إسرائيل تدُقّ المسمار الأخير في نعش أوسلو..

مدة القراءة 7 د

تُمثّل قرارات المجلس الوزاريّ الإسرائيليّ المصغّر للشؤون السياسيّة والأمنيّة (الكابينت)، التي أُقرّت يوم الأحد 8 شباط، إعلاناً سياسيّاً لانتقال المشروع الصهيونيّ في الضفّة الغربيّة من مرحلة “إدارة الاحتلال” إلى فرض السيادة المباشرة بحكم الأمر الواقع، بما يعني عمليّاً تشييع ما بقي من اتّفاق أوسلو، وإغلاق الباب نهائيّاً أمام أيّ وهم لتسوية سياسيّة أو دولة فلسطينيّة مستقلّة.

 

يمكن لمس خطورة هذه القرارات من توصيف مجلس مستوطنات الضفّة الغربيّة لها بأنّها “الأهمّ منذ 58 عاماً” لأنّها تمثّل لحظة مفصليّة لترسيخ “السيادة الإسرائيليّة” على الأرض الفلسطينيّة حين أعلن المجلس أنّ “أرض إسرائيل تعود إلى الشعب اليهوديّ”.

تمهيد لاحتلال الضّفّة؟

القرارات التي اتّخذها الكابينت من شأنها إعادة هندسة المشهد القانونيّ والإداريّ والجغرافيّ في الضفّة الغربيّة عبر ثلاثة محاور مركزيّة هي:

– يتمثّل المحور الأوّل في تفكيك منظومة حماية الملكية الفلسطينيّة عبر إلغاء القانون الأردنيّ الذي كان سارياً في الضفّة الغربيّة منذ ما قبل عام 1967، والذي يمنع بيع أو شراء الأراضي لغير العرب إلّا بقرار من مجلس الوزراء الأردنيّ. استمرّ هذا القانون حتّى بعد احتلال الضفّة الغربيّة، وكان يشكّل أحد آخر الحواجز القانونيّة أمام تغوّل الاستيطان، وبالتالي يفتح إلغاؤه الكامل البابَ أمام التملّك الفرديّ للمستوطنين دون أيّ قيود إجرائيّة، ودون الحاجة إلى تسجيل شركات أو الحصول على “تصريح صفقة”، وجرى رفع السرّيّة عن سجلّات الأراضي، بما يتيح الاطّلاع العلنيّ على أسماء مالكيها والتواصل المباشر معهم.

– يتمثّل المحور الثاني في نقل صلاحيّات التخطيط والبناء في مناطق شديدة الحساسيّة، وعلى رأسها مدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيميّ، من بلديّة الخليل الفلسطينيّة إلى ما يُسمّى “الإدارة المدنيّة” التابعة لجيش الاحتلال، ونقل مجمّع قبر “راحيل” في بيت لحم إلى إدارة إسرائيليّة خاصّة، وفصله إداريّاً عن بلديّة بيت لحم، بما يكرّس ضمّاً فعليّاً لهذه المواقع.

أطلق الرئيس عبّاس تصريحات دعا فيها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى لجم إسرائيل، وإعادة التأكيد على وقف سياسات التهجير والضمّ

– يتمثّل المحور الثالث في توسيع صلاحيّات الرقابة والإنفاذ الإسرائيليّ لتشمل مناطق “أ” و”ب”، التي يُفترض أنّها خاضعة لإدارة السلطة الفلسطينيّة بموجب اتّفاقيّات أوسلو، وهو ما يمنح الاحتلال صلاحيّة تنفيذ عمليّات هدم ومصادرة بذريعة حماية “التراث، البيئة، أو المياه”، وهي تعريفات فضفاضة قابلة لتفسيرات واسعة تسمح بالتدخّل الإسرائيليّ في أيّ مشروع بناء أو تطوير فلسطينيّ تقريباً.

