“مجلس السّلام” يضبط نتنياهو تحت السّقف؟

مدة القراءة 6 د

مع انعقاد “مجلس السلام” اليوم في واشنطن بدت المنطقة وكأنّها تقف على حافة مفارقة مألوفة: كلّما ارتفعت احتمالات التهدئة، ارتفعت معها احتمالات الانفجار. المجلس الذي يُفترض أن يكون إطاراً لخفض التصعيد، يأتي في توقيت تثقل فيه الأزمات المتراكمة على غزّة ولبنان وسوريا، وتزداد فيه حساسيّة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وخصوصاً مع تراجع الثقة الدوليّة برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.

 

بينما تروّج إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للمجلس باعتباره آليّة “عمليّة” لإدارة النزاع، يرى كثيرون أنّه قد يكون أيضاً منصّة سياسيّة جديدة لترامب، وأداة ضغط غير معلنة على نتنياهو الذي سيدخل الاجتماع بوصفه طرفاً رئيساً لكن ليس صاحب القرار الوحيد.

من حيث الشكل، يهدف المجلس إلى إنشاء إطار دوريّ لإدارة الأزمة بدل الاكتفاء بقمم طارئة وبيانات عامّة يكون نموذجاً يشبه غرف عمليّات سياسيّة تُستخدم عادة عندما تصبح النزاعات شديدة التعقيد، وعندما تتداخل الجبهات العسكريّة مع الملفّات الإنسانيّة والرهائن والحدود وإعادة الإعمار.

لكن يصعب في عهد ترامب فصل الدبلوماسيّة عن السياسة الداخليّة أو عن حسابات الصورة. لا يفضّل الرئيس الأميركيّ المؤتمرات الطويلة ولا المسارات البطيئة، بل يفضّل آليّات سريعة تُنتج نتائج قابلة للإعلان والتسويق. لهذا يبدو المجلس أقرب إلى منصّة متعدّدة الوظائف: إدارة أزمة من جهة، وصناعة “إنجاز” من جهة أخرى.

يحمل المجلس ملامح  استعراض ترامب” لأسباب واضحة:

– لأنّه يعيد تثبيت واشنطن باعتبارها المرجعيّة الوحيدة، ويهمّش الأطر الأوروبيّة والأمميّة.

– لأنّه يحوّل التهدئة، حتّى لو كانت جزئيّة، إلى مكسب سياسيّ يُقدَّم للرأي العامّ الأميركيّ.

– لأنّه يسمح لترامب بتقديم نفسه القائد الوحيد القادر على “فرض الحركة” على أطراف متصلّبة.

يصعب في عهد ترامب فصل الدبلوماسيّة عن السياسة الداخليّة أو عن حسابات الصورة

لكن في الوقت نفسه ليس المجلس استعراضاً، فقد يخلق وجود إطار دوريّ ومتعدّد الأطراف واقعاً جديداً: تقييد هامش المناورة لدى اللاعبين، وإدخال قدر من الانضباط على قرارات التصعيد والتهدئة. هذا تحديداً ما يجعل المجلس حسّاساً بالنسبة لنتنياهو.

هل تحبّ إسرائيل الفكرة؟

لا يمكن النظر داخل إسرائيل إلى المجلس ككتلة واحدة. هناك فرق بين حسابات المؤسّسة الأمنيّة وحسابات نتنياهو السياسيّة.

ترى المؤسّسة الأمنيّة فائدةً لأنّ المجلس قد يحقّق لإسرائيل ما تريده عمليّاً:

– تثبيت التزام أميركيّ واضح لضمان أمن إسرائيل.

– إبقاء إيران و”الحزب” في قلب جدول الأعمال.

– دفع الدول العربيّة نحو دور أكثر فاعليّة في احتواء التصعيد.

– توفير مخرج سياسيّ للتهدئة من دون أن يبدو ذلك.

مجلس السلام

أمّا مقاربة نتنياهو فمختلفة لأنّ المجلس يهدّد إحدى نقاط قوّته الأساسيّة: السيطرة على الإيقاع والسرديّة. اعتاد نتنياهو أن يقود ملفّات الحرب عبر معادلة بسيطة: ضغط عسكريّ، خطاب وجوديّ وتماسك داخليّ. أمّا المجلس فيفرض عليه معادلة أخرى: نقاش متعدّد الأطراف مع أسئلة سياسيّة وأخلاقيّة قد تفضي إلى قيود على القرار.

إذا كانت آليّة المجلس قائمة على التصويت أو التوافق الجماعيّ، فإنّ نتنياهو يدخل اجتماعاً غير مألوف بالنسبة له: اجتماع لا يستطيع التحكّم به وحده. هنا تظهر ثلاثة عناصر ضاغطة:

1- فقدان السيطرة على جدول الأعمال: صُمّم المجلس لمنع أيّ طرف من خطف الطاولة.

2- الضغط السياسيّ المتراكم على نتنياهو شخصيّاً: كثير من الأطراف، حتّى تلك التي تدعم إسرائيل أمنيّاً، لم تعد مرتاحة لنتنياهو الزعيم.

مع انعقاد “مجلس السلام” اليوم في واشنطن بدت المنطقة وكأنّها تقف على حافة مفارقة مألوفة

3- تحوّل المجلس إلى “محكمة ناعمة” لإسرائيل: هذا النوع من الأطر يزعج نتنياهو لأنّه يقلّص قدرته على إدارة الرواية وحده والمناورة.

هدف ترامب الأعمق: احتكار القناة

ليست الوظيفة الأخطر للمجلس البيانات، بل “احتكار المسار”. قد يصبح المجلس القناة المعتمدة الوحيدة لإدارة ملفّات حسّاسة مثل:

– وقف إطلاق النار.

– تبادل الرهائن.

– المساعدات الإنسانيّة.

– الحدود اللبنانيّة.

– التفاهمات في سوريا.

– إعادة الإعمار.

عندما تصبح هناك قناة واحدة معترَف بها، يصبح تلقائيّاً أيّ طرف يتجاوزها “المعطِّل”. هذا هو المكان الذي قد تشعر فيه إسرائيل بالضغط لأنّ أيّ تصعيد خارج الإطار سيُقرأ على أنّه خروج على المسار الذي يرعاه ترامب شخصيّاً.

تقوم العقيدة الإسرائيليّة على “حرّية الحركة” العسكريّة: الضربات الاستباقيّة، الردع، والمبادرة. أمّا المجلس فيسعى، بحكم طبيعته، إلى إدخال قدر من التقييد: خطوط حمر، تفاهمات، وسقوف سياسيّة. لذلك من المرجّح أن يكون موقف إسرائيل عمليّاً لا مبدئيّاً:

– ستدعم المجلس ما دام يمنحها حماية سياسيّة ويزيد الضغط على إيران ووكلائها.

– ستقاومه إذا بدأ يفرض قيوداً على عمليّاتها أو يضعها تحت ضغط أخلاقيّ وإعلاميّ دائم.

ثلاثة سيناريوات لمستقبل المجلس

1-آليّة حقيقيّة ومستدامة، إذا نجح المجلس في تثبيت مسار تدريجيّ: تهدئة، تفاهمات حدوديّة، خطوات إنسانيّة، ثمّ ترتيبات أوسع. يتطلّب هذا السيناريو استمرار اهتمام ترامب، لا الاكتفاء بالعناوين.

2- إنجاز إعلاميّ سريع ثمّ تراجع: ينعقد المجلس، يُصدر إعلاناً، ثمّ يفقد زخمه بعد أن يحصل ترامب على “صورة الانتصار”. وهو السيناريو الأكثر انسجاماً مع أسلوب ترامب السياسيّ.

مستقبل “مجلس السلام” سيعتمد على أن يصبح آليّة حقيقيّة لإدارة الأزمة أو منصّة سياسيّة جديدة لترامب

3- غرفة ضغط تؤدّي إلى تصعيد: يصبح المجلس مكاناً يشعر فيه نتنياهو بأنّه محاصَر، فتردّ إسرائيل بتوسيع عمليّاتها لاستعادة الردع.

يولد المجلس في توقيت بالغ الحساسيّة لأنّ الاجتماع يأتي في ظلّ أزمة متصاعدة عشيّة انعقاده. وهذه الأزمة، مهما كانت تفاصيلها، ستحدد مزاج الجلسة الأولى:

– إذا فُسّرت على أنّها تجاوز إسرائيليّ، فسيبدأ المجلس بوصفه أداة “تقييد”.

– إذا فُسّرت على أنّها تصعيد من إيران أو “الحزب”، فسيبدأ بوصفه أداة “دعم لإسرائيل”، مع استمرار التحفّظ على نتنياهو.

في الحالتين، ستظهر حقيقة مهمّة: يمكن للدول أن تدعم أمن إسرائيل، لكنّها قد لا تدعم نتنياهو. مستقبل “مجلس السلام” سيعتمد على أن يصبح آليّة حقيقيّة لإدارة الأزمة أو منصّة سياسيّة جديدة لترامب. تحتاج المنطقة إلى إطار يمنع الانزلاق المتكرّر نحو الحرب. أمّا ترامب فيحتاج إلى لحظة يثبت فيها أنّه القادر على “فرض الحلّ” أو التهدئة.

إقرأ أيضاً: معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

في قلب هذه المعادلة يقف نتنياهو أمام اختبار نادر: ليس فقط لأنّ المجلس قد يفرض سقفاً على إسرائيل، بل لأنّ نتنياهو نفسه يدخل الاجتماع هذه المرّة من موقع مختلف، إذ ليس الرجل الذي يحتكر القرار، بل طرف رئيس وصوت واحد في غرفةٍ كثيرٌ من أصواتها لم يعُد يُخفي نفوره منه.

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

لبنان… بين شروق “الجمهوريّة الإسلاميّة” وغروبها!

دفع لبنان غالياً ثمن شروق شمس “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران، لكنّه ليس مضطرّاً إلى دفع ثمن غروبها. لم يعانِ بلدٌ من ممارسات “الجمهوريّة الإسلاميّة” منذ…

أعباء الانسحاب الأميركيّ من قاعدة التّنف

منذ المكالمة الهاتفيّة القصيرة في السادس من تشرين الأوّل 2019، التي أجراها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع نظيره التركيّ رجب طيّب إردوغان، دخلت علاقة واشنطن…

مجلس “غزّة”: السّلام لا يتحقّق إلا بفلسطين..

في غمار تظاهرةٍ دوليّةٍ كبرى، من هندسة وتنفيذ الرئيس الأميركيّ دونالد ترمب، ينعقد اليوم مجلس السلام الذي أسّسه ووضع نظامه وحدّد من يحظى بعضويّته ومن…

عن غضبة ياسين جابر: الشّيعة في الحكم… والمسؤوليّة

ستظلّ فورة غضب وزير الماليّة ياسين جابر في مجلس النوّاب، بوجه نائب رئيس المجلس الياس أبو صعب، في الذاكرة طويلاً، باعتبارها اللحظة الفارقة بين تاريخَيْن…