العدّ العكسيّ للمواجهة: من هرمز إلى بيروت

مدة القراءة 4 د

لا تعيش المنطقة توتّراً عاديّاً. إنّها لحظة عدٍّ عكسيّ. تحرّك حاملات الطائرات الأميركيّة ورفع مستوى الاستنفار الإسرائيليّ والمناورات الإيرانيّة في مضيق هرمز ليست مشاهد منفصلة. إنّها عناصر في لوحة واحدة تتشكّل بسرعة. يعبّر وصول حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” إلى المنطقة عن قرار أميركيّ برفع الجهوزيّة إلى مستوى متقدّم يتجاوز منطق الرسائل الرمزيّة.

 

في المقابل، تبدو طهران في حال استنفار موازٍ يظهر في مناورات في هرمز وتصعيد في الخطاب وترقّب لردّ يُفترض أن يتبلور خلال أسبوعين، وفق ما تسرّب عن أجواء مفاوضات جنيف الأخيرة. بات عنصر الوقت ضاغطاً، والمعادلات تضيق.

ما يجدر وضعه أيضاً على الطاولة هو غياب القوى الدوليّة الأخرى عن المشهد، فيما تتقدّم واشنطن وحدها إلى واجهة القرار. ما يجري لا يشبه إدارة أزمة تقليديّة، بل هو استعداد لمرحلة ستكون أطول وأوسع، كما تتقاطع كلّ المؤشّرات والمعطيات.

وفق تقديرات دبلوماسيّة تواكب التحرّكات، لا يُقرأ هذا الحشد فقط كتمهيد لضربة محدودة، بل كمؤشّر إلى احتمالين رئيسَين: إمّا انزلاق إلى حرب طويلة الأمد تعيد رسم التوازنات الإقليميّة، أو انتقال المواجهة إلى مستوى يطال بنية النظام الإيرانيّ نفسه.

في المقابل، يبقى السيناريو البديل ضعيفاً: موافقة إيرانيّة شاملة على الشروط الأميركيّة المتعلّقة بالنوويّ والصواريخ البالستيّة ودور الوكلاء. غير أنّ كلفة هذا الخيار داخليّاً على النظام الإيرانيّ قد لا تقلّ خطورة عن كلفة المواجهة. تبدو المعادلة حاسمة: تنازل استراتيجيّ كبير أو مواجهة مفتوحة.

تبدو المنطقة أمام مفترق حادّ: إمّا تسوية كبرى تتطلّب تنازلات إيرانيّة جذريّة، وإمّا مواجهة قد تمتدّ تداعياتها من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان

وكلاء إيران في دائرة الاستهداف

لا تقتصر المقاربة الأميركيّة جغرافيّاً، وفق مصادر متابعة، على إيران، بل تشمل كامل شبكة حلفائها في المنطقة من العراق إلى لبنان واليمن. الهدف هو إعادة ضبط البيئة الإقليميّة التي تتحرّك فيها طهران، لا الاكتفاء بردّ عسكريّ محدود. وهنا يدخل لبنان مباشرة في الحسابات.

بحسب معلومات خاصّة بموقع “أساس”، وصلت خلال الأيّام الماضية إلى عدد من السفارات والبعثات السياسيّة والأمنيّة في بيروت رسائلُ أمنيّة مباشرة تتضمّن دعوات واضحة إلى اتّخاذ الاحتياطات اللازمة، لا سيما في جنوب لبنان.

هرمز

لا تندرج هذه الرسائل في إطار التحذيرات الروتينيّة، بل تأتي في سياق تقويم أمنيّ يعتبر أنّ أيّ مواجهة واسعة مع إيران لن تكون بعيدة عن الساحة اللبنانيّة، نظراً إلى موقع “الحزب” ضمن محور طهران ودوره العسكريّ، والمطالب الدوليّة المستمرّة بنزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسيّ.

تشير المصادر نفسها إلى أنّ التقديرات المتداولة في بعض الدوائر الغربيّة تفيد بأنّ الجبهة الجنوبيّة قد تكون من بين أولى الساحات التي تتأثّر بأيّ تصعيد إقليميّ، سواء عبر رسائل ناريّة محدودة أو عبر انزلاق غير محسوب إلى مواجهة أوسع.

في موازاة ذلك، تنقل مصادر دبلوماسيّة لموقع “أساس” أنّ اللجنة الخماسيّة تعتبر أنّ القرارات الأخيرة الصادرة عن الحكومة اللبنانيّة في ما يتعلّق بملفّ السلاح لا تزال غير كافية، ولا تعكس تحوّلاً حاسماً في مقاربة حصريّة السلاح بيد الدولة.

يأتي هذا التقويم في ظلّ معطى دوليّ متنامٍ مفاده أنّ الدولة اللبنانيّة لم تنجح، بعد الحرب الأخيرة، في محاصرة نفوذ “الحزب” أو فرض وقائع ميدانيّة تغيّر ميزان القوّة الداخليّ. يضع هذا الانطباع الدوليّ لبنان تحت مجهر مزدوج: أمنيّ وسياسيّ، في لحظة إقليميّة شديدة الحساسيّة.

 تبدو طهران في حال استنفار موازٍ يظهر في مناورات في هرمز وتصعيد في الخطاب وترقّب لردّ يُفترض أن يتبلور خلال أسبوعين

سباق مع الوقت

توحي المؤشّرات في واشنطن بأنّ الإدارة الأميركيّة لا تميل إلى ترحيل هذا الملفّ إلى ما بعد الانتخابات النصفيّة المقبلة في تشرين الثاني، بل تسعى إلى مقاربة حاسمة قبل الدخول في الاستحقاق الداخليّ.

يضيق الوقت ويتقلّص الهامش. وعليه، تبدو المنطقة أمام مفترق حادّ: إمّا تسوية كبرى تتطلّب تنازلات إيرانيّة جذريّة، وإمّا مواجهة قد تمتدّ تداعياتها من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان.

إقرأ أيضاً: مجلس الوزراء: كسب الوقت على صفيح ساخن

لم يعد السؤال هل يقع التصعيد، بل متى ساعة الصفر. عند انطلاق الشرارة، هل يكون لبنان مرّة جديدة ساحة رسائل أم جزءاً من المواجهة نفسها، لا سيما أن لا ضمانات بعدُ لعدم دخول “الحزب” في الحرب إذا كانت الحرب تعني إنهاء الراعي الإيرانيّ نفسه، أم الرسائل الأخيرة لـ”الحزب” ستبقى صالحة حتّى لو كان ثمن ذلك الخسارة الحتميّة للراعي ولـ”الحزب” معاً؟

العدّ العكسيّ مستمرّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@josephinedeeb

مواضيع ذات صلة

إيران وخطيئة “التفاؤل المفرط”

لماذا خرجت إيران بأجواء إيجابيّة من جولة التفاوض الأخيرة في جنيف؟ لماذا عاكست المواقف الأميركيّة الأجواء التي سارع عبّاس عراقجي إلى بثّها؟   كانت جلسة…

الحكومة تتبنّى رأي “هيئة التّشريع والاستشارات”؟

يحتدم السباق بين التمديد وإجراء الانتخابات في الربيع المقبل، في ظلّ تقدّم الحديث بشكل جدّيّ جدّاً عن السيناريو الذي سيحكم “إطالة عمر” المجلس الحاليّ، وتوفير…

سلام لبرّي: أنت المسؤول!

نَسَفَ راي هيئة التشريع والاستشارات طلب الترشيح الأوّل للانتخابات النيابيّة الذي قدّمه الرئيس نبيه برّي. الرأي، غير المُلزِم، الذي عاكَس مساراً طويلاً تبنّاه رئيس مجلس…

مجلس الوزراء: كسب الوقت على صفيح ساخن

بانتظار تداعيات المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة، يبدو لبنان كالسفينة التائهة في البحر تضربها الأمواج من كلّ صوب. لا يزال لبنان كياناً لا يقوى على الوقوف…