كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ في أذهاننا نحن غير المتخصّصين بالتاريخ بالأستاذ عمر عبد السلام تدمري، وبالمفتي الشيخ نديم محمد الجسر.
عندما كنّا ندرس في الأزهر (1966-1970) صدر كتاب الشيخ الجسر عن العلم والإيمان للمرّة الثانية أو الثالثة وأعلنت عنه صحيفة “الأهرام”. طوال عدّة عقود ظلّ كتاب الجسر، مفتي المدينة، أشهر كتب الدعوة للإيمان ويقرؤه الصغار والكبار.
فلمّا عدت إلى لبنان وتوظفتُ في دار الفتوى كنّا نذهب مع المفتي الشيخ حسن خالد لزيارة الشيخ نديم ونحضر دروسه وهو ابن الأسرة العريقة ويتّصل نسبه بالشيخ حسين الجسر صاحب الرسالة الحميديّة والحصون الحميديّة. هو فقيه إصلاحيّ مجدِّد واشتهر عنه أنّه إذا ثبتت نظريّة دارون فيمكن أن تتوافق مع نظريّة الخلق في القرآن. لذلك كان الحفيد الشيخ نديم يعتزّ بذلك ويعتبر كتابه في العلم والإيمان سائراً على هدْي تلك الرسالة الأولى لجدّه.
طرابلس المملوكيّة والعثمانيّة
أمّا الدكتور عمر تدمري فقد ذهب إلى الأزهر قبلنا (في دفعة الشيح خليل الميس رحمه الله والمفتي خالد قبّاني) وحصل على دكتوراه في التاريخ من كليّة اللغة العربيّة. طوال الستّين سنة التالية ظلّ يكتب في تاريخ طرابلس وإسلامها وعمرانها وموقعها في بلاد الشام وفي الدفاع عن الثغور وفي رعاية العلم وأهله. من خلال مؤلّفاته ونشراته الكثيرة عرفنا طرابلس المملوكيّة والعثمانيّة وقد تتبعها شارعاً شارعاً ومبنىً مبنىً.

ما كانت طرابلس العربيّة والإسلاميّة محظوظةً في زمنها اللبنانيّ منذ البداية. مع أنّ الزعيم الطرابلسي عبد الحميد كرامي تولّى رئاسة الحكومة في الأربعينات من القرن الماضي، وظلّ ابنه الزعيم الطرابلسيّ رشيد كرامي رئيساً للحكومة زماناً حتّى استشهاده عام 1987. وكاد محمّد الجسر والد الشيخ نديم يصبح رئيساً للجمهورية.
لم تقم الدولة اللبنانيّة بمسؤوليها المسلمين والطرابلسيّين بالحدّ الأدنى من واجباتها طوال عقود
دائماً كان التيّار الجماهيريّ في المدينة وجوارها، ساعة باسم الإسلام وساعة باسم العروبة حافلاً بالاحتجاج وثائراً وشاعراً بالظلم إلى أبعد الحدود. ذكر لي طرابلسيّ عجوز مرّةً في الثمانينيّات ضابطاً بالأمن الداخليّ قصف طرابلس بالمدفعيّة عام 1958 لأنّها كانت ثائرة على كميل شمعون!
بلايا طرابلس
البلاء الأوّل على طرابلس الحديثة أنّها لم تستطع التلاؤم مع السلطات اللبنانيّة السياسيّة والإداريّة والأمنيّة على مدى عقود. ويقال إنه في “الاستفتاءات” غير الرسميّة ظلت الأكثريّة حتّى العام 1955 مع الانضمام إلى سورية.
أمّا البلاء الثاني وهو سياسيّ أيضاً، فكان بوصول البعثيّين للسلطة في سورية عام 1963 ثمّ امتداد نفوذهم إلى لبنان. استعر العداء بينهم وبين طرابلس منذ السبعينيّات حتّى سقوط بشّار الأسد عام 2024. غزوا المدينة عشرات المرّات، تارةً بالجيش السوري أو عبر الحزب القومي السوريّ أو الحزب الشيوعي وأخيراً ولسنواتٍ طوالٍ عبر قاطني جبل محسن وبدعمٍ من أنصار النظام السوريّ بالشمال أو من جماعات المقاومة المجيدة!
البلاء الثالث هو أنّه لم يظهر بين السياسيّين المسلمين والأغنياء المسلمين حتّى من أهل طرابلس (وبينهم أثرياء كبار) مَن يمكن اعتباره راعياً أو صاحب رؤية لقضايا المدينة ومشكلاتها. وذلك لجهتّين: ما تعلّق بمشكلات المدينة التي ينبغي أن تتولّى الدولة معالجتها أو المشروعات التي ينبغي أن تتولّى الدولة استحداثها وتنميتها، وما تعلّق بروح المدينة ونفسيّة جمهورها، وهو في الغالب فقير، سواء أكان أصيلاً أو قادماً من قرى وبلدات الجوار القريب أو البعيد.
تجلّى ذلك (أي تَرْك المدينة أو التنكر لها) بعد الثورة السوريّة عام 2011. شبان المدينة الفقراء ليسوا “أبرياء” بمعنى أنّهم تعاطفوا هم وجوارهم مع التمرّد على بشّار الأسد. كنّا نقول لهم متظاهرين بالحكمة: أنتم مشرذمون ومخترقون من السوريين واللبنانيين، وكانوا يقولون لنا غاضبين: بدلاً من تنظيمنا ودعمنا تنصحوننا بالصمت والخنوع والأجهزة اللبنانيّة والسوريّة على رؤوسنا، والوزير اللبنانيّ فلان يقول إنّ طرابلس هي قندهار، ولا حياة لطرابلس وجوارها إلاّ بسقوط النظام السوريّ.
كل رؤساء الحكومة السابقين ومنهم طرابلسيون، لم يفعلوا شيئاً من أجل نهضة المدينة
أكبر المصائب
كل رؤساء الحكومة السابقين ومنهم طرابلسيون، لم يفعلوا شيئاً من أجل نهضة المدينة. كان التحالف الباسيليّ- الحزبيّ أكبر المصائب على طرابلس وعكّار، مات المئات، وسجُن المئات والألوف وما يزال مئاتٌ منهم في السجون حتى اليوم. مع الإذلال والقتل وتعبير جبران باسيل عن كراهيته لأهل السُنّة كان مصرّاً على زيارة طرابلس غصباً عن جمهورها في عراضة عسكريّة.
لكن من جهةٍ أُخرى لم تقم الدولة اللبنانيّة بمسؤوليها المسلمين والطرابلسيّين بالحدّ الأدنى من واجباتها طوال عقود. كان فقراء المدينة الكثر يستفيدون أثناء الانتخابات من بيع أصواتهم بقروشٍ معدودات. أمّا الجريمة والمخدّرات فلا تسلْ عن ضحاياهما. إذا وصلنا إلى باب التبانة والقبّة وغيرها وهي الأحياء التي تتهدم بناياتها الآن على رؤوس السكّان فقد بدأ عدُّها والتحذير منها من خمسين عاماً وأكثر (واسألوا الأستاذ عمر تدمري!).
ماذا صار بمعرض رشيد كرامي؟ ماذا صار بملايين الأمتار في منطقة الضمّ والفرز؟ ويتحدثون الآن عن مطار القليعات وقبلها عن مقر بعكار للجامعة اللبنانية.
سقوط النظام السوريّ الأسديّ، وتراجُع نفوذ أنصاره بلبنان، كما تراجُع نفوذ أهل الممانعة، وتراجع سطوة المتنفّذين في إدارات الدولة بطرابلس والشمال، كلّ ذلك مفيد ومفيد جدّاً لكنّه ليس كافياً أبداً.
رجل مفتون بالمدينة
طرابلس محتاجة ليس إلى نظامٍ سياسيّ عادلٍ فقط، بل محتاجةٌ أكثر إلى رجل نبيل مفتونٍ بالمدينة أو أكثر من الطرابلسيّين المقتدرين الذين يذرعونها متراً متراً ويكسبون قلوب وأسماع جمهورها، هو الأمر الذي ما نزال ننتظره.
إنّ المشكلة أنّ المقتدرين والحريصين على مصالح المدينة مهتمون أيضاً بالحصول على المناصب. الإدارة اللبنانية حافلة بالجفاء تجاه طرابلس ولذلك- وإن شاء الله ليس حتى الآن- كان الحصول على منصب يعني أنه لا يحق لصاحبه خدمة أهل المدينة.
هل تتذكّرون محافظ طرابلس السابق وكيف كان سلوكه وكيف كانت أخلاقه ومع ذلك كم استمرّ في منصبه؟
البلاء الأوّل على طرابلس الحديثة أنّها لم تستطع التلاؤم مع السلطات اللبنانيّة السياسيّة والإداريّة والأمنيّة على مدى عقود
بالفعل السياسات تجاه طرابلس وتجاه عكار تسلب العاقل عقله، وتفطر القلب. ما نسي الطرابلسيّون قذف المدينة بالمدفعيّة عام 1958، فكيف نريدهم أن ينسوا من اعتبرهم قندهار، والمحافظ السابق، والأجهزة السابقة، ومن بدّلوا قطعة الأرض التي كان ينبغي إقامة فرع الجامعة اللبنانية عليها بعكار؟!
طرابلس المملوكيّة أهم مدن بلاد الشام. طرابلس العثمانيّة مركز ولاية تضمّ ثلث سوريّة الحاليّة. في القرن الثامن عشر يذكر عبد الغني النابلسي في رحلته أمجاد العمران الطرابلسيّ. ذهب القوميّون الطرابلسيّون الذين كانوا يحمّلون سايكس – بيكو المسؤوليّة عمّا أصاب اجتماعنا الثقافيّ والإنسانيّ.
إقرأ أيضاً: طرابلس تبحث عن مُغيث
هل تعرفون مَنْ ذكّرنا بذلك أخيراً؟ المبعوث الأميركي توم بارّاك!
لمتابعة الكاتب على X:
