إيران وخطيئة “التفاؤل المفرط”

مدة القراءة 6 د

لماذا خرجت إيران بأجواء إيجابيّة من جولة التفاوض الأخيرة في جنيف؟ لماذا عاكست المواقف الأميركيّة الأجواء التي سارع عبّاس عراقجي إلى بثّها؟

 

كانت جلسة الثّلاثاء بين إيران والولايات المُتّحدة مفصليّة لإيضاح أيّ طريق ستسلك العلاقة المُتشعّبة – المُتوتّرة بين البلديْن. الواضح أنّ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب لا يريد الوقوع في فخّ “التّفاوض الطويل” الذي تُتقنه الدّبلوماسيّة الإيرانيّة. الأهمّ أنّه يريدُ الخروج من المنطقة الرّماديّة في العلاقة مع إيران: إمّا اتّفاقٌ أو مواجهة. البقاء في المنطقة الرّماديّة يعني إعطاء إيران مزيداً من الوقت لتطوير ما لديها، وشراء الوقت إلى حين انتهاء ولاية ترامب.

قدّمَ الوفدُ الإيرانيّ مُقترحاً في جلسة الثّلاثاء ظاهرهُ تعليق تخصيب اليورانيوم، وباطنه انتظار انتهاء ولاية الرّئيس الأميركيّ الذي يمنعه الدّستور من التّرشّح لولاية ثالثة.

يقوم المُقترحُ الإيرانيّ على الآتي:

1- تُعلّق إيران عمليّات تخصيب اليورانيوم لمدّة 5 سنوات، مع اعترافٍ أميركيّ بحقّ طهران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها.

2- تدخل إيران في اتّحادٍ إقليميّ لتخصيب اليورانيوم، من دون أن يُلغي ذلكَ حقّها بتخصيب اليورانيوم على مستوى 3.67% على أراضيها.

3- تُبقي إيران على أراضيها مخزون اليورانيوم المخصّب على درجة 60% وما فوق، الذي تُقدّره واشنطن بـ400 كلغ، على أن يخضع لرقابةٍ أمميّة في مكانٍ معلومٍ تحت إشراف الوكالة الدّوليّة للطّاقة الذّريّة.

4- يُوقّع الجانب الأميركيّ ضمانةً مكتوبة للجانب الإيراني برفع العقوبات بالتّزامن مع تنفيذ إيران للالتزاماتها.

لم يعد اليوم في جعبة إيران الدّعم الأوروبيّ للاتّفاق، بل تتّخذ الدّول الأوروبيّة إجراءات توازي إجراءات ترامب ضدّ طهران

الخطأ القاتل الذي وقعت فيه إيران مجدّداً هو اعتقادها أنّها تتحكّم بمسار المُفاوضات. وهذا ما يفسّر مُسارعة رئيس الوفد الإيرانيّ وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي إلى بثّ أجواء إيجابيّة عن جلسة الثّلاثاء فور انتهاء المحادثات.

يحاول الإيرانيّون عبر هذه التصريحات شراء المزيد من الوقت، وذلك أنّ واشنطن كانت قد أبلغت طهران أنّ جلسة الثّلاثاء الماضي ينبغي أن تشهدَ تقدّماً واضحاً في نيّة إيران تقديم تنازلات تتيح التّوصّل إلى اتّفاق، وإلّا فإرسال المزيد من التعزيزات العسكريّة إلى المنطقة.

إيران تراوغ؟

يسودُ اعتقادٌ في واشنطن يُعزّزه دفعٌ إسرائيليّ واضح بأنّ إيران لا تزال تُراوغ، خاصّة أنّ المرشد الإيرانيّ علي خامنئي حرصَ على إطلاق تصريحات واضحة وحازمة بشأن إخراج البرنامج الصّاروخي الإيرانيّ من طاولة المفاوضات.

لا يزال الرّئيس ترامب يُفضّل الخيار الدّبلوماسيّ والتّوصّل إلى اتّفاق، لكنّ عامل الانتخابات النّصفيّة التي تمثّل في الولايات المُتّحدة مؤشّراً رئاسيّاً وإمكانيّة تكبيله في الكونغرس هما الأساس في نظرته للتعامل مع إيران.

إيران

لم يستقدم ترامب القوّة الأميركيّة الضّاربة إلى الشّرق الأوسط للاستعراض وحسب. يُريد من هذا الحشد العسكريّ:

– أن يدفع إيران إلى التّنازل وإبرام اتّفاقٍ يتيحُ له التباهي بأنّه أنجز اتّفاقاً يمنع إيران من صنع القنبلة النّوويّة ويريح إسرائيل على عكس الاتّفاق الذي أبرمه باراك أوباما في 2015.

– أن يستعملَ هذا الحشد العسكريّ لتغيير المعادلة السّياسيّة في إيران في طريق منعها من تطوير البرنامج النّوويّ.

من هذا المنطلق كان ترامب يُرسل إلى الإيرانيّين عبر عُمان وروسيا أنّه يفضّل أن يكونَ شهر شباط الجاري حاسماً للتّوصّل إلى اتّفاق، وإلّا فإنّ واشنطن لن تتوانى عن استعمال القوّة العسكريّة. هذا الخيار الذي يُريده رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو الذي يُديرُ معاركه العسكريّة والسّياسيّة على وقع الانتخابات التشريعيّة الإسرائيليّة التي ستجري بعد أشهر وتُحدّد إن كان “بي بي” سيعودُ “ملكاً” على إسرائيل، أو أنّه سيخرج من سدّة الحكم.

