الحكومة تتبنّى رأي “هيئة التّشريع والاستشارات”؟

مدة القراءة 7 د

يحتدم السباق بين التمديد وإجراء الانتخابات في الربيع المقبل، في ظلّ تقدّم الحديث بشكل جدّيّ جدّاً عن السيناريو الذي سيحكم “إطالة عمر” المجلس الحاليّ، وتوفير الأكثريّة المُحصِّنة له. وفق معلومات “أساس” طلب رئيس الجمهوريّة جوزف عون في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة تأجيل البحث في شأن “أخذ القرار” بمسألة الاستشارة الصادرة عن هيئة التشريع والاستشارات المتعلّقة باقتراع المغتربين (الدائرة الـ 16) إلى الجلسة المقبلة للحكومة.

 

تتوقّع مصادر وزاريّة طرح التقرير الصادر عن هيئة التشريع والاستشارات في جلسة مجلس الوزراء المقبلة، مع العلم أنّ مجلس الوزراء أخذ في جلسة الإثنين علماً بمضمون الرأي وحصل نقاش فيه، وخصوصاً بين رئيس الجمهوريّة ووزيرَي الداخليّة والخارجيّة. في المقابل برز في المقرّرات الرسميّة للجلسة تأكيد رئيس الحكومة نوّاف سلام أنّه “يعود لمجلس النوّاب تقرير مصير الدائرة الـ 16″.

تقول المصادر إنّ الأكثريّة متحقّقة لإصدار قرار بـ”إعطاء التوجيهات لوزارتَي الداخليّة والخارجيّة بالعمل بمقتضى الرأي الصادر عن الهيئة” الذي “أفتى” باقتراع المغتربين من الخارج لـ128 نائباً، كما حصل في انتخابات 2018 و2022، استناداً إلى أنّ “عدم إقرار النصوص اللازمة للمقاعد الستّة المخصّصة للمرشّحين غير المقيمين لا يُشكّل استحالة قانونيّة تحول دون تطبيق سائر أحكام الفصل الحادي عشر (اقتراع غير المقيمين)”.

التّمديد أوّلاً؟

لكنّ هذه الخطوة الحكوميّة إذا حصلت فعلاً فستزيد طين “أزمة المغتريبن” بلّة، في ظلّ موقف صارم من الرئيس نبيه برّي برفض مضمون هذه الاستشارة واتّهام القاضيتين جويل فوّاز (رئيسة) وماريز العمّ (عضو)، الموقّعتين على الاستشارة، بالعمل بإيعاز “من جهة ما، ونسف القانون القائم، وهو ما ينمّ عن وجود خطّة تمنع إجراء الاستحقاق النيابيّ في موعده”.

تتوقّع مصادر وزاريّة طرح التقرير الصادر عن هيئة التشريع والاستشارات في جلسة مجلس الوزراء المقبلة

عليه، كلّما ازدادت الأزمة تعقيداً تقدّمت حظوظ التمديد. في هذا السياق تقول مصادر مطّلعة إنّ التمديد، تحت عنوان “الحفاظ على المصلحة العامّة”، سينصّ على إجراء الانتخابات في مهلة أقصاها سنتان حتّى زوال الأسباب المانعة، أي أن لا تمديد بمهلة مقفلة لسنة أو سنتين، بل إجراء الاستحقاق حين تتوافر ظروفه.

كتاب الحجّار

فيما تضجّ الكواليس الرئاسيّة بالاقتراحات لتفادي “الصدام الكبير” في شأن مصير الانتخابات النيابيّة وبتّ أزمة اقتراع المغتربين، تضع أوساط قريبة من برّي والثنائيّ الشيعيّ علامات استفهام كبيرة على خلفيّة الكتاب الذي رفعته وزارة الداخليّة إلى هيئة التشريع والاستشارات، والسرعة في الوقت الذي استغرقته لإصدار “رأيها”، ومضمونه، وذلك من خلال المعطيات الآتية:

– استناداً إلى قانون تنظيم وزارة العدل، حين يَطلب أيّ وزير مختصّ رأياً استشاريّاً من هيئة التشريع والاستشارات في مسألة ما، عليه إيداع مراسلته عبر المدير العامّ لوزارة العدل الذي يحيلها إلى الهيئة المذكورة.

هيئة التشريع والاستشارات

– بعد انتهاء “الهيئة” من إبداء رأيها، تُعرَض الاستشارة على المدير العامّ لوزارة العدل قبل إيداعها المرجع الذي طلبها، وللمدير العامّ أن يوافق عليها، أو أن يطلب إعادة النظر فيها بعد بيان الأسباب. في حال الإصرار عليها، على المدير العامّ أن يحيلها إلى الهيئة الاستشاريّة العليا في وزارة العدل التي تبتّها بشكل نهائيّ (المادّة 11 من القانون).

– لكن تبيّن أنّ وزير الداخليّة أحمد الحجّار وقّع على كتابه المرسل الى الهيئة بشأن إبداء الرأي بتاريخ 11 شباط، وأحاله إليها عبر المدير العامّ لوزارة العدل، وأصدرت الهيئة المذكورة استشارتها بتاريخ 13 شباط، وأودعتها لدى المدير العامّ لوزارة العدل في التاريخ ذاته، وأحالها الأخير إلى وزارة الداخليّة في التاريخ ذاته أيضاً، أي أنّ مسار المعاملة ذهاباً وإياباً بما فيه الاستشارة التي تضمّنت 16 صفحة لم يستغرق أكثر من 48 ساعة!

تقول معلومات إنّ كتاب وزير الداخليّة كان منسّقاً مع رئاستَي الجمهوريّة والحكومة، وأخذ الرئيس برّي علماً به أيضاً

– تتساءل الأوساط عينها: “لماذا تأخّر وزير الداخليّة إلى ما بعد صدور مرسوم دعوة الهيئات الناخبة وتعميمه بشأن عدم قبول طلبات الترشيح للدائرة الـ16 لإرسال طلب رأي الهيئة؟”.

– لدى الاطّلاع على ما جاء في حيثيّات كتاب وزير الداخليّة إلى الهيئة، تبيّن تضمينه رأياً قانونيّاً “يتبنّى” سلفاً اقتراع اللبنانيّين في الخارج للـ128 نائباً في الداخل، إذ ورد في الصفحتين 3 و4 منه ما يلي: “لمّا كان من المسلّم به في القانون العامّ والقانون الإداريّ أنّه توجد قوانين قابلة أحكامها للتطبيق مباشرة دون حاجة إلى مراسيم تطبيقيّة، وأخرى غير قابلة لذلك ما لم تصدر مراسيمها التنظيميّة، وتوجد قوانين قابلة أحكامها للتجزئة بحيث يطبّق منها ما هو قابل للتطبيق، ويعلّق تطبيق أحكامها الأخرى غير القابلة للتطبيق بحدّ ذاتها إلى حين صدور مراسيمها التطبيقيّة، وأخرى غير قابلة للتجزئة بحيث تكون أحكامها متداخلة بعضها ببعض بصورة غير منفصلة مشكّلة وحدة تشريعيّة غير قابلة للتجزئة bloc indivisible  يتوقّف تطبيق إحداها على الأخرى، وبالتالي لا يمكن إعمال أيّ منها إلّا مع صدور نصوصها التطبيقيّة.

لمّا كان من نحوٍ آخر توجد قاعدة قانونيّة واجتهاديّة عامّة تقول بالإبقاء على النصوص القانونيّة السابقة على الرغم من إلغائها أو سقوطها، وهو ما يُسمّى بحالة الاستمراريّة القسريّة أو الحكميّة للقانون السابق، أيّ أنّه في حال عدم صدور التدابير التنظيميّة التي تحدّد التطبيق الصحيح للقانون النافذ، يكون نصّ القانون غير قابل لإنتاج مفاعيله، بحيث يُبقى على الأحكام القانونيّة المُلغاة سارية المفعول، ويؤجّل تطبيق مفاعيل الإلغاء حتّى تصبح الأحكام القانونيّة النافذة الحاليّة قابلة للتطبيق، وبالتالي للحلول مكان السابقة.

كان لافتاً جدّاً ما ورد في مطلع الصفحة 15 من رأي هيئة التشريع والاستشارات

لمّا كان انطلاقاً من أنّ حرّيّة المواطن في أن يكون ناخباً أو مرشّحاً وفقاً للقوانين المرعيّة الإجراء هي من الحقوق الجوهريّة التي كفلها الدستور، لا سيّما في مادّته 21 التي تنصّ صراحة على أنّ لكلّ وطنيّ لبنانيّ الحقّ في أن يكون ناخباً على أن تتوافر فيه الشروط المطلوبة بمقتضى قانون الانتخاب، والقوانين الانتخابيّة النيابيّة المتعاقبة كافّة، على أن تتوافر الأحكام التطبيقيّة التي تنظّم كيفيّة ممارسة هذا الحقّ ووضعه موضع التنفيذ والتطبيق عمليّاً دون أيّ عائق أو استحالة قانونيّة أو مادّيّة”.

– كان لافتاً جدّاً ما ورد في مطلع الصفحة 15 من رأي هيئة التشريع والاستشارات من أنّ “رأي الهيئة أُعطي استناداً إلى الوقائع المذكورة في كتاب طلب الاستشارة (أي رأي وزير الداخليّة أعلاه ضمناً) ووفق توصيف واقع الحال المذكور ضمنه”.

إقرأ أيضاً: سلام لبرّي: أنت المسؤول!

-عليه، تطرح الأوساط سؤالاً مباشراً: “ما دامت الوقائع وتوصيف الحال اللذان ذكرهما الوزير في كتابه كان على علم بهما منذ ما قبل صدور مرسوم دعوة الهيئات الناخبة وتعميمه بشأن قبول طلبات الترشيح، فلماذا لم يستدرك هذا الأمر ويُراسِل الهيئة قبل صدور المرسوم وحصول كلّ هذه الأزمة، و”زرك” الجميع اليوم في عنق الزجاجة؟”.

– تقول معلومات إنّ كتاب وزير الداخليّة كان منسّقاً مع رئاستَي الجمهوريّة والحكومة، وأخذ الرئيس برّي علماً به أيضاً.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

سلام لبرّي: أنت المسؤول!

نَسَفَ راي هيئة التشريع والاستشارات طلب الترشيح الأوّل للانتخابات النيابيّة الذي قدّمه الرئيس نبيه برّي. الرأي، غير المُلزِم، الذي عاكَس مساراً طويلاً تبنّاه رئيس مجلس…

مجلس الوزراء: كسب الوقت على صفيح ساخن

بانتظار تداعيات المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة، يبدو لبنان كالسفينة التائهة في البحر تضربها الأمواج من كلّ صوب. لا يزال لبنان كياناً لا يقوى على الوقوف…

لا حماسة دوليّة لتعويم مؤتمر دعم الجيش

على وقع السباق بين الحرب والمفاوضات النوويّة، يتحرّك الملفّ اللبنانيّ، الذي سيكون واحداً من ساحات تجلّيات النتيجة التي ستخلص إليها مفاوضات عُمان، سواء سلكت طريق…

“الحركة” تخسر كلّ أوراقها: هل وقعت في فخ ترامب؟

حركة حماس خارج السلطة في غزّة رسميّاً، إلّا أنّ خطابها السياسيّ بات أيضاً خارج الواقع الذي صنعته عمليّة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل 2023….