تترافق المرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح شمال الليطاني مع لحظة انشداد دوليّة نحو المفاوضات الأميركيّة – الايرانيّة المترنّحة بين خيارَي الحرب واللاحرب. تلفح هذه المحطّة الدوليّة المفصليّة، بكلّ تشعّباتها، الداخل اللبنانيّ بقوّة، من الانتخابات إلى السلاح. لكنّ المؤكّد أنّ من ضمن نتائجها “المُسبقة” مرور عاصفة “نزع السلاح” شمال نهر الليطاني بهدوء داخل الحكومة، مع تفهّم دوليّ “خماسيّ” لمقتضيات المرحلة عسكريّاً وسياسيّاً، وآليّة العمل خارج قطاع جنوب الليطاني.
يُمهّد الاجتماع التحضيريّ لمؤتمر دعم الجيش الثلاثاء المقبل في القاهرة، بدفع من دول اللجنة الخماسيّة، لأوسع تمويل للجيش منذ عقود في حال رسا القرار الدوليّ، خصوصاً على محور واشنطن – الرياض، على توفير مقوّمات إنجاح مؤتمر دعم الجيش في باريس بتلبية المطلب اللبنانيّ الملحّ لمليار دولار سنويّاً على عشر سنوات.
“المطلب” اللبنانيّ، الذي هو شرط لاستقرار أمنيّ وعسكريّ مُستدام يواكِب ويلي مرحلة سحب السلاح نهائيّاً، هو بالأساس اقتراح أميركيّ ورد ضمن الورقة الأميركيّة التي قدّمها الموفد الأميركيّ السابق توم بارّاك لـ”استدامة” اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة المقَرّ في تشرين الثاني 2024.
جاء بند المليار سنويّاً تحت عنوان “الحوافز الدبلوماسيّة” في ورقة توم بارّاك، التي وافقت عليها الحكومتان اللبنانيّة والإسرائيليّة، لجهة “السعي إلى استمرار تلقّي الدعم العسكريّ السنويّ الأميركيّ البالغ حوالي 150 مليون دولار، والسعي إلى توفير مليار دولار سنويّاً من الدول المانحة لمدّة عشر سنوات، لتمويل تجهيزات الجيش اللبنانيّ وقوى الأمن”. في ما يخصّ لبنان سيحصل على “ضمانات أمنيّة استراتيجيّة من الولايات المتّحدة وفرنسا (ولإسرائيل أيضاً)، ودعم أميركيّ لتسهيل حصوله على مساعدات من المؤسّسات الماليّة الدوليّة، وتحفيز الاستثمارات الخاصّة”.
معادلة “الحزب” واضحة: لن تُسلَّم طلقة رصاص خارج قطاع جنوب الليطاني
مليار بارّاك
تقول مصادر سياسيّة بارزة لـ”أساس”: “غادر توم بارّاك وأخذ ورقته معه. هناك فقط رهان رسميّ لبنانيّ على التزام تمويل المليار على عشر سنوات لتمكين الجيش من القيام بأكبر انتشار في تاريخه، إضافة إلى مهامّه على الحدود وفي الداخل. إذا نظرنا إلى الاتّفاق وبنوده ومندرجات مراحله الأربع، نرى أن لا شيء تحقّق إطلاقاً، باستثناء التزام حكومة نوّاف سلام إعلان خطّة حصريّة السلاح، والطلب من الجيش تقديم خطّته، وتنفيذ المرحلة الأولى من هذه الخطّة بسحب السلاح نهائيّاً من جنوب الليطاني ومنع وجود أيّ نشاط عسكريّ لـ”الحزب”، ومباشرة تنفيذ المرحلة الثانية شمال الليطاني”.
