السّودان يضع حفتر “الإماراتي” أمام أصعب اختبار

مدة القراءة 7 د

لم تكن الزيارات المصريّة المتتالية لبنغازي والرجمة في شرق ليبيا تحرّكات بروتوكوليّة عابرة وحسب، بل حملت رسائل تحذير واضحة إلى قائد “الجيش الوطنيّ” الليبيّ المشير خليفة حفتر من مغبّة الاستمرار في تسهيل وصول الدعم العسكريّ الإماراتيّ إلى “قوّات الدعم السريع” في السودان. تدرك القاهرة أنّ مسار الحرب في جارتها الجنوبيّة لا يُحسم فقط في الخرطوم أو دارفور، بل يتأثّر أيضاً بالممرّات الصحراويّة المفتوحة عبر الجنوب الليبيّ، حيث تتقاطع خطوط الإمداد مع حسابات النفوذ الإقليميّ.

 

الزيارة الأخيرة لمقرّ قيادة حفتر قام بها رئيس جهاز المخابرات العامّة المصريّة اللواء رشاد حسن، سبقتها زيارة رئيس أركان حرب القوّات المسلّحة الفريق أحمد خليفة. قبل ذلك، استدعت القاهرة صدّام حفتر، نجل المشير ونائبه، في خطوة وُصفت بأنّها “توبيخ” وعكست مستوى القلق المصريّ المتصاعد إزاء تقارير دوليّة تحدّثت عن نشاط لوجستيّ عبر الجنوب الليبيّ يصبّ في مصلحة “قوّات الدعم السريع” بقيادة محمّد حمدان دقلو، في حربها ضدّ الجيش السودانيّ بقيادة الفريق أوّل عبدالفتّاح البرهان.

تعلن القاهرة بوضوح اصطفافها إلى جانب البرهان ومؤسّسات الدولة السودانيّة، مؤكّدة أنّ وحدة الأراضي السودانيّة تمثّل خطّاً أحمر للأمن القوميّ المصريّ، وأنّ أيّ دور مباشر أو غير مباشر في تسهيل إمدادات قد تطيل أمد الحرب سيُنظر إليه باعتباره تهديداً مباشراً لهذا الأمن.

لم يقتصر الضغط المصريّ على القنوات السياسيّة والدبلوماسيّة، بل تزامن مع تحرّكات ميدانيّة هدفت إلى تعطيل أو إعاقة مسارات إمداد محتملة قرب الحدود، في إطار ما تعتبره القاهرة دفاعاً مباشراً عن أمنها وأمن السودان.

جاء لقاء اللواء حسن مع حفتر ونجلَيه صدّام، نائب القائد العامّ، وخالد، رئيس أركان “الجيش الوطنيّ”، بعد أيّام من نشر تقارير أكّدت تنفيذ الطائرات المصريّة ضربات جوّية استهدفت شحنات دعم عسكريّ قادمة من الإمارات العربيّة المتّحدة عبر الشرق أو الجنوب الليبيّ الواقع تحت سيطرة حفتر.

في ظلّ اعتبار استقرار السودان أولويّة مشتركة لكلّ من القاهرة والمملكة السعوديّة، كثّف الطرفان ضغوطهما على حفتر لإغلاق هذه المسارات

إنذار مصريّ أخير لحفتر: أوقف دعم حميدتّي

دفع هذا السياق كثيرين إلى وصف زيارة اللواء حسن لمقرّ حفتر بأنّها رسالة ضغط وتهديد أخيرة، لا سيما أنّ حسن اصطحب معه اللواء أحمد عبدالخالق، المسؤول عن ملفّات حسّاسة تشمل غزّة والتعامل مع الفاعلين غير النظاميّين، في مؤشّر واضح إلى أنّ المحادثات تجاوزت الشأن الليبيّ الداخليّ لتشمل تقاطعاته مع الحرب السودانيّة، ومحاولة انتزاع التزامات أمنيّة صريحة تحدّ من أيّ دعم محتمل لقوّات حميدتّي، بالنظر إلى أنّ مآلات الصراع في السودان تمسّ التوازن الاستراتيجيّ المصريّ مباشرة.

يمّثل استقرار السودان بالنسبة إلى مصر قضيّة أمن قوميّ مباشر تتجاوز حدود التضامن السياسيّ. هناك حدود ممتدّة ومخاطر حقيقيّة لتدفّق السلاح والمقاتلين عبرها، علاوة على احتمالات الضغوط الإنسانيّة والأمنيّة على جنوب مصر. أيّ إطالة لأمد الحرب تعني عمليّاً توسيع نطاق عدم الاستقرار على تخومها الجنوبيّة.

تُظهر تقارير دوليّة موثّقة بصور أقمار اصطناعيّة نشاطاً عسكريّاً ملحوظاً لقوّات “الدعم السريع” داخل الصحراء الجنوبيّة الليبيّة، إلى جانب اتّهامات مباشرة لـ”الجيش الوطنيّ” الليبيّ بتقديم دعم لوجستيّ لها.

ذكرت وكالة “رويترز” في 22 كانون الأوّل الماضي أنّ الإمدادات العسكريّة التي أُرسلت عبر مهبط الكفرة، على بعد نحو 300 كيلومتر من السودان، “غيّرت شكل الحرب”، وساهمت في تعزيز قدرات “الدعم السريع” بعد استعادة الجيش السودانيّ الخرطوم في آذار 2025.

لعب هذا المسار دوراً محوريّاً في سيطرة هذه القوّات على مدينة الفاشر في تشرين الأوّل الماضي. نقلت “رويترز” عن مسؤولين عسكريّين واستخباريّين أنّ بيانات تتبّع الرحلات سجّلت ما لا يقلّ عن 105 عمليّات هبوط لطائرات شحن بين نيسان وتشرين الثاني 2025 لنقل أسلحة ومرتزقة لدعم عمليّات “الدعم السريع” في دارفور.

 دأبت القيادة العامّة في بنغازي على نفي هذه الاتّهامات، مؤكّدة أنّها تقف “على مسافة واحدة” من أطراف النزاع السودانيّ

بدورها، أشارت منظّمة “ذا سنتري” الأميركيّة، في تقرير صدر في 13 تشرين الثاني 2025، إلى أنّ قوّات حفتر زوّدت “الدعم السريع” بالوقود المهرّب، فمكّنتها من تنفيذ عمليّاتها التكتيكيّة في دارفور. ونقل موقع “ميدل إيست آي” عن مصدر عسكريّ مطّلع أنّ الاستخبارات المصريّة تمتلك صوراً جويّة عالية الدقّة توثّق مسار شحنات الأسلحة من مطارات في الإمارات إلى قواعد شرق ليبيا، ومنها إلى السودان، علاوة على رصد انتقال مقاتلين أجانب، خصوصاً من كولومبيا وفنزويلا، عبر هذا المسار.

السودان

في المقابل، دأبت القيادة العامّة في بنغازي على نفي هذه الاتّهامات، مؤكّدة أنّها تقف “على مسافة واحدة” من أطراف النزاع السودانيّ.

حفتر عالق بين حليفَين

تاريخيّاً، قامت العلاقة بين القاهرة وحفتر على تنسيق أمنيّ وعسكريّ وثيق ركّز على مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود المشتركة. غير أنّ حفتر يحتفظ في الوقت نفسه بتحالف استراتيجيّ عميق مع أبوظبي، التي تُعدّ أحد أبرز داعميه العسكريّين والماليّين، وأحد أهمّ الداعمين لقوّات “الدعم السريع”.

هنا يكمن جوهر المعضلة. لم تعد الأزمة تتعلّق بالسودان وحده، بل بالتناقض المتصاعد بين أولويّات القاهرة وأبوظبي. أيّ استجابة كاملة للضغوط المصريّة تعني عمليّاً إعادة النظر في إحدى أهمّ ركائز قوّة حفتر. وتالياً لم تعد المسألة قراراً أمنيّاً يتعلّق بإغلاق خطّ إمداد، بل خيار استراتيجيّ قد يعيد رسم شبكة تحالفاته الإقليميّة.

في ظلّ اعتبار استقرار السودان أولويّة مشتركة لكلّ من القاهرة والمملكة السعوديّة، كثّف الطرفان ضغوطهما على حفتر لإغلاق هذه المسارات. في المقابل، عرضا حوافز بديلة شملت تعزيز التعاون السياسيّ والعسكريّ، وتقديم دعم ماليّ سخيّ لتعويض أيّ خسائر محتملة نتيجة وقف الدعم الإماراتيّ. من بين هذه العروض تخصيص جزء من صفقة سلاح سعوديّة مع باكستان، بقيمة أربعة مليارات دولار، لقوّات حفتر، وجزء آخر للجيش السودانيّ.

يمّثل استقرار السودان بالنسبة إلى مصر قضيّة أمن قوميّ مباشر تتجاوز حدود التضامن السياسيّ

إذا نجحت هذه الجهود في دفع حفتر إلى تشديد الرقابة على حدوده الجنوبيّة وقطع خطوط الإمداد، فقد تواجه قوّات “الدعم السريع” ضغوطاً لوجستيّة حاسمة، خصوصاً في دارفور، بما يرجّح كفّة الجيش السودانيّ ويقصّر أمد الحرب. لا تُحسم الحروب بالسلاح وحده، بل بخطوط الوقود والتموين والعبور. أمّا إذا استمرّت هذه المسارات مفتوحة، فإنّ النزاع مرشّح لمزيد من التعقيد والتصعيد، ليس داخل السودان فحسب، بل في الإقليم بأسره، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على ليبيا نفسها.

على الرغم من هذه الضغوط، أفادت “ميدل إيست آي” بأنّ تدفّق الإمدادات لا يزال مستمرّاً، وأنّ صدّام حفتر يتعرّض في الوقت ذاته لضغوط مضادّة من أبوظبي للإبقاء على هذا المسار، وهو ما يعكس حجم التعقيد الذي يواجهه شرق ليبيا داخل شبكة التحالفات المتنافسة.

هنا يبرز السؤال الحاسم: هل يملك حفتر هامش القرار الكافي لفكّ ارتباطه بـ”الدعم السريع” من دون أن يهزّ توازناته الإقليميّة أم باتت كلفة الانسحاب من هذا الملفّ أعلى من كلفة الاستمرار فيه؟

إقرأ أيضاً: من القاهرة إلى أنقرة: إعادة هندسة التّوازنات

في الواقع، لا تختبر القاهرة قدرة حفتر على ضبط حدوده فحسب، بل تختبر موقعه في الخريطة الإقليميّة الجديدة. لن يكون قرار وقف خطوط الإمداد إجراءً أمنيّاً تقنيّاً فقط، بل خيار استراتيجيّ سيحدّد تموضع شرق ليبيا بين محورين متنافسين. في لحظة إعادة تشكيل موازين القوى في السودان، قد يجد حفتر نفسه أمام الخيار الأصعب: المفاضلة بين الراعي الذي أسهم في بناء قوّته، والجار الذي يملك مفاتيح مستقبله.

مواضيع ذات صلة

انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة على وضع قانون انتخاب يُقدِّم…

“الحزب” عند تقاطع الانتخابات والمفاوضات

“هل تموت أنت ومن معك… أم تموت وحدك؟”. عندما وجّه الجنديّ الإسرائيليّ هذا السؤال لأحمد ترمس ابن بلدة طلوسة، كان جوابه بديهيّاً وعقلانيّاً في لحظة…

لبنان… بين شروق “الجمهوريّة الإسلاميّة” وغروبها!

دفع لبنان غالياً ثمن شروق شمس “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران، لكنّه ليس مضطرّاً إلى دفع ثمن غروبها. لم يعانِ بلدٌ من ممارسات “الجمهوريّة الإسلاميّة” منذ…

أعباء الانسحاب الأميركيّ من قاعدة التّنف

منذ المكالمة الهاتفيّة القصيرة في السادس من تشرين الأوّل 2019، التي أجراها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع نظيره التركيّ رجب طيّب إردوغان، دخلت علاقة واشنطن…