تمرّ إحدى وعشرون سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا يزال ذلك اليوم من شباط 2005 يبدو كأنّه اللحظة الفاصلة التي انكسر عندها إيقاع لبنان القديم، ودخل البلد في زمنٍ جديد من الاضطراب السياسيّ والتحوّلات الإقليميّة العميقة. لم يكن الاغتيال حدثاً أمنيّاً عاديّاً في بلدٍ اعتاد الاغتيالات، بل كان زلزالاً سياسيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً أطاح بتوازناتٍ استقرّت منذ نهاية الحرب الأهليّة، وفتح الباب أمام مرحلةٍ طويلةٍ من الاستقطاب والانقسام.
في ذلك اليوم، لم يُقتل رجلٌ فحسب، بل سقط نموذجٌ كاملٌ في الحكم والاقتصاد والسياسة. كان الحريري يمثّل فكرةً عن لبنان: بلد إعادة الإعمار، الانفتاح العربيّ والدوليّ، والاقتصاد القائم على الخدمات والمال والتعليم. بدا اغتياله كأنّه إعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى، أكثر قسوة وغموضاً.
مشروع الإعمار: بين الحلم والانتقاد
منذ دخوله الحياة السياسيّة بعد اتّفاق الطائف، ارتبط اسم رفيق الحريري بمشروع إعادة بناء الدولة اللبنانيّة، ماديّاً ومؤسّساتيّاً. أعاد وسط بيروت إلى الحياة، أطلق مشاريع بنى تحتيّة وتعليميّة، وسعى إلى تثبيت صورة لبنان كعاصمة ماليّة وسياحيّة في الشرق الأوسط. بالنسبة لكثيرين، كان الرجل تجسيداً لفكرة النهوض بعد الحرب، وللقدرة على تحويل الخراب إلى ورشة عمل مفتوحة.
لكنّ هذا المشروع لم يكن خالياً من الجدل، فسياسات الاستدانة ونموذج الاقتصاد الريعيّ وتضخّم القطاع المصرفيّ، كلّها ملفّات ارتبطت باسمه، وأصبحت لاحقاً جزءاً من النقاش في أسباب الانهيار الماليّ الذي انفجر بعد عام 2019. هكذا تحوّل إرث الحريري الاقتصاديّ إلى ساحةٍ مزدوجة: بين من يراه مهندس إعادة الإعمار، ومن يعتبره أحد الآباء المؤسّسين للنموذج الذي انهار.
غير أنّ القراءة المتأنّية لتلك المرحلة تُظهر أنّ الحريري لم يكن يعمل في فراغ، بل في نظام سياسيّ مركّب، تحكمه توازنات داخليّة وإقليميّة، وتفرض عليه تنازلات وتسويات. فالدولة التي حاول بناءها كانت محكومة بشبكة من المصالح الطائفيّة والسياسيّة، وهو ما جعل مشروعه أقرب إلى إدارة التوازنات منه إلى تنفيذ رؤية اقتصاديّة صافية.
ليست الذكرى الحادية والعشرون لاغتيال رفيق الحريري مناسبة لاستعادة سيرة رجلٍ أو لتجديد خطابٍ سياسيّ وحسب. إنّها لحظة تأمّل في مسار بلدٍ بأكمله
الرجل الذي أعاد لبنان إلى الخريطة العربيّة والدّوليّة
كان أحد أبرز أدوار رفيق الحريري إعادة وصل لبنان بمحيطه العربيّ والدوليّ. بفضل علاقاته الخليجيّة والدوليّة، عاد لبنان إلى واجهة الاهتمام، واستعاد موقعه كمحطّة للاستثمار والسياحة والتعليم. لم يكن هذا الدور اقتصاديّاً فحسب، بل سياسيّ أيضاً، إذ شكّل الحريري جسراً بين بيروت والعواصم المؤثّرة، وخصوصاً الرياض وباريس وواشنطن.
في التسعينيّات، بدا أنّ لبنان يستعيد شيئاً من صورته القديمة: بلد المؤتمرات والجامعات والمصارف والسياحة. كان الحريري يقدّم نفسه بوصفه رجل الدولة القادر على ترجمة الاستقرار السياسيّ إلى ازدهار اقتصاديّ، وعلى جعل بيروت مركزاً للحياة العربيّة والدوليّة.
لكنّ هذا الدور نفسه جعله هدفاً في لعبة التوازنات الإقليميّة. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافيّ والسياسيّ، كان دائماً ساحةً لتقاطع النفوذ، والحريري لم يكن رئيس حكومة وحسب، بل كان رمزاً لمشروع سياسيّ واقتصاديّ يتجاوز الحدود اللبنانيّة. لم يكن اغتياله، بهذا المعنى، جريمة داخليّة فقط، بل حدث إقليميّ بامتياز.
من لحظة الاغتيال إلى زمن الانقسام
بعد الاغتيال، خرج مئات آلاف اللبنانيّين إلى الشوارع، في واحدة من أكبر التظاهرات في تاريخ البلاد. تشكّلت مرحلة سياسيّة جديدة، عنوانها الاستقطاب الحادّ بين معسكرين، وانتهى الوجود العسكريّ السوريّ في لبنان لتبدأ مرحلة طويلة من الصراع الداخليّ والتوتّرات الإقليميّة.
غير أنّ السنوات التي تلت أظهرت أنّ لحظة الوحدة الوطنيّة التي رافقت التظاهرات سرعان ما تحوّلت إلى انقسام عميق. تحوّل اغتيال الحريري من حدثٍ جامعٍ إلى رمزٍ تستخدمه القوى السياسيّة في صراعاتها اليوميّة. دخل لبنان في دوّامة من الأزمات: حكومات متعاقبة، اغتيالات أخرى، حروب داخليّة وخارجيّة، وصولاً إلى الانهيار الاقتصاديّ الكبير.
في هذا السياق، بدا أنّ غياب الحريري لم يترك فراغاً شخصيّاً فقط، بل فراغ في فكرة الدولة نفسها. كان الرجل يمثّل، بالنسبة لكثيرين، فكرة التسوية والبراغماتيّة السياسيّة والقدرة على تدوير الزوايا. بعد رحيله، بدا أنّ لبنان فقدَ أحد آخر رجال التسويات الكبرى.
قد يختلف اللبنانيّون على إرث الحريري، لكنّهم يتّفقون، في العمق، على أنّ اغتياله كان لحظة كسرٍ تاريخيّة
الذّاكرة السّياسيّة بين الحنين والمراجعة
بعد واحدٍ وعشرين عاماً، لا يزال اسم رفيق الحريري يثير مشاعر متناقضة. بالنسبة إلى أنصاره، هو رمز الدولة والإعمار والاعتدال والانفتاح. وبالنسبة إلى منتقديه، هو أحد مهندسي النظام الاقتصاديّ الذي انتهى إلى الانهيار. بين هذين التصوّرين، تقف الذاكرة اللبنانيّة محمّلةً بالحنين من جهة، وبالرغبة في المراجعة من جهة أخرى.
في السنوات الأخيرة، ومع تفاقم الأزمة الاقتصاديّة، بدأ الخطاب حول “الحريريّة السياسيّة” يتغيّر. لم يعد الرجل رمزاً وطنيّاً وحسب، بل أصبح جزءاً من نقاشٍ أوسع في طبيعة النظام اللبنانيّ والخيارات الاقتصاديّة التي اعتمدها منذ التسعينيّات. لا يعني هذا التحوّل سقوط رمزيّة الحريري، بل يدلّ على نضوجٍ نسبيٍّ في النقاش العامّ، حيث لم يعد التاريخ السياسيّ حكراً على الشعارات.
بعيداً عن الحسابات الاقتصاديّة والسياسيّة، تحوّل رفيق الحريري إلى رمزٍ ثقافيّ في الوعي اللبنانيّ. صورته وخطاباته ومشاريع الإعمار، كلّها أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعيّة لمرحلةٍ كاملة. بالنسبة إلى جيل التسعينيّات، كان الحريري هو الوجه السياسيّ الوحيد المرتبط بفكرة المستقبل، العمل، الجامعة، السفر، والحلم الفرديّ.
يفسّر هذا البعد الثقافيّ لماذا بقيت ذكراه حيّة على الرغم من كلّ الانتقادات التي وُجّهت إلى سياساته. فالحريري لم يكن رئيس حكومة وحسب، بل كان رمزاً لمرحلةٍ كاملةٍ من الأمل، حتّى لو تبيّن لاحقاً أنّ ذلك الأمل كان هشّاً أو مبالغاً فيه.
لبنان بعد الحريري: من زمن الإعمار إلى زمن الانهيار
إذا كان اغتيال الحريري قد شكّل بداية مرحلةٍ جديدة، فإنّ ما تلا ذلك من أحداث يبيّن أنّ لبنان دخل في مسارٍ طويلٍ من التراجع. من حرب تمّوز 2006 إلى الانقسامات السياسيّة، إلى الشلل المؤسّساتيّ، ثمّ إلى الانهيار الماليّ، وصولاً إلى “حرب إسناد غزّة”، تبدو السنوات التي تلت الاغتيال كأنّها رحلة متواصلة نحو الأسفل.
في هذا السياق، يعود اسم الحريري في الخطاب العامّ بوصفه رمزاً لمرحلةٍ أقلّ قسوة. ليست بالضرورة مرحلة مثاليّة، لكنّها على الأقلّ كانت مرحلة استقرار نسبيّ، مؤسّسات عاملة، واقتصاد قابل للحياة. أصبحت المقارنة بين زمن الحريري وزمن الانهيار الحاليّ جزءاً من الوعي الجماعيّ، حتّى لدى بعض من كانوا ينتقدون سياساته في السابق.
إقرأ أيضاً: أثقل النعوش فوق أكتاف ترتجف
ذكرى تتجاوز الشّخص إلى فكرة الدّولة
ليست الذكرى الحادية والعشرون لاغتيال رفيق الحريري مناسبة لاستعادة سيرة رجلٍ أو لتجديد خطابٍ سياسيّ وحسب. إنّها لحظة تأمّل في مسار بلدٍ بأكمله: من مشروع الإعمار إلى واقع الانهيار، ومن التسويات الكبرى إلى الفراغ السياسيّ.
قد يختلف اللبنانيّون على إرث الحريري، لكنّهم يتّفقون، في العمق، على أنّ اغتياله كان لحظة كسرٍ تاريخيّة. منذ ذلك اليوم، لم يعد لبنان كما كان. لم تعد السياسة كما كانت، ولا الاقتصاد، ولا حتّى الأمل بالمستقبل.
بعد واحدٍ وعشرين عاماً، يبقى السؤال مفتوحاً: هل كان اغتيال الحريري نهاية مرحلة فقط أم بداية انهيار طويل؟ لا تزال الإجابة تتشكّل في يوميّات اللبنانيّين، وفي قدرتهم على إعادة بناء فكرة الدولة التي كان الرجل يحاول، بطريقته الخاصّة، أن يرسّخها.
لمتابعة الكاتب على X:
