أعباء الانسحاب الأميركيّ من قاعدة التّنف

مدة القراءة 5 د

منذ المكالمة الهاتفيّة القصيرة في السادس من تشرين الأوّل 2019، التي أجراها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع نظيره التركيّ رجب طيّب إردوغان، دخلت علاقة واشنطن بـ”قوّات سوريا الديمقراطيّة” مرحلة تحوّل عميق، وذلك بعد أشهر قليلة من إعلان هزيمة تنظيم داعش في منطقة الباغوز الحدوديّة مع العراق.

 

عقب الاتّصال مباشرة، أعلن البيت الأبيض سحب القوّات الأميركيّة من شمال شرق سوريا، في خطوة مهّدت لعمليّة عسكريّة تركيّة مدعومة بفصائل سوريّة موالية لأنقرة. لم يكن القرار إعادة انتشار عسكريّ، بل إعادة هندسة للتوازنات شرق الفرات وقلب لمعادلة السيطرة التي استقرّت لسنوات.

جاءت الخطوة مفاجئة حتّى داخل واشنطن، وأثارت انتقادات حادّة، إذ عُدّت تخلّياً عن الشريك الكرديّ الذي كان رأس الحربة في قتال داعش. خلال أيّام قليلة، سحبت وزارة الدفاع الأميركيّة نحو ألف جنديّ، في رسالة سياسيّة واضحة بأنّ ترامب يمضي في تقليص الانخراط العسكريّ في سوريا. مع ذلك، سعت مؤسّسات الدولة، وفي مقدَّمها البنتاغون، إلى ضبط إيقاع القرار خشية أن يفتح الباب أمام فراغ أمنيّ تتنافس القوى الإقليميّة على ملئه.

سرعان ما أعادت الوقائع الميدانيّة تشكيل المشهد. اتّجهت “قسد” إلى التنسيق مع دمشق وموسكو، فعادت قوّات الجيش السوريّ إلى بعض النقاط الحدوديّة، بينما أفضت التفاهمات الروسيّة–التركيّة إلى تسيير دوريّات مشتركة على طول الشريط الحدوديّ. هكذا لم ينسحب الأميركيّون من الجغرافيا فحسب، بل نقلوا مركز الثقل في شرق الفرات إلى معادلة إقليميّة جديدة، حتّى وجد الجنود الأميركيّون أنفسهم وجهاً لوجه مع الدوريّات الروسيّة في مشهد غير مألوف في تلك الساحة.

 التحوّل الأبرز لم يكن في الشمال وحده. في الجنوب الشرقيّ، اتّخذ الانسحاب من التنف بعداً جيوسياسيّاً أكثر حساسيّة

التّنف: عقدة الممرّات لا قاعدة عسكريّة

غير أنّ التحوّل الأبرز لم يكن في الشمال وحده. في الجنوب الشرقيّ، اتّخذ الانسحاب من التنف بعداً جيوسياسيّاً أكثر حساسيّة. لم تكن التنف قاعدة لملاحقة خلايا داعش وحسب، بل نقطة فصل بين الممرّ الإيرانيّ البرّيّ الممتدّ نحو المتوسّط وبين المجال الحيويّ الأميركيّ في شرق سوريا، وموقع يراقب تحرّكات الفصائل الموالية لطهران وطرق تهريب السلاح نحو سوريا ولبنان.

مع إخلائها، وجدت دمشق نفسها أمام استحقاق أمنيّ ثقيل، وهو سدّ الفراغ الأمنيّ الذي خلّفه انسحاب التحالف الدوليّ على مساحة صحراويّة مفتوحة ومعقّدة.

الجيش السّوريّ يملأ فراغ التّنف

لم يكن الفراغ ليبقى طويلاً. استجابت الإدارة السوريّة سريعاً، وأُعيد توزيع الوحدات العسكريّة لتغطية المنطقة، فانتشرت الفرقة 54 في التنف لتثبيت السيطرة، فيما تولّت الفرقة 70 تغطية الامتداد بين ريف دمشق وجنوب طريق بغداد–دمشق ومنطقة الـ55 كيلومتراً من الجهة الغربيّة. شرقاً، تتموضع الفرقة 86 بين الميادين والبوكمال وباديتها جنوباً، وهي منطقة تُعدّ تاريخيّاً أحد المسارات الرئيسة لتهريب السلاح إلى عمق الأراضي السوريّة.

الانسحاب الأميركي

في موازاة ذلك، انتشرت الفرقة 66 جنوب الرقّة في مناطق تنشط فيها خلايا داعش، بينما تُعدّ الفرقة 42 (مدرّعات) خطّ الدفاع الأبرز الممتدّ من شرقيّ حمص إلى السخنة في عمق البادية. إلى جانب هذه التشكيلات، لعبت إدارة أمن البادية دوراً محوريّاً في ملاحقة الخلايا وضبط المساحات المفتوحة.

تتجاوز المسألة هنا إعادة الانتشار إلى إدارة وتأمين مناطق شاسعة يزيد طولها على أكثر من مئتي كيلومتر بين البوكمال والتنف، ومسافة مماثلة تقريباً على الحدود مع الأردن. إنّها صحراء تتقاطع فيها طرق التهريب مع تحرّكات الخلايا النائمة، وتفرض حضوراً أمنيّاً دائماً لا يكتفي بنقاط ثابتة على الخريطة.

لا يعني الانسحاب الأميركيّ نهاية المشهد، بل انتقال إلى طور أكثر تعقيداً، مع حضور عسكريّ أقلّ وشراكة أمنيّة أكثر أهميّة

الحسكة: تقليص الوجود لا إنهاؤه

أمّا في الشمال الشرقيّ، فقد تقلّص الوجود الأميركيّ إلى حدّه الأدنى. أعادت القوّات الأميركيّة تموضعها ضمن نطاق ضيّق في محافظة الحسكة، واقتصر وجودها على ثلاثة مواقع رئيسة هي خراب الجير، قسرك، وهيمو. من المرجّح الاحتفاط بقاعدة خراب الجير كنقطة ارتكاز أساسيّة بحكم موقعها القريب من الحدود العراقيّة وأهميّتها اللوجستيّة، إلى جانب موقع محدود في محيط دمشق لأغراض أمنيّة أو تنسيقيّة.

يأتي ذلك بعد انسحاب واسع أعقب سقوط نظام بشّار الأسد، بحيث أُخليت أكثر من عشرين قاعدة ونقطة عسكريّة في دير الزور والرقّة والحسكة، وانتهت مرحلة الانتشار الكثيف.

إقرأ أيضاً: ترامب على خطى القيصر: الدّفع نحو حرب عالميّة!

لا يعني الانسحاب الأميركيّ نهاية المشهد، بل انتقال إلى طور أكثر تعقيداً، مع حضور عسكريّ أقلّ وشراكة أمنيّة أكثر أهميّة. يفتح تسليم منطقة الـ55 كيلومتراً والمعبر الحدوديّ البابَ أمام تنسيق مباشر بين دمشق وبغداد يمتدّ لأكثر من مئتَي كيلومتر حتّى معبر البوكمال–الوليد، وهو ما يفرض تعاوناً أمنيّاً دون وسيط، وقد يكسر الجمود الطويل بين الجارتين ويدفع العلاقة إلى مرحلة جديدة تطوي حساسيّات الماضي وشوائبه.

*كاتب سوري

مواضيع ذات صلة

لبنان… بين شروق “الجمهوريّة الإسلاميّة” وغروبها!

دفع لبنان غالياً ثمن شروق شمس “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران، لكنّه ليس مضطرّاً إلى دفع ثمن غروبها. لم يعانِ بلدٌ من ممارسات “الجمهوريّة الإسلاميّة” منذ…

“مجلس السّلام” يضبط نتنياهو تحت السّقف؟

مع انعقاد “مجلس السلام” اليوم في واشنطن بدت المنطقة وكأنّها تقف على حافة مفارقة مألوفة: كلّما ارتفعت احتمالات التهدئة، ارتفعت معها احتمالات الانفجار. المجلس الذي…

مجلس “غزّة”: السّلام لا يتحقّق إلا بفلسطين..

في غمار تظاهرةٍ دوليّةٍ كبرى، من هندسة وتنفيذ الرئيس الأميركيّ دونالد ترمب، ينعقد اليوم مجلس السلام الذي أسّسه ووضع نظامه وحدّد من يحظى بعضويّته ومن…

عن غضبة ياسين جابر: الشّيعة في الحكم… والمسؤوليّة

ستظلّ فورة غضب وزير الماليّة ياسين جابر في مجلس النوّاب، بوجه نائب رئيس المجلس الياس أبو صعب، في الذاكرة طويلاً، باعتبارها اللحظة الفارقة بين تاريخَيْن…