يختصر الخلاف اللبنانيّ على الانتخابات النيابيّة الصراع على موقع الطائفة الشيعيّة في التركيبة الداخليّة في مرحلة ما بعد حروب المنطقة. اكتسبت قيادتها الممثّلة بثنائيّ “الحزب” وحركة “أمل” في العقود الماضية دوراً ونفوذاً طُرح إعادة صياغتهما في المرحلة الجديدة. لا يتعلّق الأمر فقط بتراجع نفوذ طهران في البلد. هذا الأمر ستوضحه نتائج المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة في إطار بحث مطلب واشنطن الثالث: الحدّ من نشاطاتها الإقليميّة “المزعزعة للاستقرار”.
يرتبط الحديث عن إمكان تأجيل الانتخابات بشكل وثيق بعمليّة حصر السلاح في يد الدولة، حسب قول معظم الأوساط السياسيّة والنيابيّة.
التّفاصيل القانونيّة المعقّدة… وجوهر الصّراع
قد يستعصي على المواطن العاديّ الإلمام بالتفاصيل المعقّدة بشأن تطبيق قانون الانتخاب المعمول به حاليّاً، وإشكاليّاته القانونيّة، والربط بينها وبين وظيفة الانتخابات في تحضير المسرح السياسيّ للتأقلم مع التحوّلات السريعة في المنطقة. كانت أدوار القوى السياسيّة اللبنانيّة التي أنتجت تركيبة للحكم ولتقاسم السلطة وليدة المعادلات التي حكمت المنطقة في السنوات الماضية. من الطبيعيّ أن يتبع تغيير هذه المعادلات تغيير نتائجها في لبنان. لكنّ التأقلم الداخليّ معها يواجه صعوبات وممانعة بقدر ممانعة طهران التسليم بما سبّبه التفوّق الأميركيّ بالتعاون مع إسرائيل في مواجهة سياستها.
مع أنّ قيادة “الثنائيّ الشيعيّ”، ولا سيما رئيس البرلمان نبيه برّي، تقرّ بوجوب تكيّف لبنان مع المستجدّات الجيوسياسيّة، فإنّ التباين بينهما حول أسلوب الاستجابة لها لا يلغي الحقيقة القائلة بأنّهما متّفقان على صيانة الدور الوازن للطائفة في موازين القوى داخل الحكم والمؤسّسات. يقتصر التباين على مدى إلحاق لبنان بحاجة طهران إلى مناورات التفاوض، لا سيما من زاوية التشدّد، لأنّها قد تكلّف الطائفة المزيد من الخسائر.
يرتبط الحديث عن إمكان تأجيل الانتخابات بشكل وثيق بعمليّة حصر السلاح في يد الدولة، حسب قول معظم الأوساط السياسيّة والنيابيّة
العبء الدّاخليّ للدّور الإقليميّ للسّلاح
يقارب مصدر قياديّ في “الثنائيّ”، في حديثه لـ”أساس”، ما يحيط بدور الطائفة الشيعيّة اللبنانيّ كالآتي:
– صحيح أنّ دور إيران في لبنان والسلاح الذي زوّدت به “الحزب” جعلاً جزءاً من الطائفة الشيعيّة صاحب دور إقليميّ، لكنّ هذا الدور ومعه السلاح تحوّلا إلى عبء في الداخل اللبنانيّ جعل “الحزب” والطائفة هدفاً لإسرائيل، وللقوى السياسيّة المعارضة لسياسته.
– ما يهمّ بنيامين نتنياهو في لبنان هو تعطيل قدرة “الحزب” على تهديد أمن إسرائيل. سمح حجم الاختلال الكبير في ميزان القوى العسكريّ لإسرائيل بتحقيق شرطها بتعطيل قدرة سلاح “الحزب” على تهديد أمنها. تعتبر إسرائيل أنّ السلاح الذي يشكّل تهديداً لأمنها هي الصواريخ البعيدة المدى والطائرات المسيّرة.
يوحي المصدر بإمكان تحييد هذين السلاحين. حتّى لو كان الجانب الإيرانيّ يصرّ حسب ما يعلن على استبعاد بحث الدور الإقليميّ لطهران ومصير وكلائها، إلّا أنّ المفاوضات لا بدّ من أن تترك أثراً على مسألة السلاح الذي يهدّد أمن إسرائيل.

– إذا توصّلت المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة إلى اتّفاق، فلا بدّ من أن ينعكس على لبنان. قد لا ينعكس مباشرة، لكنّه سيرسم معالم الوضع الإقليميّ التي ستوضح موقع لبنان وبالتالي موقع “الحزب” في المعادلة الجديدة. لذلك ستسمح حصيلة المفاوضات التي تواكب التغييرات في المنطقة بالشروع في ترتيب الوضع اللبنانيّ للتكيّف معها.
– سيظهر التأثير الأبرز والأوّل، بالمعنى الزمنيّ، لأيّ اتّفاق أميركيّ إيرانيّ في العراق، من زاوية الدورين الأميركيّ والإيرانيّ في بلاد الرافدين. يعني موقع العراق في أيّ اتّفاق تحديد العلاقة مع الحكم فيه لأنّ من الطبيعي أن تحرص واشنطن على عدم قيام حكم تتأسّس في ظلّه قوّة عسكريّة تهدّد الترتيبات التي سيجري التوافق عليها في المنطقة برمّتها.
تقول قراءة أوساط “الثنائي” إنّ المعادلة الإقليميّة لا تعني تجاهل موقع المكوّن الشيعيّ في المعادلة الداخليّة
هذا يعني التعمّق في تحديد مصير المجموعات المسلّحة العراقيّة. يستتبع ذلك أن يلقي أيّ تفاهم أميركيّ إيرانيّ بظلاله على سوريا كامتداد للتفاهمات في شأن العراق. وهذا يحتاج إلى ترتيبات مع النظام السوريّ الجديد تتعلّق بالأقليّات، وبالملفّات المشتركة بين العراق وسوريا وتركيا وإيران. الملفّ الكرديّ يهمّ إيران، إضافة إلى الدول الثلاث.
– يقرّ المصدر القياديّ في “الثنائيّ” بأنّ الأثر الأكبر لأيّ تفاهم أميركيّ إيرانيّ سيكون على لبنان الذي يأتي بالمرتبة الثانية بعد العراق وسوريا والملفّات المتّصلة بهما. لكنّه يرى أنّ رسم دور الطائفة الشيعيّة فيه لن يتمّ قبل إجراء الانتخابات النيابيّة. ستحدّد الأحجام التمثيليّة بشكل يستند إلى واقع أنّ “الحزب” بوضع أفضل في طائفته نظراً لالتفاف جمهوره حوله رافضاً اعتباره مهزوماً.
قراءة “غير موضوعيّة” للوضع الشّيعيّ؟
يشير المصدر القياديّ لـ”أساس” إلى أنّ بعض القوى السياسيّة اللبنانيّة لا يقارب الوضع الشيعيّ بطريقة موضوعيّة، فيرفع السقف والتحدّي على الطائفة. بعد الحرب اعتبر هذا البعض، وفق قول المصدر القياديّ، أنّ ممثّلي الشيعة فرضوا هيمنة على البلد ومؤسّساته مدّة 25 سنة، وأنّه بعد سقوط النظام السوريّ الأسديّ ثمّ الضربة التي تلقّاها من إسرائيل، جاءت فرصة التخلّص من هذا الدور.
في اعتقاد القياديّ نفسه أنّ كلام بعض هؤلاء الفرقاء، ومنهم حزب “القوّات اللبنانيّة”، عن الحرص على المكوّن الشيعيّ ودوره في التركيبة اللبنانيّة كان من باب “التشاطر”. كما أنّ التوجّه الذي بدأ اعتماده قبل أسابيع بأن يتمّ التمييز بين الرئيس برّي وبين “الحزب” لا يحمي دور الطائفة، بل يسبّب “نقزة” من جانب قياداتها، ويعزّز العصبيّة الشيعيّة التي كلّما تشدّدت صار من الصعب حلحلة العِقد السياسيّة في البلد.
يختصر الخلاف اللبنانيّ على الانتخابات النيابيّة الصراع على موقع الطائفة الشيعيّة في التركيبة الداخليّة في مرحلة ما بعد حروب المنطقة
تقول قراءة أوساط “الثنائي” إنّ المعادلة الإقليميّة لا تعني تجاهل موقع المكوّن الشيعيّ في المعادلة الداخليّة:
– تملّك إمكانات ماليّة ضخمة في الاقتصاد اللبنانيّ. إذا أنفق “الحزب” أموالاً على التنمية في مناطقه، فالحال سيكون مختلفاً.
– الواقع الديمغرافيّ للشيعة (أكثر من 30 في المئة من اللبنانيّين) وانتشارهم الجغرافيّ (على 45 في المئة من لبنان).
– في الإمكانيّات العلميّة يشكّل الطلّاب الشيعة الأكثريّة في الجامعات الثلاث الرئيسة في البلد.
إقرأ أيضاً: سلام قام بما عليه و”الثّنائيّ” لا يخشى الطعن بالانتخابات
يفسّر ما تقدّم إصرار الثنائيّ على إجراء الانتخابات النيابيّة في موعدها، وفق القانون الحاليّ على علّاته التي يقرّ بها “الثنائيّ”. ربّما يفسّر أيضاً ما أُشيع عن أنّ بعض الدول الغربيّة ليس متحمّساً لإجراء الانتخابات قبل التقدّم أكثر في سحب السلاح.
لمتابعة الكاتب على X:
