“هل تموت أنت ومن معك… أم تموت وحدك؟”. عندما وجّه الجنديّ الإسرائيليّ هذا السؤال لأحمد ترمس ابن بلدة طلوسة، كان جوابه بديهيّاً وعقلانيّاً في لحظة مواجهة الموت المؤكّد. اختار أن تنجو عائلته ومنزل شقيق زوجته، واستقلّ سيّارته وقاد المسيّرة المتربّصة به إلى مكان لا تمتدّ فيه يدُ الموت إلى من يحبّ.
لا يمكننا نحن الأحياء أن نتخيّل الرعب الذي عاشه ترمس لحظات قبل مقتله، لكنّه، في ذروة خوفه، كان مدركاً للإجابة الصائبة أخلاقيّاً ودينيّاً وعاطفيّاً: إن كان موتي محتّماً فالأفضل أن أموت وحيداً ليبقى من أحبّ على قيد الحياة. قد يقتلهم شعور الذنب يوماً لأنّهم تركوه يموت وحده لينجوا، لكنّ أحمد كان نبيلاً وهو يواجه حكم الإعدام. الحقيقة أنّ الرواية المتداولة عن المكالمة والخيار الصعب ولو اختلفت تفاصيلها بين ناقل وآخر، تحفر في الوعي العامّ كمرآة لحقيقة أكبر.
السؤال الذي واجهه أحمد تواجهه كلّ يوم بيئة “الحزب” ومن حولها مجتمع الشيعة في لبنان. هل نموت نحن و”الحزب”… أم نتركه يموت وحده لنحيا؟
قد تأخذ الإجابة عن هذا السؤال أبعاداً فلسفيّة وماورائيّة، لكنّنا نقف على مفترق طرق سياسيّ – أمنيّ، محليّ – إقليميّ – دوليّ، يبدو فيه “الحزب” محليّاً كقائد لموكب من العربات، عربته في المقدّمة وخلفها عربات مترابطة بها وبعضها ببعض بحبال، لا تتساوى في قوّتها لكنّها لا تملك مكابح منفردة تمكّن كلّ عربة من التوقّف قبل حافة الجرف.
ما نقل عن اللحظات الأخيرة لأحمد ترمس يتشابه مع حالات كثيرة تؤكّد المؤكّد، منذ لحظة اغتيال فؤاد شكر وما تلاها من تفجيرات البيجرز إلى الاغتيالات الكبرى والصغرى، من انكشاف بنيويّ ليس محصوراً بمخزن سلاح أو منصّة إطلاق، بل متغلغل في تفاصيل الحياة اليوميّة لما يُعرف بمجتمع المقاومة.
“الحزب” مدعوّ للتفكير في تغيير “العلامة التجاريّة” برمّتها، تلك الدمغة الصفراء على جباه عناصره ومناصريه
تعرف إسرائيل المواقع و”البيوت الآمنة” والأقرباء والزائرين، وتوسّع قاعدة بياناتها مع كلّ تحرّك وظهور، لتحوّل البيئة الحاضنة إلى خاصرة رخوة أمام الاختراق المتواصل، وإلى ذراع تُلوى أمام التهديد بالموت مهما قالت “نحنا ما مننهار”.
هيكليّة شبحيّة لسدّ الثّغرات الأمنيّة
انخرط “الحزب” منذ وصول الشيخ نعيم قاسم إلى سدّة الأمانة العامّة في ورشة داخليّة، بإشراف إيرانيّ مباشر، حوّلت البنية العسكريّة والأمنيّة شبه النظاميّة إلى ما يُعرف في أدبيّات الجماعات المسلّحة بالهيكليّة الشبحيّة عبر الانتقال إلى خلايا أصغر ومحاولة سدّ الثغرات الأمنيّة وتضييق دائرة اتّخاذ القرار والتواصل وتقليل البصمة التنظيميّة إلى الحدّ الأدنى.
لكنّ مشروع إعادة الهيكلة لم ينجح كليّاً، على ما يبدو، في إعادة تعريف الدور في مرحلة مفصليّة من تاريخ لبنان والمنطقة، ولا تمكّن من سدّ الفجوة التكنولوجيّة، ولم يصفّر الاختراق البشريّ.
إذ لا يزال التفوّق الإسرائيليّ واضحاً في الميدان، فحكم على “الحزب” بتقليص حضوره العسكريّ وحركة مقاتليه، وأجبر جيشه شبه النظاميّ على التحوّل إلى خلايا نائمة. تحوّل الانتشار إلى همس بعدما كان استعراضاً، وصار الأمن الداخليّ بحدّ ذاته غايةً لا وسيلةً لحماية المشروع الأكبر.
أُجبر “الحزب” في الوقت ذاته على تقليص خدماته الماليّة والاجتماعيّة بفعل الخسائر الكبرى الناتجة عن تضييق الخناق على حركة الأموال والتهريب، الملاحقات، والعقوبات. أنتج تقلّص الحضور العسكريّ إلى ما يقارب الصفر والحضور الماليّ إلى توفير بعض الرواتب وبدلات الإيواء، تراجعاً في فاعليّة الحضور السياسيّ، الذي كان يستمدّ فائض قوّته في زمن مضى من الهيبة العسكريّة والأمنيّة والماليّة، فتحوّلت السرديّة إلى أشعار.
لكن مع ذلك لم يترجم تراجع الحضور في الميدان والسياسة بشكل تلقائيّ في مساحة الحضور الشعبيّ لـ”الحزب”. لا تُختزل الانتخابات في مجتمع مثقل بالذاكرة والخوف بتصويت تقويميّ للأداء السياسيّ والاقتصاديّ، بل هي استفتاء على الهويّة يستحضر أشباح الماضي وأمجاده وهواجس المستقبل ومجهوله.
حاول “الحزب” عبر مقولة “لن نكون على الحياد” أن يجد صفحة تُكتب باسمه بين أوراق المفاوضين
الانتخابات استفتاء مصيريّ
لذلك تمكّن “الحزب” مع كلّ الويلات، وربّما يراهن وهو محقّ، من أن يُحافظ على كتلة ناخبة معتبرة في صندوق اقتراع يُدار بالعاطفة أكثر ممّا يُدار بالسياسة. لذا يرى كثير من المحلّلين أنّ “الحزب” يقارب الانتخابات المقبلة باعتبارها استفتاء مصيريّاً على سلاحه يريد من خلالها تجديد شرعيّة تمثيله للطائفة واحتكاره لبوصلتها السياسيّة.
اقتضت هذه المقاربة تقديم سلسلة من التنازلات التكتيكيّة تُرجمت على شكل مساكنة إجباريّة مع حكومة نوّاف سلام، وتوافق على مضض مع رئاسة الجمهوريّة، وتبريد اضطراريّ للاشتباك مع الرئاسة الثانية لتلطيف المناخ السياسيّ قبيل موعد الانتخابات. ربّما تصل حدّ القبول باتّفاق أمنيّ مع إسرائيل يربط النزاع ويفتح باب التفاوض السياسيّ.
لكنّ التموضع التكتيكيّ بدأ يتحوّل إلى معادلة طويلة الأمد تدريجاً. بهدف الوصول “سالماً” إلى لحظة الانتخابات يحتاج “الحزب” إلى تقليل احتكاكاته العسكريّة والحدّ من التلويح بقدرته على الردّ واستخدام السلاح لأنّ كلّ حركة مرصودة، وأيّ محاولة لصدّ تحرّك الجيش أو فرض أمر واقع ستستجلب ضربات دقيقة من مسيّرات متوثّبة. لا تهضمها البيئة المتململة، ولا تفتح شهيّة التحالفات الشحيحة، ولا تمنح “الحزب” ترف المناورة الذي كان يملكه حين كان يمارس فائض القوّة.
تحوّل هذه العوامل مجتمعة الممانعة العلنيّة لخطّة حصر السلاح شمال الليطاني إلى أمر واقع لن يقوى “الحزب” فعليّاً على تحدّيه.
الاصطدام بالمفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة
هنا تصطدم الحسابات الانتخابيّة بتوقيت المفاوضات الإيرانيّة -الأميركيّة وإمكانيّة تحوّلها في غمضة عين إلى حرب غير مسبوقة إن انهارت. حاول “الحزب” عبر مقولة “لن نكون على الحياد” أن يجد صفحة تُكتب باسمه بين أوراق المفاوضين، لكنّه اصطدم بالوقائع الداخليّة نفسها التي يحاول تبريدها: بيئة منهكة، دولة تُطالب بإمساك الأرض، واستحقاق انتخابيّ لا يحتمل مشروع إسناد جديداً.
أُجبر “الحزب” في الوقت ذاته على تقليص خدماته الماليّة والاجتماعيّة بفعل الخسائر الكبرى الناتجة عن تضييق الخناق على حركة الأموال والتهريب
اصطدم أيضاً بواقع عسكريّ مخترَق يعرف “الحزب” قبل غيره أنّ توسيع الاشتباك فيه يضاعف الاستهداف، وبواقع ماليّ لا يحمل أكثر من بضعة أشهر من بدلات الإيواء، في حين تقف أنقاض البيوت المدمّرة شاهداً على الحسابات الخاطئة.
أخطر من ذلك أنّه اصطدم بحقيقة بديهيّة في الوعي الشعبيّ الشيعيّ: إيران لم تتلقَّ رصاصة واحدة بدلاً عن القرى التي دفعت الثمن، والحديث عن حرب إسناد جديدة يبدو، في لحظة الإعياء الاستراتيجيّ، كأنّه دعوة إلى تكرار الكارثة لا إلى حماية ما بقي.
في المقابل، على طاولة التفاوض، تبدو إيران حريصة على فصل ملفّها عن ملفّ الحلفاء أو تأجيله إلى هوامش جانبيّة. ليست الهوامش في السياسة تفصيلاً بريئاً، بل إنّها مساحة المقايضة. ما لا يدخل في المتن يمكن أن يُدفع ثمنه لاحقاً في ملاحق سرّيّة أو تفاهمات ميدانيّة تُدار بالضغط والوقت.
تدرك طهران ثمن التنازل المطلوب منها في بيئة إقليميّة تتغيّر. صحيح أنّها لوّحت بإشعال المنطقة إن تعرّضت لضربة، لكنّها تدرك أيضاً أنّ امتناع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن تنفيذ تهديده حتّى الآن لا يُردّ فقط إلى الخوف من الترسانة الإيرانيّة بقدر إنصاته إلى مرافعة الدول المحوريّة في الإقليم، التي لن تكتفي بثمن “ضبط النفس” الإيرانيّ كمقابل لدورها الفاعل في الملفّ، بل قد تطلب من إيران انسحاباً تامّاً من تلك الساحات وإعادة توزيع الأدوار فيها.
“الحزب” عالق بين مطرقتين
هنا، يصبح “الحزب” عالقاً بين مطرقتَيْن: مطرقة الاستحقاق الانتخابيّ الذي يحتاج فيه إلى سرديّة قوّة وشرعيّة احتكار، وسندان التسوية الإقليميّة التي تجد في تصفير وظائف الأذرع أو تحييدها شرطاً للاستقرار. إذا اندلعت الحرب، فإنّ لبنان، بحكم الجغرافيا والهشاشة، مرشّح أن يحترق قبل طهران. إذا لم تندلع، فلا مؤشّر واقعيّاً إلى أنّ أيّ إدارة أميركيّة ستلجم إسرائيل عن استكمال سياسة المَحق ما دام “الحزب” مكشوفاً وما دام الضغط يُنتج مكاسب بلا كلفة عالية.
انخرط “الحزب” منذ وصول الشيخ نعيم قاسم إلى سدّة الأمانة العامّة في ورشة داخليّة، بإشراف إيرانيّ مباشر
لذا يتساءل الشيعة اليوم: هل نموت نحن و”الحزب”… أم نتركه يموت وحده لنحيا؟ لكن ربّما السؤال الأخطر هو الذي يرفض “الحزب” مواجهته: هل أختار أن “أموت تنظيميّاً” كي لا تفنى بيئتي؟ أي هل أقبل بأن ينتهي “الحزب” بصيغته العسكريّة – الأمنيّة – الاقتصاديّة التي صنعت دولة داخل الدولة، كي يُكتب للبيئة حدّ أدنى من النجاة؟
إن غلّب “الحزب” منطق الكلفة والمنفعة لا الغريزة والإنكار، فقد يختار خطوة تبدو صادمة لكنّها وحدها عقلانيّة: أن يحلّ نفسه طوعاً كتنظيم عسكريّ وأمنيّ، أن يسرّح مقاتليه، أن يقفل مؤسّساته ذات الطابع التعبويّ-الأمنيّ، وأن يعيد إنتاج حزب لبنانيّ خالص باسم جديد، حزب يستلهم أدبيّات المقاومة والتيّار الإسلاميّ المحافظ كهويّة ثقافيّة وقيميّة، من دون شعارات قتاليّة ولا هياكل عسكريّة وأمنيّة، حزب يخرج من وظيفة الجماعة المسلّحة إلى وظيفة التمثيل الاجتماعيّ والسياسيّ، ويعيد تعريف المقاومة من قدرة على القتال إلى قدرة على حماية الناس داخل الدولة، لا خارجها.
إقرأ أيضاً: لبنان: سؤال البقاء في لحظة الانكسار الدّوليّ
هل يغيّر “الحزب” علامته التّجاريّة؟
لا يكفي رتق فجوات السفينة الجانحة فيما تعشّش المياه في محرّكاتها. “الحزب” مدعوّ للتفكير في تغيير “العلامة التجاريّة” برمّتها، تلك الدمغة الصفراء على جباه عناصره ومناصريه التي تحوّلهم إلى أهداف متحرّكة، كي تحيا الجماعة. ليست البطولة الحقيقيّة اليوم في رفع سقف الخطاب ولا في وعد الردّ، بل في امتلاك الشجاعة للقول: فليمُت السلاح ليحيا أهله. قد يجد عندها أنّ قاعدته الشعبيّة ستتوسّع وأنّ قدرته على مدّ جسور التحالفات العابرة للطوائف ستعود. حمايته للشيعة التي يدّعيها تكمن في مدى قدرته على قراءة المتغيّرات الهائلة في الإقليم والتكيّف معها، لا في محاربتها بالخطابات الرنّانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.