب العواصم الغربيّة، إلى جانب إسرائيل، مواقف تركيا وتحرّكاتها، في ظلّ تقديرات تدعو إلى متابعة التوتّر التركيّ– الإسرائيليّ بحذر

بيئة إقليميّة متوتّرة

لكنّ افتراض أنّ أيّ فراغ إيرانيّ محتمل سيُنتج بيئة إقليميّة هادئة هو طرح يفتقر إلى الواقعيّة بحسب الكثيرين. كلّ فراغ في الشرق الأوسط سرعان ما يتحوّل إلى ساحة تنافس تستفيد منها إسرائيل.

هنا تجد الولايات المتّحدة وشركاؤها الأوروبيّون أنفسهم أمام تحدٍّ مزدوج: حماية مصالحهم الإقليميّة من جهة، وتجنّب دفع أنقرة وتل أبيب إلى خيارات تصعيديّة قد تفتح الباب أمام أزمة أوسع في المنطقة من جهة أخرى.

تركيا

غير أنّ المسألة لا تتعلّق فقط بإمكانيّة التصعيد التركيّ- الإسرائيليّ، بل بكلفته الاستراتيجيّة، فأيّ مواجهة غير محسوبة لن تغيّر موازين القوى فحسب، بل ستحمّل الكثيرين أثماناً سياسيّة واقتصاديّة وأمنيّة تتجاوز حدود المنطقة، في لحظة تتّسم أصلاً بهشاشة التوازنات الإقليميّة.

تقف تركيا وإسرائيل، إلى جانب حلفائهما، أمام خريطة معقّدة من المصالح المتداخلة والتحدّيات المتصاعدة. ما بعد أيّ تفجير سيعيد رسم خطوط النفوذ وسط توازنات جديدة تدفع باتّجاه مراجعة المكاسب والمخاطر.

تعكس الرسائل الصادرة عن أنقرة تصميماً واضحاً على حماية مصالحها وتعزيز موقعها في الإقليم، الذي تنسّق مع عدد من دوله الفاعلة منذ سنوات. في المقابل، يبقى الدور الغربيّ عنصراً حاسماً في منع انزلاق التنافس إلى مواجهة مفتوحة، عبر إدارة دقيقة للتوازن بين الشراكات والضغوط.

ثمن الخروج عن السّيطرة

في هذا السياق، يبقى السؤال: ما الثمن الذي قد تدفعه أنقرة وتل أبيب، إقليميّاً ودوليّاً، إذا خرجت الأمور عن السيطرة؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدّد شكل التحرّكات وسلوك الحلفاء عند أيّ تصعيد محتمل، وهو ما يجعل المشهد الإقليميّ بأكمله على المحكّ.

تدرس تركيا اليوم خياراتها بعناية لتوسيع قدرتها على الردع، داخليّاً وإقليميّاً

بدأت “مرحلة ما بعد إيران” تُطرح كإشكاليّة حقيقيّة في العلاقات التركيّة – الإسرائيليّة. لم يعد السؤال متعلّقاً بإمكانيّة التنافس بقدر ما أصبح مرتبطاً بحدوده وكيفيّة ضبطه. في حال اندلاع مواجهة أوسع مع إيران، ستتّجه الأنظار إلى أنقرة وتل أبيب والعواصم الغربيّة لمعرفة من يمتلك القدرة على التحكّم بمسار التصعيد.

إقرأ أيضاً: أردوغان في الرّياض والقاهرة: توازن إقليميّ جديد؟

تقف المنطقة بأكملها أمام اختبار صعب تفرضه سياسات إسرائيل: إمّا إدارة المصالح والحسابات بعقلانيّة وبراغماتيّة، أو دفع كلفة استراتيجيّة باهظة في ساحة لم تعد تحتمل هامشاً كبيراً للخطأ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

تزداد القناعة بأنّ “الحزب” في لبنان بات “حزبين”، لكلّ منهما توجّهه حيال تحوّلات المنطقة، واستطراداً حيال خطّة الحكومة لحصر سلاحه بيد الدولة. يوازي ذلك الانطباع…

إيران بين اللّاءات الإسرائيليّة ودبلوماسيّة واشنطن؟

في اللحظة التي أعلن فيها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو “لاءاته الثلاث” الحاسمة بشأن أيّ اتّفاق محتمل مع إيران، بدا المشهد وكأنّه يعود إلى نقطة…

انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة على وضع قانون انتخاب يُقدِّم…

“الحزب” عند تقاطع الانتخابات والمفاوضات

“هل تموت أنت ومن معك… أم تموت وحدك؟”. عندما وجّه الجنديّ الإسرائيليّ هذا السؤال لأحمد ترمس ابن بلدة طلوسة، كان جوابه بديهيّاً وعقلانيّاً في لحظة…