فريدمان لترامب وليهود أميركا: لا تدعوا نتنياهو يخدعكم

مدة القراءة 8 د

انتقد الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان بشدّة سياسات رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، معتبراً أنّه يستهزئ بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وباليهود الأميركيّين على حدّ سواء. كتب في مقاله الأسبوعيّفي صحيفة “نيويورك تايمز”: “دعونا نتوقّف عن المراوغة: حكومة إسرائيل اليمينيّة المتطرّفة، بقيادة نتنياهو، تستهزئ بأميركا وتدّعي أنّها تمطر. إنّها لا تمطر. نتنياهو يستهزئ بالرئيس ترامب وباليهود الأميركيّين على حدّ سواء. وإذا سمحت له الولايات المتّحدة بذلك، فسنكون نحن المغفّلين”.

 

يرى الكاتب أنّ نتنياهو يركّز انتباه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب واللوبيات المؤيّدة لإسرائيل في الولايات المتّحدة على التهديد الإيرانيّ، سواء في ما يتعلّق بالبرنامج النوويّ أو بالصواريخ البالستيّة، وهو تهديد حقيقيّ، لكنّه ليس الوحيد. بينما ينشغل ترامب وإدارته بإيران، تمضي حكومة نتنياهو في سياسات توسعيّة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة تهدّد المصالح الأميركيّة الأوسع في الشرق الأوسط وتؤدّي إلى توتّر العلاقات بين الولايات المتّحدة وحلفائها الرؤساء في الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر والأردن والمملكة السعوديّة والإمارات وتركيا وقطر، بالإضافة إلى تقويض صورة إسرائيل الدولة الديمقراطيّة التي تحترم سيادة القانون.

قال فريدمان إنّ محاولات إسرائيل المتسارعة لضمّ الضفّة الغربيّة والبقاء الدائم في غزّة، وحرمان الفلسطينيّين من حقوقهم السياسيّة في كلتا المنطقتين، هي تهوّر أخلاقيّ وجنون ديمغرافيّ، تماماً كما لو ضمّت الولايات المتّحدة المكسيك.

أضاف: “لو كان الإسرائيليّون وحدهم هم من سيتضرّرون من هذا الوهم المجنون بأنّ سبعة ملايين يهوديّ إسرائيليّ يمكنهم السيطرة على سبعة ملايين فلسطيني عربيّ إلى الأبد، لربّما قلتُ إنّه إذا أراد قادة إسرائيل الانتحار الوطنيّ فلا يمكنني منعهم. لكنّ الآثار لن تقتصر على إسرائيل وحدها، بل إنّ ذلك سيجعل إسرائيل اليوم نسخة طبق الأصل من جنوب إفريقيا إبّان نظام الفصل العنصريّ، وستكون له تداعيات وخيمة على المصالح الأميركيّة ومصالح وأمن اليهود في جميع أنحاء العالم”.

يرى الكاتب أنّ نتنياهو يركّز انتباه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب واللوبيات المؤيّدة لإسرائيل في الولايات المتّحدة على التهديد الإيرانيّ

تمزيق المؤسّسات اليهوديّة

اعتبر فريدمان أنّ استمرار حكومة نتنياهو على هذا النهج سيمزّق المؤسّسات اليهوديّة في كلّ مكان، وسيُجبر أفراد الشتات اليهوديّ على الاختيار بين الوقوف مع إسرائيل أو ضدّها في ظلّ نظام أشبه بنظام الفصل العنصريّ. سيزيد ذلك أيضاً من حدّة التوجّه الذي بدأ مع تدمير إسرائيل لغزّة ويتمثّل في تزايد عدد الشباب الديمقراطيّين والجمهوريّين في الولايات المتّحدة الذين ينقلبون على إسرائيل، وعلى اليهود عموماً في بعض الأحيان. سيجد الآباء اليهود في جميع أنحاء العالم أنفسهم في موقف لم يتخيّلوه قطّ، إذ يشاهدون أبناءهم وأحفادهم يتعلّمون معنى أن يكونوا يهوداً في عالم تُعتبر فيه الدولة اليهوديّة دولة منبوذة.

أشار فريدمان إلى استطلاع رأي أجراه معهد فهم سياسات الشرق الأوسط، بالتعاون مع مؤسسة YouGov، في تشرين الثاني، أظهر أنّ 51% من الناخبين الجمهوريّين دون سنّ الـ 45 عاماً يفضّلون دعم مرشّح في الانتخابات التمهيديّة الرئاسيّة لعام 2028 يدعو إلى خفض نقل الأسلحة المموّلة من دافعي الضرائب إلى إسرائيل، بينما أيّد 27% فقط مرشّحاً يدعو إلى زيادة أو الحفاظ على إمدادات الأسلحة.

أشار الاستطلاع إلى ردّ النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز في مؤتمر ميونيخ، عندما سُئلت عمّا إذا كانت تعتقد أنّ “على المرشّح الديمقراطيّ للرئاسة في انتخابات 2028 إعادة النظر في المساعدات العسكريّة لإسرائيل”، فأجابت: “أعتقد شخصيّاً أنّ فكرة تقديم مساعدات غير مشروطة على الإطلاق، بغضّ النظر عن الإجراءات المتّخذة، غير منطقيّة. أعتقد أنّها ساهمت في وقوع إبادة جماعيّة في غزّة”.

الدّعم القويّ لم يعد مضموناً

هذا يعني، وفقاً لفريدمان، أنّ الدعم التقليديّ القويّ لإسرائيل داخل الحزبين الأميركيَّين لم يعد مضموناً كما كان في السابق.

قال فريدمان إنّ محاولات إسرائيل المتسارعة لضمّ الضفّة الغربيّة والبقاء الدائم في غزّة، وحرمان الفلسطينيّين من حقوقهم السياسيّة هي تهوّر أخلاقيّ

في رأي فريدمان، لا يأتي الخطر الأكبر على إسرائيل وعلاقاتها الدوليّة، بما في ذلك علاقتها بالولايات المتّحدة وأمن اليهود في العالم، من إيران فقط، بل من السياسات الداخليّة والخارجيّة التي تنتهجها حكومة نتنياهو اليمينيّة المتطرّفة. واعتبر أنّ التركيز حصراً على التهديد الخارجيّ من إيران يتجاهل التهديد الداخليّ الذي تُشكّله حكومة نتنياهو على إسرائيل المجتمع الموحّد والدولة الديمقراطيّة التي تحكمها سيادة القانون وعلى مكانتها.

تساءل: لقد انخرط نتنياهو، على مدى ثلاث سنوات، حتّى خلال حرب غزّة، في محاولة لتنفيذ انقلاب قضائيّ من شأنه أن يقضي فعليّاً على مبدأ فصل السلطات في إسرائيل، وهو المبدأ الذي يمكّن المحكمة العليا من محاسبة تجاوزات الحزب الحاكم. هل إيران مسؤولة عن ذلك؟ كلّا.

أضاف: هل انخرطت إيران في جهد دؤوب لتطهير أو تجريد المدّعية العامّة الإسرائيليّة الشُجاعة والمستقلّة، غالي بهاراف-ميارا، من صلاحيّاتها؟ كلّا، لكنّ نتنياهو فعل ذلك.

هذه المدّعية العامّة هي الحاجز الوحيد أمام المزيد من الاعتداءات على حكومة يُفترض أن تحكمها سيادة القانون، بما في ذلك إسقاط محاكمة نتنياهو بتهم الفساد، وجهود نتنياهو لتسييس التعيينات في الخدمة المدنيّة، والإعفاء الشامل من الخدمة العسكريّة لليهود المتشدّدين الذين يُبقونه في السلطة.

سأل أيضاً: هل عرقلت إيران تشكيل لجنة تحقيق مستقلّة في الإخفاق الاستخباريّ والقياديّ الفادح الذي سبق غزو “حماس” الدمويّ في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل؟ كلّا، لكنّ نتنياهو فعل ذلك.

نتج هذا الغزو عن مساعيه لأن يثبت للعالم أنّ إسرائيل قادرة على إحلال السلام مع الدول العربيّة دون إحلال السلام مع الفلسطينيّين، وازدادت قوّة “حماس” بفضل جهود نتنياهو الطويلة لدعمها بالمال القطريّ، فحدث انقسام القيادة الفلسطينيّة بين “حماس” في غزّة والسلطة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة. بهذه الطريقة، كان بإمكان نتنياهو أن يقول لكلّ رئيس أميركيّ إنّه آسف لعدم وجود شريك فلسطينيّ موحّد للتفاوض معه.

هل رشّحت إيران حلفاء نتنياهو ذوي الخبرة المحدودة لإدارة أهمّ أجهزة الأمن الإسرائيليّة، “الشين بيت” و”الموساد”؟ كلّا، نتنياهو هو من فعل ذلك.

انتقد الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان بشدّة سياسات رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، معتبراً أنّه يستهزئ بالرئيس الأميركيّ

ما الذي دفع ترامب إلى مطالبة رئيس إسرائيل، إسحاق هرتسوغ، بالعفو عن نتنياهو، حتّى قبل صدور الحكم، في تهم الفساد الموجّهة إليه؟ سيكون ذلك ضربة قاصمة لسيادة القانون في إسرائيل. بالتأكيد لم تكن إيران هي من فعلت ذلك.

وفقاً لفريدمان، لو انخرط نتنياهو في مفاوضات لحلّ الدولتين مع السلطة الفلسطينيّة، بأيّ شروط معقولة، لكان ذلك سيمهّد الطريق للسلام بين إسرائيل والمملكة السعوديّة ولبنان وسوريا والعراق، ولكانت المنطقة بأكملها والعالم الإسلاميّ بأسره سيفتحان أبوابهما أمام إسرائيل، ولتُعزل إيران تماماً، ولكانت التكنولوجيا الإسرائيليّة والطاقة العربيّة قد أوجدتا تآزراً مذهلاً لعصر الذكاء الاصطناعي، ولكان ذلك مكسباً هائلاً للمصالح الأميركيّة، ولكان الشرق الأوسط يحقّق السلام فعليّاً تحت مظلّة أميركا، ولكان انخفاض حدّة التوتّر بين إسرائيل والعالم العربيّ قد سمح لإدارة ترامب بتحقيق ما كانت تتوق إليه الإدارات السابقة: تقليص وجودها العسكريّ في المنطقة وتحويل تركيزها إلى موازنة الصين في آسيا.

أولويّات نتنياهو

لكنّ نتنياهو، لسوء الحظّ، لديه أولويّات أخرى، في رأي فريدمان. عندما تنخرط إسرائيل في ضمّ فعليّ، تصفه منظّمات حقوق الإنسان بالتطهير العرقيّ في غزّة والضفّة الغربيّة، تُحوّل نفسها إلى مساهم رئيس في صراع دائم في المنطقة. لا شيء من ذلك يصبّ في مصلحة أميركا، لكنّ إيران تُقدّره بشدّة.

خلص إلى القول: “كفّوا عن هذا الهراء بأنّ إيران هي التهديد الوحيد لإسرائيل اليوم. إيران ليست التهديد الأكبر لإسرائيل الدولة الديمقراطيّة التي تحكمها سيادة القانون، وليست التهديد الأكبر للعلاقات الأميركيّة الإسرائيليّة، وليست التهديد الأكبر لوحدة وأمن اليهود في جميع أنحاء العالم، وليست السبب وراء هجرة هذا العدد الكبير من الكفاءات الإسرائيليّة من التقنيّين والمهندسين والأطبّاء، وليست السبب الرئيس وراء تحوّل إسرائيل إلى دولة فصل عنصريّ بسبب رفضها السعي لإقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة، بل وعملها الدؤوب على جعل ذلك مستحيلاً. يذهب هذا اللقب إلى حكومة من المتعصّبين المتشدّدين والقوميّين الكارهين للعرب والمتشدّدين الحريديم المناهضين للحداثة، شكّلها بنيامين نتنياهو ليُبقي نفسه في السلطة”.

مواضيع ذات صلة

سوريا: السّاعات الأخيرة لـ”ملك موهوم ومهووس”

في مقال مطوّل تحت عنوان “سقوط آل الأسد”، روى الكاتب في مجلّة “ذا أتلانتيك” روبرت وورث الساعات الأخيرة لبشّار الأسد نقلاً عن أحد أعضاء حاشية…

فضيحة أبي عمر… كما ترويها “الفايننشيل تايمز”

“هي قصّة مذهلة تدلّ على مدى هشاشة النخبة السياسيّة اللبنانيّة ومدى سهولة التلاعب بها”، هكذا وصفت صحيفة “فايننشيل تايمز” البريطانيّة قصّة “أبي عمر”، الشخص الذي…

روسيا: الخليج بديل استراتيجيّ لتخفيف المخاطر الإيرانيّة

في ظلّ التهديد المتكرّر بمواجهة إيرانيّة – أميركيّة وتداعياتها المحتملة على النظام التجاريّ العالميّ، ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسيّة وتراجع موثوقيّة بعض الممرّات الحيويّة، وفي مقدّمها…

لماذا تتضمّن ملفّات إبستين اسم سعد الحريري؟

أظهرت وثائق نُشرت ضمن أرشيف وزارة العدل الأميركيّة رسائل بريد إلكترونيّ منسوبة إلى المموّل الأميركيّ المثير للجدل جيفري إبستين، تضمّنت اسم رئيس الحكومة اللبنانيّة الأسبق…