بانتظار تداعيات المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة، يبدو لبنان كالسفينة التائهة في البحر تضربها الأمواج من كلّ صوب. لا يزال لبنان كياناً لا يقوى على الوقوف وحيداً، مربكاً بين الاستحقاقات والواجبات، يواجه في كلّ استحقاق إهانات متكرّرة، وكأنّ السلطة عاجزة عن مواكبة التطورات. هذه الخلاصة هي توصيف للحالة اللبنانيّة في كلّ من العواصم الكبرى المعنيّة بالملفّ اللبنانيّ.
وحده رئيس الحكومة نوّاف سلام تقدّم في حالة العجز اللبنانيّ بخطوات بطيئة لكن ثابتة، وهذا ما فتح له طريق الجنوب محاطاً بالورود.
أمّا محاولات “الحزب” لتصحيح العلاقة مع الرؤساء الثلاثة، وتحديداً مع الرئيسين جوزف عون ونوّاف سلام، فتبقى في إطار ربط النزاع بانتظار نتائج المفاوضات الإيرانيّة – الأميركيّة. أمّا جلسة مجلس الوزراء أمس فلا تتعدّى الجلسة الشكليّة طالما أنّ مفاعيل حصر السلاح مجمّدة إلى وقت لاحق.
من “السيكي لحلح” في الرّوشة إلى باقة الورود في الجنوب
شكّلت واقعة الروشة، يوم تمرّد “الحزب” أو جناح منه على قرار الحكومة، محطّة مفصليّة في إعادة تقويم “الحزب” لشأنه الداخليّ. حجم العقم اللبنانيّ واستمرار الغارات الإسرائيليّة على عناصر “الحزب” ومنشآته والأبنية السكنيّة، دفعا به إلى تغيير أدائه السياسيّ والتعبير عن مواقفه من منطلق الحاجة إلى الدولة.
بناءً عليه، جاء استقبال “الحزب” لرئيس الحكومة في الجنوب، في توقيته قبل جلسة السلاح، ليؤسّس لمرحلة من التفاهم على الخلاف ورسم معالم المشهد السياسيّ في المرحلة المقبلة.
بانتظار تداعيات المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة، يبدو لبنان كالسفينة التائهة في البحر تضربها الأمواج من كلّ صوب
أبرز عناوين المشهد العقيم في هذه المرحلة تتمحور حول:
– حرص بيان “كتلة الوفاء للمقاومة” الأخير على تحيّة الشعب الإيرانيّ في إشارة إلى أنّ القيادة الإيرانيّة مسؤولة عن المواجهة، وهي رسالة إلى فصل المسارات بين لبنان وإيران، ومحاولة تصحيح ما تركه خطاب الأمين العامّ نعيم قاسم من أثر سلبيّ على الرأي العامّ اللبنانيّ الذي رفض إدخال لبنان في حرب إسناد أخرى.
– طلب رئيس الجمهوريّة من “الحزب” إعطاءه أيّ “إنجاز” يقدّمه للمجتمع الدوليّ الذي يطالبه بالمضيّ قدماً بحصر السلاح.
– رفض قائد الجيش رودولف هيكل التزام جدول زمنيّ لاستكمال المراحل المقبلة الأربع لحصر السلاح، تحت عنوان عدم وجود قدرة لوجستيّة ولا تقنيّة لإنجاز الخطّة في الوقت المطلوب دوليّاً.
– الإبقاء على إشكاليّة الصواريخ عالقة وسط رفض “الحزب” التسليم بها قبل انتهاء المواجهة الإيرانيّة – الأميركيّة، وقبل التوصّل إلى تسوية تعيد وضع “الحزب” على الطاولة.

– كلام النائب محمّد رعد الأخير الذي بادر باتّجاه الدولة كمسؤولة وحيدة عن السيادة، والتعبير عن الاستعداد لمساندتها عند الاقتضاء، مع الإبقاء على الصواريخ الدقيقة والمسيّرات.
لبنان ليس على الطّاولة
مجموعة التناقضات هذه ليست حلّاً بطبيعة الحال، لكنّها ستحكم الساحة اللبنانيّة إلى حين إيجاد الحلول للملفّات الكبرى في المنطقة. مصادر دبلوماسيّة عربيّة قالت لـ”أساس” إنّ اجتماعاً للّجنة الخماسيّة سيعقد اليوم الثلاثاء في السفارة المصريّة لتنسيق العمل على الاجتماع التحضيريّ لمؤتمر باريس الذي يقام في القاهرة.
خطاب الأمين العامّ نعيم قاسم من أثر سلبيّ على الرأي العامّ اللبنانيّ الذي رفض إدخال لبنان في حرب إسناد أخرى
تضيف المصادر أنّه حتّى الساعة لا يبدو الاهتمام كافياً لدعم لبنان بناءً على:
– تأخّر لبنان في كلّ الاستحقاقات.
– تقدّمت سوريا في أكثر من استحقاق وحظيت بالاهتمام.
– واشنطن وإسرائيل منشغلتان بالملفّ الإيرانيّ.
مصادر دبلوماسيّة غربيّة تضيف لـ”أساس” أنّ نتائج زيارة قائد الجيش لم تكن كافية ليحصل لبنان على الدعم المطلوب، ليس بسبب العماد هيكل بل بسبب الأداء العامّ. تؤكّد هذه المصادر أن لا مؤشّرات إلى أيّ زيارة لرئيس الجمهوريّة جوزف عون لواشنطن، لا بل إنّ الملاحظات على أدائه لا تزال قائمة.
في الخلاصة، فيما تخطو سوريا باتّجاه التفاوض المباشر مع إسرائيل وحلّ أزماتها، لا يزال لبنان يعوّل على جلسة لمجلس الوزراء وعرض خطّة من دون جداول ثابتة وواضحة، ومن دون أيّ تفاهم بين القوى المتخاصمة على خطّة للعبور بالبلد إلى المرحلة المقبلة.
إقرأ أيضاً: هل يواجه وزير الخارجيّة دعوى جزائيّة؟
انتهت جلسة مجلس الوزراء وكلّ الجبهات لا تزال مفتوحة، من السلسلة الشرقيّة إلى الحدود الجنوبية وما بينهما من ألغام داخليّة قررت الحكومة الدخول في حقلها عبر اقرارها الزيادات الضريبية المرتفعة على المواطنين، لتمويل رواتب مواطنين آخرين. لبنان من الداخل والخارج على صفيح ساخن.
لمتابعة الكاتب على X:
