انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟

مدة القراءة 6 د

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة على وضع قانون انتخاب يُقدِّم الانتخابات النيابيّة العامّة هديّة للطبقة السياسيّة. واضعو القانون ومن بعدهم الذين يقرّونه في تيْنك السلطتين، فريق واحد، كي تأتي صناديق الاقتراع بالنتائج المتوخّاة. هذه المرّة، كلتا السلطتَيْن، في الظاهر على الأقلّ، تقفان وجهاً لوجه: ما تطلبه أولاهما ترفضه الثانية، والعكس صحيح. الصحيح الآخر أن ينتهي مؤدّى النقار إلى بقائهما معاً.

 

تتحدّث بعض المعلومات عن احتمال تولّي الرئيس السابق للحزب التقدّميّ الاشتراكيّ وليد جنبلاط وساطة بين رئيسَيْ البرلمان نبيه برّي والحكومة نوّاف سلام، توصّلاً إلى تسوية في قانون الانتخاب ترضي الطرفَيْن. يكاد يكون جنبلاط بين الأفرقاء الداخليّين الوحيد الذي يتقاطعون عنده، من دون أن يكون طرفاً مع أحد ضدّ آخر. هو الأقرب إلى أن يكون معهم جميعاً وضدّهم جميعاً. صديق برّي ومنضوٍ في حكومة سلام وحليف انتخابيّ لرئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع. هو أقدم اللاعبين الحاليّين في المعادلة الداخليّة منذ عام 1977، وأكثرهم مراساً واحترافاً في الربح والخسارة.

قيل إنّ جنبلاط منذ الثلاثاء فكّر في وساطة تحاول إخراج الانتخابات النيابيّة العامّة المقرّرة بعد أقلّ من ثلاثة أشهر من مأزق قانونها النافذ: هل المشكلة قانون مختلَف عليه أم معضلة مفتعلة لتأجيل الاستحقاق، وتالياً التمديد للبرلمان الحاليّ مدّة قد تصل إلى سنتين؟

الاشتباك لأجل توازن القوى

ظاهر الاشتباك انقسام من حول القانون، وباطنه كما على أبواب كلّ انتخابات نيابيّة عامّة، سواء بسبب القانون أو أيّ ذريعة أخرى، توازن القوى الداخليّ الذي يرعى إجراءها.

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة

كلا موقفَيْ برّي وسلام وتمسُّك كلّ منهما بموقفه، جعلهما واجهة الصدام والدافع المباشر لعرقلة الاستحقاق، والذهاب إلى تمديد حتميّ لمجلس النوّاب من جرّاء تعذّر التوصّل إلى حلّ مُرضٍ لكليهما. اختفى الخلاف تقريباً بسبب انتخاب ستّة نوّاب قارّيّين، مع أنّ قانون الانتخاب يُلزم الاقتراع لهم في انتخابات أيّار ويرفع عدد أعضاء البرلمان إلى 134 نائباً للدورة المقبلة فقط. إلّا أنّ الإحجام عن إصدار المراسيم التطبيقيّة في شأن أولئك عطّل التصويت لهم.

أضحت بذلك العقدة تدور من حول مكان اقتراع الانتشار لـ128 نائباً لا مبدأ حرمانهم هذا الحقّ، المنصوص عليه في القانون والمرعيّ في الدستور. مشكلة سياسيّة أكثر منها قانونيّة أو تقنيّة. تدور من حولها رهانات الأفرقاء جميعاً. ذلك ما يحمّلها كمّاً من الصعوبات التي تجعلها ربّما عصيّة على أيّ وساطة وإن في حجم وسيط كجنبلاط، إلّا إذا كان المطلوب في نهاية المطاف تمديد الولاية أيّاً تكن الحلول.

الانتخابات النيابيّة

المعطى الواضح حتّى الآن حيال أيّ مخرج هو انبثاقه من مجلس النوّاب بالتئامه لاتّخاذ إجراءَيْن، أحدهما سهل المنال، وهو تمديد تقنيّ للولاية الحاليّة لشهرين كي يتسنّى تشريع اقتراع الانتشار للنوّاب الـ128، على أنّ الإجراء الآخر أكثر تعقيداً في أيّ تسوية محتملة، وهو تحديد مكان مقارّ اقتراع الانتشار: هل يكون في السفارات والقنصليّات أم على الأراضي اللبنانيّة؟

في هذا البند بالذات تقوم العقبة الكأداء. كان النائب الراحل غسّان سكاف، أشهراً قليلة قبل وفاته وبالتنسيق مع جنبلاط، سبّاقاً إلى طرح تمديد تقنيّ للبرلمان الحاليّ، فسحاً في المجال أمام مجيء ناخبي الانتشار إلى لبنان لتمضية الصيف والاقتراع على أراضيه. أرضى الاقتراح رئيس المجلس وأغضب المعارضة وأبقى المشكلة تراوح مكانها.

يستعيد المشهد انتخابات 1992 عندما فُرضت على المسيحيّين وأُجريت ضدّ إرادة غالبيّتهم فقاطعوها

الاستشارة عقدة أم حلّ؟

أولى الصعوبات احتكام وزير الداخليّة أحمد الحجّار إلى هيئة التشريع والاستشارات لمدّه بغطاء قانونيّ لموقف حكومة نوّاف سلام، بإتاحة الفرصة للانتشار التصويت لـ128 نائباً، على نحو أفضى إلى تقاطع استشارة الهيئة مع مشروع القانون الذي أحالته الحكومة إلى البرلمان، ولم يُدرجه برّي في جدول أعماله، فبقي التصويت للنوّاب القارّيّين نافذاً ومعرقِلاً للاستحقاق.

تالياً ما لم يُقدِم عليه المجلس من تعديل القانون لإلغاء المقاعد الستّة للإتاحة للانتشار التصويت للنوّاب الـ128، قدّمته استشارة هيئة التشريع والاستشارات فكانت مخرجاً يتيح للحكومة إجراء الانتخابات بناء عليها. كان مجلس الوزراء طرحها في جلسته الأخيرة، بيد أنّ مغزى أخذ العلم، من دون مناقشتها بالضرورة، عكس موافقته الضمنيّة عليها لتمكين وزير الداخليّة من اتّخاذ إجراءات اقتراع الانتشار للمقاعد الـ128 في سفارات وقنصليّات مقارّهم الحاليّة.

مع أنّها غير ملزمة، أضحت المخرج الذي احتاجت إليه حكومة سلام لتدافع عن وجهة نظرها القاضية بإجراء الانتخابات في موعدها. ردّ فعل رئيس المجلس هو رفض استشارة الهيئة تماماً، والذهاب إلى أبعد من ذلك بالقول إنّ ثمّة مَن أوعز بأن تكون كذلك.

الصّوت الشّيعيّ في الخارج

ثانيتها هي الاشتباك الجاري بسبب انتخابات أيّار المقبل الذي يدور حول الصوت الشيعيّ، كما لو أنّه يختصر الاستحقاق كلّه برمّته. تُعوّل المعارضة على أن يحرم اقتراع الانتشار في السفارات والقنصليّات الثنائيّ الشيعيّ، وخصوصاً “الحزب”، من أكبر كمّ من أصوات ناخبيه، في دول سبق أن صنّفته منظّمة إرهابيّة، وهو ما يوقعهم في الحذر من تعرّضهم لأيّ ملاحقة في العديد من الدول مثل دول الخليج العربيّ وأوروبا والولايات المتّحدة.

في المقابل يمكّن اقتراعهم على الأراضي اللبنانيّة، وفق ما يتشبّث به الثنائيّ، “الحزب” من إحكام سيطرته على أصوات ناخبيه، لا سيما في الدوائر التي يعدّها مغلقة كالجنوب والبقاع الشماليّ، ونصف مغلقة كالبقاع الغربيّ ـ راشيا وبعبدا.

قيل إنّ جنبلاط منذ الثلاثاء فكّر في وساطة تحاول إخراج الانتخابات النيابيّة العامّة المقرّرة بعد أقلّ من ثلاثة أشهر من مأزق قانونها النافذ

ثالثتها ترتبط بالموقف الذي يتّخذه الثنائيّ الشيعيّ في حال استمرّ استعصاء الحلّ حتّى الوصول إلى موعد انتخابات أيّار، ومحاولة فرض أمر واقع عليه بإجراء الاستحقاق تبعاً لما تضمّنته استشارة هيئة التشريع والاستشارات، على أن يقترع الناخبون المسجّلون في السفارات والقنصليّات للنوّاب الـ128 من مقارّ إقاماتهم.

إقرأ أيضاً: الحكومة تتبنّى رأي “هيئة التّشريع والاستشارات”؟

يستعيد المشهد انتخابات 1992 عندما فُرضت على المسيحيّين وأُجريت ضدّ إرادة غالبيّتهم فقاطعوها. ذلك ما لا يمكن توقّعه من الثنائيّ الشيعيّ من ضمن واقع ديمغرافيّ ومذهبيّ وسياسيّ مختلف كليّاً يفرض سيطرته على مناطق واسعة ويحول دون وجود مَن يسعه الحلول مكانه فيها أو حتّى معه. ليس لأنموذج كسروان وجبيل في انتخابات 1992 ما يماثله في البقاع والجنوب، حيث الثنائيّ سيّد مقاعد الطائفة.

مواضيع ذات صلة

“الحزب” عند تقاطع الانتخابات والمفاوضات

“هل تموت أنت ومن معك… أم تموت وحدك؟”. عندما وجّه الجنديّ الإسرائيليّ هذا السؤال لأحمد ترمس ابن بلدة طلوسة، كان جوابه بديهيّاً وعقلانيّاً في لحظة…

السّودان يضع حفتر “الإماراتي” أمام أصعب اختبار

لم تكن الزيارات المصريّة المتتالية لبنغازي والرجمة في شرق ليبيا تحرّكات بروتوكوليّة عابرة وحسب، بل حملت رسائل تحذير واضحة إلى قائد “الجيش الوطنيّ” الليبيّ المشير…

لبنان… بين شروق “الجمهوريّة الإسلاميّة” وغروبها!

دفع لبنان غالياً ثمن شروق شمس “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران، لكنّه ليس مضطرّاً إلى دفع ثمن غروبها. لم يعانِ بلدٌ من ممارسات “الجمهوريّة الإسلاميّة” منذ…

أعباء الانسحاب الأميركيّ من قاعدة التّنف

منذ المكالمة الهاتفيّة القصيرة في السادس من تشرين الأوّل 2019، التي أجراها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع نظيره التركيّ رجب طيّب إردوغان، دخلت علاقة واشنطن…