وصف خبير الخرائط والاستيطان خليل التفكجي هذه القرارات بأنّها “المسمار الأخير في نعش اتّفاق أوسلو”، مؤكّداً في حديث لـ”أساس” أنّ هذه القرارات تمثّل انتقالاً كاملاً نحو إعادة احتلال الضفّة الغربيّة وفرض السيادة الإسرائيليّة الشاملة عليها. وأوضح أنّ ما جرى هو سحب شامل للصلاحيّات الأثريّة والبيئيّة والمائيّة والتخطيطيّة من السلطة الفلسطينيّة، وقوننة سحب الإطار الكامل لما عُرف بمناطق “أوسلو 2″، بما ينهي فعليّاً أيّ دور فلسطينيّ فيها.

إسرائيل

أشار التفكجي إلى أنّ الاستيطان بات يتمدّد إلى كلّ مركز من مراكز مدينة الخليل، بالتوازي مع سحب الصلاحيّات من الأوقاف الإسلاميّة في الحرم الإبراهيميّ، مؤكّداً أنّ الاتّفاقيّات انتهت عمليّاً، وإسرائيل أعادت احتلال الخليل بشكل كامل، دون أن يسري أيّ قانون أردنيّ أو فلسطينيّ، في مسار يُضاف إلى ما جرى سابقاً في منطقة بيت لحم – قبر “راحيل”، وبيّن أنّ إلغاء القانون الأردنيّ يتيح للإسرائيليّين بيع وشراء الأراضي دون أيّ قيود، بحيث بات بإمكان المستوطن وشراء الأراضي.

موقف فلسطينيّ ضعيف

أكّد التفكجي أنّ هذه القرارات تعني إعادة احتلال فعليّة لمناطق “أ” و”ب”، وستترافق مع هدم واسع للمنازل والسيطرة على المواقع الأثريّة، وهو ما سيجعل السلطة الفلسطينيّة تتحوّل عمليّاً إلى “رئاسة بلديّة” بلا سيادة أو سلطة، تقتصر مهمّتها على تقديم خدمات بسيطة كجمع النفايات، دون أيّ حكم أو تحكّم حقيقيّ بالأرض.

على الرغم من عدم إعلان إسرائيل رسميّاً ضمّ الضفّة، ستسرّعه هذه القرارات عمليّاً، وستفتح الباب أمام إقامة بؤر استيطانيّة في قلب التجمّعات الفلسطينيّة

على الرغم من عدم إعلان إسرائيل رسميّاً ضمّ الضفّة، ستسرّعه هذه القرارات عمليّاً، وستفتح الباب أمام إقامة بؤر استيطانيّة في قلب التجمّعات الفلسطينيّة، بذريعة الادّعاءات التاريخيّة والدينيّة في مدن ومواقع مثل نابلس وبيت لحم وأريحا وسبسطية وكفل حارس، مقابل تقييد البناء الفلسطينيّ حتّى داخل مناطق السلطة، التي ستتحوّل هويّتها مع الوقت إلى مساحة سياديّة خالصة يجري إخضاعها تدريجاً بكلّ الأدوات الأمنيّة والديمغرافيّة.

في مقابل ذلك، بدا الموقف الفلسطينيّ الرسميّ عاجزاً عن الارتقاء إلى مستوى الحدث، مكتفياً بسقف تقليديّ من الإدانة والشجب، دون الانتقال إلى أيّ خطوات سياسيّة أو ميدانيّة قادرة على كبح النهم الإسرائيليّ أو فرض كلفة فعليّة عليه، وهو ما يعكس مرّة أخرى أزمة سياسة السلطة واستراتيجيتها في التعامل مع السياسة الإسرائيليّة التي لم تعد تخفي نيّتها حسم الصراع على الأرض بالقانون والوقائع.

على وقع الموقف الرسميّ للسلطة الفلسطينيّة، المتمثّل ببيان إدانة واستنكار الخطوات الإسرائيليّة، طار الرئيس عبّاس إلى عمّان لعقد لقاء مع الملك الأردنيّ، في سياق تنسيقيّ تقليديّ، لم تُرفق به إجراءات عمليّة أو سياسيّة جديدة، بل أعاد إنتاج المشهد ذاته القائم على التحرّك الدبلوماسيّ المحدود، والرهان على “الإرادة الدوليّة” في لجم إسرائيل، على الرغم من أنّ التجربة الممتدّة على مدار سنوات طويلة أثبتت أنّ هذه الإرادة لم تستطِع أو لم ترغب في وقف الاستيطان أو الضمّ الزاحف، ولا في محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها المتواصلة.

إسرائيل أعادت احتلال الخليل بشكل كامل، دون أن يسري أيّ قانون أردنيّ أو فلسطينيّ، ف

أطلق الرئيس عبّاس تصريحات دعا فيها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى لجم إسرائيل، وإعادة التأكيد على وقف سياسات التهجير والضمّ، في إشارة إلى التعهّدات التي التزمتها الإدارة الأميركيّة في أيلول الماضي، خلال بحث خطّة الرئيس ترامب مع قادة الدول العربيّة والإسلاميّة في نيويورك. غير أنّ هذه الدعوات عكست استمرار التعويل الفلسطينيّ على الضمانات الأميركيّة ذاتها، على الرغم من اتّساع الفجوة بين التعهّدات السياسيّة والسلوك الفعليّ على الأرض. وجدّد عبّاس دعواته للعرب والأوروبيّين والمجتمع الدوليّ إلى التحرّك، وهو موقف بات نمطيّاً ومتكرّراً يتجدّد مع كلّ قرار إسرائيليّ مفصليّ، دون أن يُترجم إلى تحوّلات ملموسة في ميزان القوى أو في قواعد الاشتباك السياسيّ مع الاحتلال، وهو ما يعمّق الانطباع بأنّ القيادة الفلسطينيّة لا تزال أسيرة أدوات تقليديّة لم تعد قادرة على مواجهة مشروع الضمّ الزاحف.

في المقابل، قال نائب الرئيس حسين الشيخ إنّ القيادة الفلسطينيّة طالبت جميع المؤسّسات المدنيّة والأمنيّة بعدم التعامل مع الإجراءات الاحتلاليّة، والتزام القوانين الفلسطينيّة والاتّفاقيّات الموقّعة، داعياً الشعب الفلسطيني إلى رفض القوانين الاحتلاليّة.

مواضيع ذات صلة

هل يصمد مجلس التّعاون بعد سقوط مبرّر وجوده التأسيسي؟

لم يتأسس مجلس التّعاون لدول الخليج العربية عام 1981 كمشروع اندماجٍ اقتصادي على النمط الأوروبي، بل كآلية ردعٍ جماعي في ظل صدمة الثورة الإيرانية واحتدام…

جيفري إبستين…. الجثّة دُفنت و”بريده” ما يزال يعمل؟

لا تقتصر سيرة جيفري إبستين على رجل ثريّ متّهم بجرائم خطيرة، يُنهي حياته في العاشر من آب عام 2019 قبل المُحاكمة. فقد حصل كشف لوثائق…

من القاهرة إلى أنقرة: إعادة هندسة التّوازنات

شكّل إبرام اتّفاق تعاون دفاعيّ بين أنقرة والقاهرة مفاجأة أقلقت إسرائيل التي تخشى من “تعاظم قوّة الجيش المصريّ”، ومن أن تؤدّي هذه الخطوة إلى مسار…

انتخابات 2026: “الحزب” يستفتي طائفته على سلاحه

بعد دعوة الهيئات الناخبة وفتح باب الترشّح وإمهال المرشّحين مهلة قصوى للانضواء في لوائح وإطلاق الأحزاب ماكيناتها، غدت انتخابات 2026 في أيّار على الأبواب كأنّها…