يسودُ اعتقادٌ في واشنطن يُعزّزه دفعٌ إسرائيليّ واضح بأنّ إيران لا تزال تُراوغ

الخطأ القاتل

تعيد كثرة التفاؤل الإيرانيّ إلى الأذهان الخطأ الذي وقعت فيه القيادة الإيرانيّة التي كانت على بعد خطوة واحدة من توقيع اتّفاقٍ نوويّ مع إدارة الرّئيس جو بايدن السّابقة في شباط 2021. في ذلكَ الشهر قرّر الرئيس الرّوسي إطلاق شرارة الحرب على أوكرانيا، قالباً طاولة التفاوض في العاصمة النّمساويّة فيينا، وظنّ الإيرانيّون أنّ هذه الحرب ستصبّ في مصلحتهم بسبب حاجة “أوروبا الباردة” إلى إمدادات الطاقة الإيرانيّة لتعويض الإمدادات الرّوسيّة.

ماطلت إيران بالتّفاوض لعامٍ كامل، حتّى وصلت إلى مشارف الاتّفاق في شباط 2022، وكان “أساس” قد نشرَ يومذاك مسوّدة الاتّفاق الذي توصّل إليه الإيرانيّون مع الأميركيّين، قبل أن تتعقّد جبهة أوكرانيا بسبب تزويد إيران لروسيا بالصّواريخ والمسيّرات من خلال صفقةٍ كان “أساس” أيضاً أوّل من كشفَ عن تفاصيلها.

لم يعد اليوم في جعبة إيران الدّعم الأوروبيّ للاتّفاق، بل تتّخذ الدّول الأوروبيّة إجراءات توازي إجراءات ترامب ضدّ طهران مثل تصنيف الحرس الثّوريّ منظّمة إرهابيّة، وذلك بسبب انخراط صواريخها ومسيّراتها في الحرب على أوكرانيا، ويعني بكلامٍ آخر أنّ صواريخ إيران سقطت داخل أوروبا، وهو ما يعزّز موقف واشنطن من الصّواريخ الإيرانيّة، إضافة إلى الموقف الإسرائيليّ المعروف.

من هذا المنطلق لم يعد لدى الإيرانيّين أوراق القوّة المعروفة:

1- دعم التّرويكا الأوروبيّة التي كانت مُعارضة لانسحاب ترامب من الاتّفاق النّوويّ 2018.

2- انكفاء التهديد الذي كانت تُشكّله أذرعها من لبنان إلى اليمن مروراً بسوريا والعراق وغزّة، وذلك بسبب الضّربات الإسرائيليّة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل.

الخطأ القاتل الذي وقعت فيه إيران مجدّداً هو اعتقادها أنّها تتحكّم بمسار المُفاوضات

3- الشرخ الدّاخليّ والتّظاهرات، التي أدّت إلى مقتل ما يزيد على 20 ألف مواطن إيرانيّ على يد الحرس الثّوريّ والباسيج وقوّات الأمن.

4- تعرّض برنامجها النّوويّ ومنشأتَيْ “فوردو” و”نطنز” للضّربات الأميركيّة – الإسرائيليّة.

إقرأ أيضاً: صفقة إيرانية – روسية: 6000 مسيّرة.. مقابل “قبّة حديديّة”

لا تزال طهران تُفاوض في شباط 2026 بعقليّة 2015. لكنّ من يحكم البيت الأبيض مُختلف تماماً عن كلّ الذين سبقوه، وتحديداً الثّنائيّ بايدن – أوباما. هذا يعني أنّ على إيران أن تقبل بما يطلبه ترامب قبل أجلٍ ليسَ ببعيدٍ، وإلّا فإنّ الرّئيس الأميركيّ لن يتوانى عن تنفيذ سياسته المُعلنة، أي السّلام بالقوّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

العدّ العكسيّ للمواجهة: من هرمز إلى بيروت

لا تعيش المنطقة توتّراً عاديّاً. إنّها لحظة عدٍّ عكسيّ. تحرّك حاملات الطائرات الأميركيّة ورفع مستوى الاستنفار الإسرائيليّ والمناورات الإيرانيّة في مضيق هرمز ليست مشاهد منفصلة….

الحكومة تتبنّى رأي “هيئة التّشريع والاستشارات”؟

يحتدم السباق بين التمديد وإجراء الانتخابات في الربيع المقبل، في ظلّ تقدّم الحديث بشكل جدّيّ جدّاً عن السيناريو الذي سيحكم “إطالة عمر” المجلس الحاليّ، وتوفير…

سلام لبرّي: أنت المسؤول!

نَسَفَ راي هيئة التشريع والاستشارات طلب الترشيح الأوّل للانتخابات النيابيّة الذي قدّمه الرئيس نبيه برّي. الرأي، غير المُلزِم، الذي عاكَس مساراً طويلاً تبنّاه رئيس مجلس…

مجلس الوزراء: كسب الوقت على صفيح ساخن

بانتظار تداعيات المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة، يبدو لبنان كالسفينة التائهة في البحر تضربها الأمواج من كلّ صوب. لا يزال لبنان كياناً لا يقوى على الوقوف…