تضيف المصادر: “سقطت الورقة تماماً، وقد حلّت محلّها إدارة إسرائيليّة خالصة للبنان، بغطاء أميركيّ، جنوب الليطاني وشماله، وفي بيروت والبقاع، مع رسالة أميركيّة واضحة وصلت للمسؤولين اللبنانيّين بأنّ إسرائيل لن تتراجع متراً واحداً أو توقف عمليّاتها الأمنيّة والعسكريّة قبل أن “يختفي” “الحزب” بجناحه العسكريّ، مع آخر قطعة سلاح يملكها. في المقابل، قامت إدارة لبنانيّة، بأركانها الثلاثة جوزف عون ونبيه برّي ونوّاف سلام، بالتنسيق مع “الحزب” لفرض خطّة نزع السلاح تحت ضغط إسرائيليّ هائل أحال الدولة برمّتها إلى عدّاد لتسجيل الخروقات، من دون أن تنفع أيّ خطوة رسميّة حتّى الآن، بما في ذلك إضفاء الطابع المدنيّ-السياسيّ على اجتماعات “الميكانيزم”، في دفع إسرائيل لتقديم خطوة مُقابلة، ولو رمزيّة”.
هكذا يذهب لبنان إلى مؤتمر دعم الجيش في باريس في 5 آذار المقبل بورقة أساسيّة هي التزام الحكومة والجيش تنفيذ خطّة حصر السلاح، والاستعداد لتفاوض سياسيّ غير مباشر مع الإسرائيليّ، وربط أيّ خطوة تُسهّل تنفيذ خطّة نزع السلاح بحصول لبنان على الدعم المطلوب للجيش ولمشروع إعادة الإعمار. هي النقطة شبه الوحيدة التي أثارها السفير سيمون كرم، الذي عُيّن مفاوضاً مدنيّاً في لجنة “الميكانيزم”، مع الجانب الإسرائيليّ في الاجتماعين اللذين حضرهما، تحت عنوان “حتميّة عودة الأهالي إلى القرى الحدوديّة بالتزامن مع انسحاب الجيش الإسرائيليّ”.
تضيف المصادر: سقطت الورقة تماماً، وقد حلّت محلّها إدارة إسرائيليّة خالصة للبنان، بغطاء أميركيّ، جنوب الليطاني وشماله
تسوية فاتّفاق؟
في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة في 16 شباط ارتسم مشهد لم تشهده اجتماعات الحكومة منذ إقرار خطّة الجيش في الخامس من آب الماضي، يُمهّد لاحتمالات متوقّعة في المرحلة المقبلة:
– تجزم مصادر وزاريّة بأنّه للمرّة الأولى بدا وكأنّ “تسوية” سياسيّة حكمت مناخ النقاشات داخل الجلسة. مع أنّ موقف “الحزب” صارم بعدم تبنّي أيّ خطّة تتحدّث عن حصر السلاح بعد جنوب الليطاني، استمع وزراء الثنائيّ إلى مداخلة قائد الجيش العماد رودولف هيكل “بتفهّم”، حتّى حين حدّد مهلة زمنيّة تصل إلى ثمانية أشهر لتنفيذ حصر السلاح شمال الليطاني. ثمّة من يؤكّد هنا أنّ قوى أساسيّة داخل الحكومة كانت اطّلعت مسبقاً على تقرير العماد هيكل، قبل أن يعرضه أمام باقي الورزاء. فعليّاً، لم يكن من فارق بين جلسة 5 آب التي انسحب منها وزراء الثنائيّ الشيعيّ وجلسة 16 شباط.
لن يكون تفصيلاً أن يُرصد “التفهّم” نفسه داخل “اللجنة الخماسيّة” التي التقت قائد الجيش في اليرزة، وفي اجتماعات العماد هيكل في واشنطن، باستثناء الجانب الإسرائيليّ الذي لا يزال ينفّذ أجندته الخاصّة، بمعزل عن أيّ تسويات وتفاهمات.
– لم تشِر مقرّرات جلسة 16 شباط إلى شمال الليطاني، بل أشارت إلى “أخذ العلم بعرض قيادة الجيش التقرير الشهريّ عن خطّة حصر السلاح في المناطق اللبنانيّة كافّة، إنفاذاً لقرار مجلس الوزراء رقم 1 تاريخ 5 آب 2025، والقرارات ذات الصلة”. هنا تقول معلومات إنّ الاعتراض الوحيد خلال المداولات أتى من رئيس الحكومة نوّاف سلام ووزراء “القوّات”، الذين دخلوا في نقاش مع قائد الجيش تناول عدم اعتماد تعبير “بين 4 أو 8 أشهر”، بل حصر المدّة بأربعة أشهر فقط، وإذا اقتضت الظروف العملانيّة تمديداً فلا إشكال، لكنّ قائد الجيش رفض ذلك، مفنّداً العوائق والصعوبات.
تسوية داخليّة تواكب مرحلة شمال الليطانيّ تمهيداً لـ”اتّفاق أمنيّ جديد”؟
مفاوضات أمنيّة – سياسيّة
– دخول أكثر من طرف إقليميّ ودوليّ على الخطّ مباشرة لترتيب إطار آخر يمهّد لمفاوضات أمنيّة-سياسيّة غير مباشرة مع الجانب الإسرائيليّ للتوصّل إلى اتّفاق جديد على أنقاض “الميكانيزم” وورقة بارّاك، لكن تُستوحَى منها مسألة “الضمانات المتبادلة” لكلّ من الجانبين اللبنانيّ والإسرائيليّ، كممرّ وحيد لإلزام إسرائيل بالتقدّم خطوة حيال لبنان.
– في مداخلته أضاء قائد الجيش على أمرين أساسيَّين: الحاجات اللوجستيّة للجيش لأداء مهمّته، وأنّ العدد المنتشر راهناً جنوب الليطاني لن يجري نقل جزء منه إلى شمال الليطاني، وهو ما يقتضي انتقال عناصر جديدة إلى شمال الليطاني. الأمر الثاني، كما قال، “تجاوب الناس” مع العمليّات التي سيُكلَّف بها الجيش لأنّ خطّ الجيش الأحمر يقتضي عدم الاصطدام مع الأهالي. هذا مع العلم أنّ العمل الأمنيّ شمال الليطاني بدأ منذ المرحلة الأولى للخطّة عبر منع نقل السلاح خارج منطقة جنوب الليطاني. الأهمّ أنّ قائد الجيش لم يدخل في تفاصيل عسكريّة بل بقي ضمن إطار الخطوط العريضة للخطّة.
– معادلة “الحزب” واضحة: لن تُسلَّم طلقة رصاص خارج قطاع جنوب الليطاني، لكن في الوقت عينه سبق للأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم أن وجّه رسالة تطمينيّة في تشرين الثاني الماضي للوسطاء وخلفهم إسرائيل، مؤكّداً أن “لا خطر على المستوطنات”.
إقرأ أيضاً: الحكومة تتبنّى رأي “هيئة التّشريع والاستشارات”؟
– نحن عمليّاً أمام مهلة مفتوحة جنوب الليطاني تقتضيها “معالجة الأنفاق والذخائر”، وربّما اكتشاف أنفاق جديدة، ومهلة مفتوحة أخرى من شمال الليطاني حتّى الأوّلي تجزم مصادر عسكريّة أنّ “من الصعب جدّاً تقدير معالجتها لأنّه لا خرائط لأماكن الأسلحة، ولا نعلم حجم العمل الذي ينتظرنا”. لكنّ ما لا يقوله العسكر عن استراتيجية مختلفة تماماً ستحكم العمل شمال الليطاني يُسمَع في الكواليس السياسيّة، وهذه الاستراتيجية أقرب إلى الاحتواء والعمل الأمنيّ الكاتم للصوت، الذي قد لا يجد مداه حتّى في الإعلام، كما حصل في جنوب الليطاني.
لمتابعة الكاتب على X: