تزداد القناعة بأنّ “الحزب” في لبنان بات “حزبين”، لكلّ منهما توجّهه حيال تحوّلات المنطقة، واستطراداً حيال خطّة الحكومة لحصر سلاحه بيد الدولة. يوازي ذلك الانطباع بأنّ في طهران “إيرانَيْن” في التعاطي مع التنازلات المطلوبة منها بالمفاوضات مع أميركا. واشنطن متفهّمة وضع البلد بدليل قول دونالد ترامب إنّه “لا بدّ من حلّ مشكلة لبنان التي لا تعتبر كبيرة“. بالمقابل تحدّث عن مهلة 10 أيّام إلى أسبوعين لتظهير موقف المرجعيّة العليا في إيران حيال هذه التنازلات.
كشف إقرار الحكومة اللبنانيّة الإثنين الماضي خطّة حصر السلاح شمال الليطاني ضمن مهلة 4 أشهر “قابلة للتمديد” حالة الفصام التي تتحكّم بـ”الحزب”.
وزراء “الثّنائيّ” يوافقون وقاسم يعترض
بينما كان مجلس الوزراء مجتمعاً للاستماع إلى تصوّر قائد الجيش العماد رودولف هيكل للمرحلة الثانية من حصر السلاح، كان الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم يكرّر اتّهام الحكومة بارتكاب “الخطيئة الكبرى” بقرارها حصر السلاح. لكنّ الوزراء الموالين له لم يتحفّظوا على قرار الحكومة، ولم ينسحبوا كما حصل خلال اجتماعَيها في شهرَي تمّوز وآب الماضيَين لإقرار الخطّة الشاملة لحصريّة السلاح وتحديد موعد انتهاء المرحلة الأولى جنوب الليطاني.
يقول مصدر حكوميّ لـ”أساس” إنّ القرار الإثنين الماضي بشأن تنفيذ المرحلة الثانية مرّ بسلاسة. حدّدت الحكومة مهلة تنفيذ مصادرة السلاح بـ4 أشهر قابلة للتمديد، واكتفى وزراء “الحزب” وحركة “أمل” بالاستماع ولم يطرحوا أسئلة أو تحفّظات، فيما تولّى وزراء “القوّات اللبنانيّة” الاستفسار من العماد هيكل عن بنود الخطّة وقدرتها على تنفيذه.
تفهم مصادر رسميّة كلام ترامب عن لبنان بأنّه إعفاء من إقحامه في الحرب في حال وقعت
حصيلة زيارة هيكل الأميركيّة
يعزو وزراء عدم اعتراض زملائهم في “الثنائيّ الشيعيّ” إلى أنّ هيكل قدّم عرضاً عن نتائج زيارته لواشنطن مطلع الشهر، استنتج منه معظم الوزراء أنّ الجانب الأميركيّ اقتنع بأنّ سحب سلاح “الحزب” وسائر الميليشيات بين نهرَي الليطاني والأوّلي لا يعني الاصطدام العسكريّ به. في ردّه على الأسئلة كان العماد هيكل واضحاً:
– نقل الأجواء الإيجابيّة لزيارته واشنطن مطلع الشهر الجاري. عكس تفهّم القيادة العسكريّة الأميركيّة والمسؤولين السياسيّين في الإدارة لحاجة السلطات إلى بعض الوقت لتنفيذ المرحلة الجديدة. سبقه بأسبوع تقصُّد القيادة المركزيّة الأميركيّة (سنتكوم) للمرّة الأولى إصدار بيانَ إشادة “بالعمل الرائع” للجيش إثر اكتشافه نفقاً طويلاً خزّن فيه “الحزب” كميّة كبيرة من الأسلحة والذخائر والصواريخ في بلدة طلّوسة الجنوبيّة. وانعكس هذا الأمر في استعداد البنتاغون للمساهمة في تلبية ما طلب الجيش شراءه من المعدّات التي يحتاج إليها من المبالغ التي خصّصتها واشنطن لسدّ النقص في معدّات المؤسّسات العسكريّة اللبنانيّة، وكان الجيش سلّم لائحةً بها.
– سيعمل الجيش في منطقة عمليّات المرحلة الجديدة وفق قاعدة مصادرة الأسلحة التابعة لـ”الحزب” وسائر الميليشيات عند اكتشاف مواقع تخزينها والتأكّد منها. سيصادر أيّ سلاح ظاهر، حتّى السلاح الفرديّ غير المرخّص، و”لو كان مسدّساً أو سكّيناً”، بعد إلغاء كلّ رخص حمل السلاح التي كانت أُعطيت لـ”الحزب”، وبعد إلغاء بطاقات تسهيل المرور لعناصر المقاومة. إذا أبرزها أيّ حزبيّ فستصادر منه. سيُمنع استخدام أيّ سلاح في أيّ حرب محتملة مقبلة تنفيذاً لتهديدات إيران باستهداف إسرائيل من لبنان. لم يجرؤ “الحزب” على استخدامه ردّاً على انتهاكات إسرائيل اتّفاق وقف النار بضرباتها اليوميّة لكوادره ومناطقه.
يقول العارفون بأحوال “الحزب” الداخليّة إنّ الفريق الذي يدعو إلى أخذ التغييرات الإقليميّة بالاعتبار يلمس اتّساع النقاش داخل البيئة الشيعيّة
لغة قاسم المتشدّدة رغم التّفاهم مع “الحزب”
قرار الحكومة اتُّخذ بعد مشاورات أجراها الرئيس جوزف عون مع قيادة “الحزب”، التي أبدت ضمناً تفهّماً لهذا التوجّه، خلافاً للموقف الذي أعلنه قاسم. في قيادة “الحزب” من يعتقد بوجوب التكيّف مع المرحلة الجديدة، لا سيما في ظلّ التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ، حسب قول مصادر سياسيّة تُجري حوارات مع قيادة “الحزب” لـ”أساس”.
في “الحزب” قياديّون يعتقدون أنّ اضطرار قاسم وبعض العسكريّين إلى مراعاة دعوة “حرس الثورة” في إيران للتشدّد في لبنان يُقحم “الحزب” وبيئته في تعبئة يستحيل إقناع اللبنانيّين بها. لا يمكن للشيخ قاسم أن يفرض على سائر الفرقاء المعارضين له إيقاعه هو وطهران في مواجهة الضغوط الأميركيّة على طهران. لا يستطيع إلزام الآخرين بقراءته للأحداث والتحوّلات الكبيرة، الحاصلة والمنتظَرة، في المنطقة.
يقول العارفون بأحوال “الحزب” الداخليّة إنّ الفريق الذي يدعو إلى أخذ التغييرات الإقليميّة بالاعتبار يلمس اتّساع النقاش داخل البيئة الشيعيّة في التنطّح للدفاع عن إيران بحال الحرب. الحديث الشعبيّ عن أنّ طهران تخلّت عن “الحزب” له صدى في القيادة. هؤلاء يدعون في الوقت نفسه إلى تلقّف التصريحات الناريّة للتيّار المتشدّد على أنّها حملة كلاميّة وصراخ لفريق خرج مثخناً بالجراح من “إسناد غزة”.
كلام قاسم في خطابه الأخير بدا عبثيّاً، إذ قال عن مواجهة إسرائيل: “يؤلموننا، هذا صحيح، لكن نحن أيضاً نستطيع أن نؤلمهم. يحتلّون جزءاً إضافيّاً من لبنان، لكنّهم لا يستطيعون الاستقرار”. ما قاله يعني خوض الحرب للحرب الذي لم يعد يُقنع أحداً.
أسباب إعفاء ترامب لبنان من الحرب
تفهم مصادر رسميّة كلام ترامب عن لبنان بأنّه إعفاء من إقحامه في الحرب في حال وقعت: “هناك أمور معيّنة نعمل عليها، وهذا أمر مهمّ جدّاً ويجب أن نحلّ مشكلة لبنان التي تُعتبر صغيرة مقارنةً بما تمّ إنجازه”. تعدّد هذه المصادر لـ”أساس” أسباب هذا الإعفاء:
قرار الحكومة اتُّخذ بعد مشاورات أجراها الرئيس جوزف عون مع قيادة “الحزب”، التي أبدت ضمناً تفهّماً لهذا التوجّه
– اقتناع واشنطن بأنّ معالجة عناد الجناح المتشدّد في “الحزب” مرتبطة بنتيجة المواجهة مع طهران، سواء جاءت بالتفاوض أم بالحرب.
– الدور الإيجابيّ الاستثنائيّ الذي يلعبه السفير الأميركيّ الجديد في بيروت ميشال عيسى بإدراكه تعقيدات الوضع الداخليّ وتأثيرها على إدارة الأمور. أصوله اللبنانيّة وعلاقته الخاصّة بترامب الذي يثق به إلى حدّ كبير تساهمان في تغليب الواقعيّة حيال البلد.
إقرأ أيضاً: إصرار “الثّنائيّ” على الانتخابات استباقٌ لمعادلات المنطقة
الفارق مع وجود “إيرانَيْن” أنّ باستطاعة الفريق الواقعيّ في “الحزب” أن يلوذ بسلطة شرعيّة تدير بواقعيّة التعاطي مع العدوانيّة الإسرائيليّة. أمّا في طهران فليست السلطة بيد الفريق المفاوض لترامب على الرغم من أنّه جزء منها كي تغطّي تنازلاته المطلوبة، بل بيد “حرس الثورة” الذي يعاكس جلسات التفاوض بأفعال على الأرض مثل إغلاق مضيق هرمز باسم المناورات البحريّة، ثمّ بمناورات بالاشتراك مع روسيا.
لمتابعة الكاتب على X: