كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد في هزيمته، وتدعم الاتّفاق بين الحكومة السوريّة و”قسد”، وتدفع باتّجاه التمسّك بالحلّ السياسيّ بين الطرفين، في محاولة لترسيخ موقعها داخل معادلة إقليميّة شديدة التعقيد.
يأتي هذا التحرّك في ظلّ حضور أميركيّ وعربيّ وتركيّ واسع في سوريا، وهو ما يثير مخاوف فرنسا من فقدان دورها الإقليميّ بعد تراجع تأثيرها في لبنان. لذلك تلوّح باريس تارةً بالإفراج عن بعض أصول رفعت الأسد، وتشير تارةً أخرى إلى عزم الرئيس إيمانويل ماكرون التوجّه إلى دمشق على رأس وفد اقتصاديّ كبير لإبرام عقود واستثمارات، في مؤشّر إلى رغبتها في ربط الحضور السياسيّ بفرص اقتصاديّة طويلة الأمد.
كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد في هزيمته
ملفّ المقاتلين: هاجس أمنيّ وذاكرة مفتوحة
قبل الاقتصاد، يتصدّر ملفّ المقاتلين الفرنسيّين المنتمين إلى تنظيم داعش أولويّات صُنّاع القرار. فإلى جانب المحتجَزين في سجون العراق وسوريا، يقيم آخرون في “مخيّم الفرنسيّين” شمال سوريا قرب الشريط الحدوديّ مع تركيا، بينما انخرط بعضهم عمليّاً في الجيش السوريّ الجديد. ويُثقل هذا الملفّ الذاكرة الجماعيّة الفرنسيّة، إذ شكّلت هجمات باريس عام 2015 نقطة تحوّل كبرى في الأمن الأوروبيّ بعد استهداف مقرّ “شارلي إيبدو” والهجمات المنسّقة التي ضربت مسرح “باتاكلان” ومقاهي واستاد فرنسا، مخلّفةً 130 قتيلاً. ومنذ ذلك الحين، ترسّخت قناعة بأنّ تهديدات الشرق الأوسط قادرة على الوصول إلى قلب أوروبا في أيّ لحظة.
ضمن هذا السياق، تحاول فرنسا الانتقال من موقع “الشريك في التحالف الدوليّ” إلى دور “الضامن السياسيّ والوسيط الميدانيّ” بين دمشق و”قسد”. وقد بدا ذلك واضحاً في الاتّصالات الرئاسيّة والتصريحات الدبلوماسيّة المتتالية. وتشير هذه المواقف إلى أنّ القائد العامّ لـ”قسد” مظلوم عبدي يرى في الاتّفاق مع الحكومة السوريّة فرصة لإنهاء نفوذ حزب العمّال الكردستانيّ والتحوّل من قائد عسكريّ إلى فاعل سياسيّ داخل دولة موحّدة، بما يعزّز منطق الاندماج الذي تدعمه باريس.
منع عودة التّطرّف إلى أوروبا
ينطلق هذا التوجّه من هاجس مركزيّ يتمثّل في منع عودة التطرّف إلى الداخل الأوروبيّ. فوجود نحو 47 فرنسيّاً متّهمين بالانتماء إلى “داعش” يجعل أيّ فوضى في مناطق “قسد” مرادفة لاحتمال هروب جماعيّ وإعادة تشكّل خلايا التنظيم، بما يعيد سيناريوات شبيهة بهجمات 2015. تخشى الدول الأوروبيّة أن يؤدّي أيّ تصعيد عسكريّ في الشمال الشرقيّ إلى موجة فوضى ولجوء جديدة، في وقت تتّجه سياسات اللجوء نحو مزيد من التشدّد.
لذلك تؤكّد باريس أنّ “مكافحة “داعش” أولويّة مطلقة”، وتسعى إلى ضمان إدارة ملفّ السجون والمخيّمات من دون ثغرات أمنيّة، خصوصاً مع نقل مئات المعتقلين من سوريا إلى العراق بإشراف عسكريّ أميركيّ، وهو ما يمثّل عامل ضغط ومصدراً للقلق في آن واحد. وقد حذّر بارو، قبل أيّام، من أنّ أيّ خلل في مرحلة دمج “قسد” يجب ألّا يتحوّل إلى تهديد أمنيّ جديد.
لا يعكس التحرّك الفرنسيّ في سوريا انخراطاً دبلوماسيّاً وحسب، بل محاولة لإعادة التموضع في شرقٍ يتغيّر بسرعة
جدل استعادة المقاتلين
غير أنّ التحدّي لا يقتصر على البعد الأمنيّ، إذ ترفض فرنسا الترحيل الجماعيّ للبالغين، مفضّلةً محاكمتهم محليّاً لتفادي مخاطر التطرّف داخل أوروبا، مع اعتماد سياسة “الحالة بحالة” لاستعادة الأطفال وبعض النساء. لكنّ تقارير التعذيب في السجون العراقيّة وضغوط المنظّمات الحقوقيّة تجعل هذا الخيار مكلفاً سياسيّاً، خاصّة مع استمرار العمل بعقوبة الإعدام في العراق وسوريا، وهو ما يضع صُنّاع القرار أمام معادلة معقّدة تدفعهم إلى إدارة الملفّ تدريجاً بدلاً من حسمه.
هنا يتجلّى البعد الاستراتيجيّ من خلال استخدام ملفّ المقاتلين لتثبيت الحضور السياسيّ، فالوساطة في اتّفاق دمج “قسد” تُطرح كخطوة لمنع كارثة إنسانيّة، لكنّها تعكس أيضاً محاولة لملء فراغ ناتج عن تراجع الاهتمام الأميركيّ أو تقلّبه. وبينما تبقى واشنطن ممسكة بمفاتيح أمنيّة حسّاسة، مثل السجون والترتيبات الميدانيّة وعمليّات النقل، تحاول باريس بناء نفوذ موازٍ عبر “الضمان السياسيّ” وعلاقاتها التاريخيّة مع الأكراد.
سوريا… فرصة استثمار
في المقابل، تنظر فرنسا إلى “سوريا الجديدة” كفرصة لإعادة التموضع من بوّابة الاستثمار وإعادة الإعمار، فالإشارات إلى زيارة محتملة لماكرون برفقة شركات كبرى ودراسة إعادة أملاك رفعت الأسد للسوريّين ضمن مسار التنمية تعكس انتقالاً تدريجيّاً من الوساطة الأمنيّة إلى مشروع نفوذ اقتصاديّ. وعمليّاً، يُوظَّف ملفّ المقاتلين لانتزاع ضمانات تتعلّق بحقوق الأقليّات ومحاسبة المتورّطين في أعمال العنف، مقابل دعم الانفتاح الدوليّ والمشاركة في إعادة الإعمار.
إقرأ أيضاً: بعيداً عن طاولة مسقط: مفاوضات سرّيّة بين أميركا وإيران؟
تزداد حساسيّة هذه المقاربة بفعل عاملين رئيسيَّين: أوّلهما التهميش الأميركيّ للدول الأوروبيّة المنضوية في التحالف ضدّ “داعش”، حيث لا تزال واشنطن تتحكّم بجزء كبير من مفاتيح الأمن والتوازنات، وهو ما يدفع فرنسا إلى البحث عن أدوات تأثير بديلة. أمّا الثاني فهو الارتدادات الإقليميّة، فتركيا ترحّب بدمج “قسد” ضمن مبدأ “دولة واحدة وجيش واحد”، لكنّها تتوجّس من “وصاية فرنسيّة” قد تمنح الأكراد خصوصيّة لا تشتهيها أنقرة.
في المحصّلة، لا يعكس التحرّك الفرنسيّ في سوريا انخراطاً دبلوماسيّاً وحسب، بل محاولة لإعادة التموضع في شرقٍ يتغيّر بسرعة. غير أنّ نجاح ذلك سيبقى مرهوناً بقدرة باريس على تحويل نفوذها الأمنيّ إلى حضور سياسيّ واقتصاديّ مستدام، من دون الاصطدام المباشر بالهيمنة الأميركيّة أو الانزلاق إلى تنافس إقليميّ مفتوح، فإمّا أن تثبت نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه، أو تكتشف أنّ طموحها أكبر من أدواتها وقدرتها.
