تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان والتصعيد التي مرّ بها الإقليم في مراحل أخرى.
لم يُخفِ الرئيس دونالد ترامب وأركان إدارته الحرص على حسم الأمور جذريّاً في الملفّ الإيرانيّ، بما يعني تغيّر استراتيجية المواجهة مع إيران التي بدأت منذ انتصار الثورة الخمينيّة عام 1979.
لقد قامت تلك الاستراتيجية خلال قرابة خمسة عقود على ثلاث قواعد أساسيّة لم تتبدّل مع اختلاف أنظمة الحكم في واشنطن، وهي:
- أوّلاً: الحصار الاستراتيجيّ والاقتصاديّ لإنهاك النظام وإضعافه واحتوائه، دون البحث بالضرورة عن تغييره في بنائه الأيديولوجيّ وتركيبته السياسيّة.
- ثانياً: عزل النظام في بيئته الإقليميّة الشرق الأوسطيّة، بالحيلولة دون تمدّده إلى الجوار العربيّ وإفشال سياسة “تصدير الثورة” إلى المنطقة.
- ثالثاً: الحيلولة دون تحوّل إيران إلى قوّة نوويّة قادرة على تقويض التوازنات العسكريّة والجيوسياسيّة في الساحة الشرق الأوسطيّة.
تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق
أميركا فتحت باب العراق؟
في ثمانينيّات القرن الماضي، ارتكزت الاستراتيجية الأميركيّة على دعم العراق في عهد الرئيس الأسبق صدّام حسين، الذي شنّ حرباً طويلة على إيران انتهت بهزيمتها سنة 1988. لقد كانت هزيمة إيران في آخر عهد الإمام الخميني تعبيراً صريحاً عن فشل مشروع تصدير الثورة إلى العالم العربيّ، وقد خرج النظام الحاكم في طهران من المعركة خائر القوى، ضعيف التأثير، منغلقاً على أوضاعه الداخليّة المتأزّمة.
بيد أنّ الحرب الأميركيّة عام 2003 فتحت الباب للتمدّد الإيرانيّ إلى العراق، الذي أصبح “الجمهوريّة الإسلاميّة” الثانية من حيث تأثير المرجعية الدينيّة وتحكّم الميليشيات الطائفيّة. ومن هنا ندرك كيف هيمنت إيران كلّيّاً على الاقتصاد العراقيّ، وعلى الحقل السياسيّ، ومن البوّابة العراقيّة نفذت إلى باقي دول المنطقة.
هكذا تسنّى لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوريّ قاسم سليماني ولمسؤولين إيرانيّين القول إنّ طهران غدت تسيطر على أربع عواصم في المنطقة، من بينها بغداد ودمشق وصنعاء.
في عهد الرئيس الأسبق أوباما، نشط اللوبي الإيرانيّ في الولايات المتّحدة، وطرح فكرة إعادة احتواء إيران في المنظور الأميركيّ للشرق الأوسط مع منحها حقّ الحفاظ على طبيعة نظامها السياسيّ الخاصّ. لقد استندت تلك المقاربة إلى ثلاثة مسوّغات هي:
1- الوقوف ضدّ “الراديكاليّة السنّيّة” التي تغذّي الإرهاب الموجّه ضدّ الغرب.
2- الحاجة إلى دولة قويّة قادرة على تحقيق الاستقرار المنشود في الإقليم.
3- تشجيع النظام الحاكم في طهران على سلوك منحى الاعتدال والسلم في سياسته الشرق الأوسطيّة.
بيد أنّ هذا الانفتاح الأميركيّ، الذي تجسّد بوضوح في الاتّفاق النوويّ مع إيران الموقّع في 14 تمّوز 2015، لم يحُل دون تزايد السياسات العدوانيّة الإيرانيّة التي بلغت مداها في سيطرة الميليشيات الحوثيّة على شمال اليمن، وتشكيل “الحشد الشعبيّ” في العراق، والتدخّل المباشر في سوريا إلى جانب نظام الأسد، علاوة على تغوّل “الحزب” اللبنانيّ في مختلف منافذ الحياة السياسيّة والعسكريّة.
في هذه الفترة التي كسبت فيها إيران “هدنة استراتيجيّة” استثنائيّة، نجحت في إعادة التموضع الجيوسياسيّ على الساحة الدوليّة من خلال توطيد التحالف مع عدد من القوى العالميّة الصاعدة مثل روسيا والصين، ومع كتلة الجنوب الشامل، واستطاعت تنشيط مشروعها الأيديولوجيّ في السياق الإقليميّ، مستفيدة من حالة الدمار التي نجمت عمّا سُمّي بالربيع العربيّ.
مع وصول الرئيس ترامب إلى السلطة، عادت الإدارة الأميركيّة إلى هدفها الأصليّ الذي هو تطويق إيران وعزلها عن مجالها الإقليميّ وتقويض قدراتها الجيوسياسيّة الدوليّة، لكن من منظور جديد يتمثّل في حصر الخيار الإيرانيّ بين الدخول في دائرة النفوذ الأميركيّ، مع ما يقتضيه هذا المسلك من التخلّي عن أدوات القوّة العسكريّة والتأثير السياسيّ والاستراتيجيّ، وبين الدخول في مواجهة عسكريّة حاسمة مع القوّات الأميركيّة تفضي إلى قلب الأوضاع جذريّاً في مرحلة يعاني فيها النظام من التفكّك الداخليّ والانهيار المجتمعيّ. لقد أطلق بعض الباحثين على المقاربة الأميركيّة الجديدة عبارة “الضغط الأقصى” لجلب “التنازلات القصوى” دون الحاجة إلى الاستخدام العمليّ للقوّة الضاربة.
في الأيّام الأخيرة، لوّح عدد من المسؤولين الإيرانيّين بالاستعداد لدفع الثمن المطلوب من أجل تجنّب المواجهة العسكريّة مع الولايات المتّحدة
نهاية النّظام الثّوريّ؟
في مقال أخير عن الصراع الأميركيّ – الإيرانيّ الحاليّ، تبيّن الباحثة الإيرانيّة المقيمة بلندن صنم وكيل (الغارديان، 2 شباط 2026) أنّ إيران تواجه اليوم تحدّياً استراتيجيّاً غير مسبوق يتمثّل في تضافر أزمة الشرعيّة الداخليّة المتآكلة الناتجة عن الانهيار الاقتصاديّ والفساد وتنامي حركة التمرّد الشعبيّ، مع التهديد الخارجيّ الساعي إلى فرض حلّ شامل ونهائيّ بالشروط الأميركيّة المعلنة.
حسب وكيل، تتأرجح السيناريوات المستقبليّة بين توافق مفروض تتخلّى من خلاله إيران عن برنامجها النوويّ وتقبل الحدّ من قوّتها الصاروخيّة، وهو ما له ثمن سياسيّ مرتفع، وبين حرب مضبوطة تستهدف البنى التحتيّة العسكريّة، مع ما قد يفضي إليه هذا المشهد من آثار إقليميّة خطِرة وانهيار النظام داخليّاً نتيجة اقتران الهزّات الداخليّة بالضغط الخارجيّ.
تخلص وكيل إلى أنّ الآليّات التي كان النظام يلجأ إليها من قبل لاحتواء التصعيد لم تعُد فاعلة، مثل الوساطات الأوروبيّة والتدخّل الروسيّ والصينيّ، ومن ثمّ لا مناصّ من مواجهة الخطر المقبل.
في ضوء ملاحظات صنم وكيل، يمكن القول إنّ إيران لم يعد أيضاً بمقدورها الاعتماد على أذرعها الإقليميّة، سواء تعلّق الأمر بـ”الحزب” اللبنانيّ الذي فقد الجانب الأوفر من قوّته العسكريّة، أو الميليشيات الحوثيّة الغارقة في المستنقع اليمنيّ، أو جماعات “الحشد الشعبيّ” العراقيّة المنخرطة في صراعات السلطة المحتدمة. أمّا سوريا، بعد التغيير الأخير، فقد خرجت نهائيّاً من دائرة النفوذ الإيرانيّ، ولم تعد حليفاً لنظام طهران.
في الأيّام الأخيرة، لوّح عدد من المسؤولين الإيرانيّين بالاستعداد لدفع الثمن المطلوب من أجل تجنّب المواجهة العسكريّة مع الولايات المتّحدة، بل إنّ بعض الأطراف القريبة من المفاوضات الجارية بين البلدين أكّدت أنّ طهران قد تقبل التضحية كليّاً ببرنامجها النوويّ، وقد توفّر إغراءات اقتصاديّة للطرف الأميركيّ مقابل رفع العقوبات المسلّطة عليها.
ما تعكسه هذه المؤشّرات هو وعي النظام الإيرانيّ بوضوح أنّ النموذج الثوريّ “الإسلاميّ” غدا مهدّداً في العمق، وبالتالي المطلوب هو إنقاذ آخر حصن من حصون النظام قبل فوات الأوان.
إقرأ أيضاً: ترامب بين نتنياهو وطهران: دبلوماسيّة على حافة الحرب
غير أنّ السؤال المطروح هو: إلى أيّ حدّ يمكن أن يستمرّ النظام مع انهيار أدوات القوّة والتأثير التي تأسّس عليها منذ قيامه سنة 1979؟ غنيّ عن البيان أنّ القوّة الناعمة لولاية الفقيه تقلّصت إلى أبعد مدى حتّى في الوسط الشيعيّ في المنطقة، ولم يعد الخطاب الثوريّ قادراً على استقطاب قاعدة أيديولوجيّة مكينة في الإقليم، ويعاني مشروعه العسكريّ الاستراتيجيّ اليوم من تحدّيات نوعيّة غير مسبوقة.
طالبت بعض الأصوات السياسيّة الإيرانيّة بالرجوع إلى العقيدة القوميّة التقليديّة للدولة، من حيث هي محور المجال الآسيويّ بأضلاعه الغربيّة والوسطى، والجسر الرابط بين العوالم العربيّة والتركيّة والروسيّة، وقاعدة النفوذ الغربيّ الأساسيّة في الشرق الأوسط.
بيد أنّ هذا الرجوع يعني نهاية النظام الثوريّ “الإسلاميّ” الذي بلورته الثورة الخمينيّة، والعودة إلى منطق النظام الشاهنشاهيّ الذي انقلبت عليه.
