واشنطن – طهران: هل تمنع المصالح المشترَكة الحرب؟

مدة القراءة 6 د

بالتزامن مع تحديد موعد ومكان الجولة الثانية من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، المقرّرة اليوم الثلاثاء  في مدينة جنيف السويسريّة، بدأت تتّضح صورة الملفّات المطروحة على الطاولة.

 

الإصرار الإيرانيّ على اعتماد الآليّة السابقة في التفاوض غير المباشر برعاية عُمانيّة، في جنيف أيضاً كما حصل في روما في حزيران 2025، لا يمنع الطرفين من الإقرار بإمكانيّة أن تتحوّل المفاوضات إلى تفاوض مباشر بحضور الوسيط العُمانيّ، وبالتالي الانتقال إلى خطوة أكثر فاعليّة والتأسيس لمرحلة جديدة من التعاون الإيجابيّ بينهما.

مع غياب أيّ تفاصيل عن النقاط الأميركيّة التي تضمّنتها الرسالة العُمانيّة التي سلّمها وزير الخارجيّة بدر البوسعيدي إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ الإيرانيّ علي لاريجاني، خلال زيارته مسقط، تكشف بعض الإشارات الصادرة عن الخارجيّة الإيرانيّة طبيعة النقاط الأميركيّة التي وعدت طهران بدراستها بإيجابيّة، استكمالاً لإيجابيّة الجولة الأولى.

يذهب الطرفان إلى الجولة الثانية من دون أن يحصل أيّ تغيير في موقفَيهما حيال جدول أعمال المفاوضات. لم تحقّق الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو للبيت الأبيض الخرقَ الذي كان يأمله المسؤول الإسرائيليّ لإعادة وضع ملفَّي القدرات الصاروخيّة والنفوذ الإقليميّ على الطاولة. عبّر عن ذلك بوضوح كلام الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بإصراره على التوصّل إلى اتّفاق مع إيران قبل الذهاب إلى خيار أكثر قسوةً وتشدّداً يبدأ بتشديد الحصار الاقتصاديّ ومبيعات النفط، مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة في حال الفشل.

اختلاف الأولويّات

إذا كانت زيارة نتنياهو قد كرّست عدم وجود أيّ خلاف استراتيجيّ بينه وبين واشنطن حول فرض قيود مشدّدة على البرنامج النوويّ، إلّا أنّ أجواء المباحثات أظهرت نوعاً من الاختلاف على ترتيب أولويّات كلّ طرف بشأن طبيعة المفاوضات.

يفتح دخول مدير الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية رافائيل غروسّي على خطّ المفاوضات، من خلال تأكيد حقّ إيران في امتلاك دورة تخصيب اليورانيوم

كلام الرئيس الأميركيّ عن مهلة الشهر لإنهاء الاتّفاق مع إيران قابله كلام وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي عن وجود أجواء تساعد على التوصّل إلى اتّفاق أفضل من اتّفاق عام 2015، وأنّ طهران على استعداد لإبداء الكثير من المرونة من أجل إنجاح هذه المفاوضات من خلال تقديم تنازلات نوويّة لا تتخطّى الخطوط الحمر التي سبق أن أعلنت تمسّكها بها، وفي مقدَّمها الحقّ في التخصيب على أراضيها، مقابل الموافقة على كلّ الإجراءات التي تعزّز الثقة بسلميّة أنشطتها من خلال التعاون مع الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة وعمليّات التفتيش المبرمَج والمفاجئ لكلّ منشآتها المرتبطة بهذه الأنشطة.

يفتح دخول مدير الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية رافائيل غروسّي على خطّ المفاوضات، من خلال تأكيد حقّ إيران في امتلاك دورة تخصيب اليورانيوم بناءً على معاهدة الحدّ من انتشار أسلحة الدمار الشامل، الطريق أمام واشنطن للبناء على ذلك كمخرج يعطي لإيران ما تريد ويمنح واشنطن قدرة على مراقبة أكثر تشدّداً وفاعليّة. ينسجم ذلك أيضاً مع ما قاله وزير الخارجيّة التركيّ هاكان فيدان عن احتفاظ إيران بهذا الحقّ بالمستويات التي تُستخدم في المجالات السلميّة، وهي الحلقة التي ساعدت فيدان والرئيس التركيّ على إشعال فتيل الحوار والعودة إلى التفاوض بين واشنطن وطهران.

يحاول المفاوض الإيرانيّ الانتقال هذه المرّة إلى مستوى أكثر جديّة في التعاون مع رغبات الرئيس الأميركيّ، وعدم حصر التفاوض في هدف الوصول إلى تفاهم في الأزمة النوويّة، بل الانتقال إلى ما هو أبعد، والتأسيس لمرحلة جديدة من التعاون وبناء الثقة، من خلال الحديث عن فتح المجالات الاقتصاديّة أمام الاستثمارات الأميركيّة داخل إيران.

أجواء المباحثات أظهرت نوعاً من الاختلاف على ترتيب أولويّات كلّ طرف بشأن طبيعة المفاوضات

بحث المصالح المشترَكة

حسب توصيف نائب وزير الخارجيّة الإيرانيّ للشؤون الدبلوماسيّة الاقتصاديّة حميد قنبري، سيضع المفاوض الإيرانيّ أمام نظيره الأميركيّ مسألة “المصالح المشتركة” في مجالات النفط والغاز والاستثمارات وما يرتبط بقطاع الطيران. وهي المرّة الأولى التي يتحدّث فيها طرف إيرانيّ عن مصالح مشتركة بين الطرفين، وضرورة أن تتمكّن أميركا من الاستفادة من قطاعات ذات عوائد اقتصاديّة مرتفعة وسريعة.

حوّل استمرار الحشود العسكريّة الأميركيّة في المنطقة إيران إلى جزيرة وسط انتشار عسكريّ غير مسبوق من جميع الجهات اعتبره وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو ضروريّاً لضمان عدم تعرّض قوّاته لأيّ اعتداء، ويعني إبقاء إيران على حالة الاستنفار القصوى أنّ الطرفين يذهبان إلى التفاوض وأيديهما على الزناد.

لم يُسقط الجانب الإيرانيّ من حساباته إمكانيّة تعرّضه لخديعة كما حصل في المفاوضات السابقة، مع اعتقاده بأنّ واشنطن قد لا تكون المبادرة إلى فتح النار، حيث من المحتمل أن تُطلق اليد الإسرائيليّة لفعل ذلك، إدخال المنطقة في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار غير مسبوقة، خصوصاً أنّ المرشد الأعلى والقيادات العسكريّة الإيرانيّة أكّدت أنّ أيّ حرب لن تبقى محدودة، وستتوسّع لتكون إقليميّة تعيد خلط الأوراق على الجميع.

ثنائيّتان… أميركيّة وإيرانيّة

يراهن الطرفان على مستوى من الجدّيّة يُبقي على النافذة الهشّة للتفاوض. إذا ما كانت مهمّة الثنائي الأميركيّ جاريد كوشنر وستيف ويتكوف تتأرجح بين خيار التسوية وتخفيف الشروط على إيران وتوظيف العامل العسكريّ كأداة ضغط لمزيد من التعاون، فإنّ النظام الإيرانيّ اعتمد ثنائيّة مختلفة تقوم على مبدأ توزيع الأدوار بين المفاوضين لضمان الوصول إلى نتيجة عمليّة والتأسيس لمرحلة جديدة في الإقليم وفي العلاقة مع واشنطن.

يذهب الطرفان إلى الجولة الثانية من دون أن يحصل أيّ تغيير في موقفَيهما حيال جدول أعمال المفاوضات

يقود هذه الثنائيّة علي لاريجاني كمفاوض استراتيجيّ يمثّل الكتلة الصلبة للنظام ومراكز القرار الاستراتيجيّ نيابة عن المرشد الأعلى، في حين يتولّى عبّاس عراقجي التفاوض العمليّ، فيكون هذا الثنائي معبّراً عن إرادة النظام وقادراً على إسكات جميع الأصوات المعترضة والمعارضة لأيّ حوار أو تفاوض أو تنازل من صفوف التيّار المتشدّد.

إقرأ أيضاً: إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

من هنا قد تشكّل منصّة جنيف المرتقبة فرصة للثنائيّ الأميركيّ لإبراز قدرته على عقد صفقة استثنائيّة مع إيران، وفرصة أيضاً للثنائيّ الإيرانيّ لإقناع الخارج والداخل بأهميّة هذه الصفقة وقدرتها على نقل المنطقة من حالة الفوضى الشاملة إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتعاون والتقدّم.

مواضيع ذات صلة

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…

إصرار “الثّنائيّ” على الانتخابات استباقٌ لمعادلات المنطقة

يختصر الخلاف اللبنانيّ على الانتخابات النيابيّة الصراع على موقع الطائفة الشيعيّة في التركيبة الداخليّة في مرحلة ما بعد حروب المنطقة. اكتسبت قيادتها الممثّلة بثنائيّ “الحزب”…

مؤتمر دعم الجيش: إعادة سلاح “الحزب” إلى سوريا..

تستعدّ باريس لتنظيم مؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ المعوّل عليه لمساعدة المؤسّسة العسكريّة في تنفيذ مهمّة حصر السلاح، حيث تدور في أجواء المؤتمر أربعة شروط يفترض…

لبنان الغائب منذ غاب رفيق الحريري

سؤال يقتحم مخيّلة اللبنانيّين كلّ سنة، عندما تقترب ذكرى الرابع عشر من شباط: كيف كان سيكون لبنان لو كان الرئيس رفيق الحريري لا يزال على…