طهران الحائرة: ترامب يخدعنا والحرب حتمية

مدة القراءة 5 د

حين قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن اتفاق فيينا النووي لعام 2015 الذي دبّره سلفه باراك أوباما هو “أسوء اتفاق في التاريخ”، كانت إيران ملتزمة، بما فرضه ذلك “السوء”، بحدود قصوى لتخصيب اليورانيوم لا تتجاوز نسبة 3.67 بالمئة، وبحدّ أقصى لمخزون هذا التخصيب لا يتجاوز 300 كيلوغراما، ناهيك من مراقبة الوكالة الدولية للطاقة للذرية للمفاعلات وأنشطتها. وطالما أن ذلك كان سيئا، فمنطق الأمور أن لا يعود ترامب وأسطوله أدراجهما قبل أن يفرض على إيران الاتفاق “الجيد”. فما هو شكل الصفقة المحتملة؟

 

 

بعد أن انسحب ترامب من الاتفاق عام 2018، تحلّلت إيران شيئا فشيئًا من الاتفاق “السيء”، ورفعت معدل التخصيب إلى 20 بالمئة في مرحلة أولى، ثم إلى 60 بالمئة في مرحلة ثانية، فيما رفضت طهران توضيح سبب وجود آثار لتخصيب بنسية 83.7 بالمئة في أحد المفاعلات كانت رصدتها فرق مفتشي “الوكالة”، علما أن صناعة قنبلة نووية يحتاج إلى نسبة 90 بالمئة. وفيما لم يسمح “فيينا” لإيران إلا بتخزين 300 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بالنسبة المنخفضة، فإن واشنطن و “الوكالة” تطالب طهران بالكشف عن مصير أكثر من 400 كيلوغراما عالي التخصيب لسوقها إلى خارج الحدود.

حفظ ماء الوجه؟

بالمحصلة قادت “فتوى” ترامب (ومن كان في واشنطن وراء قرار إسقاط الاتفاق) إلى وصول إيران إلى “عتبة” القنبلة، بحيث بات الانتقال إلى صناعتها مسألة وقت وقرار. والواقع أن موقف ترامب إبّان ولايته الأولى لم يكن من بنات أفكاره، وهو القادم من عالم الأعمال والعقارات، بل قرارا اتّخذته مؤسسات أميركا، بعد الاستنتاج أن “عقيدة أوباما” أطلقت يدّ طهران لصناعة القنبلة وتطوير برنامج للصواريخ الباليستية، وأباحت لمنبر في طهران أن يعلن للعالم أجمع أن الجمهورية الإسلامية باتت تسيطر على 4 عواصم عربية. ودليل أن ترامب بريء من تلك الفعلة، أن أميركا التي أشارت عليه بها، هي نفسها التي نهت خليفته جو بايدن، رغم وعد انتخابي، بعدم العودة إلى ذلك الاتفاق المشؤوم.

قالت الهمهمات إن واشنطن قد تقبل التخلي عن مطلبها بمنع إيران من تخصيب اليورانيوم وتجريدها من كامل مخزونها من ذلك المعدن المشع من خلال السماح بتخصيب بنسبة أقل من 3 بالمئة لتحفظ طهران ماء الوجه

قبل أن يُعقد، الجمعة، لقاء الوفدين، الأميركي والإيراني، في دارة وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في مسقط، لوّحت طهران باحتمال قبولها بخفض نسبة التخصيب من مستواها الحالي، أي 60 بالمئة، إلى 20 بالمئة. قدم العرض الرجل المقرّب من المرشد، الجنرال علي شمخاني، طارحا الأمر بصفته منّةً إيرانية تتجاوز سقف اتفاق فيينا بأكثر من 5 أضعاف، وفوق ذلك مشروطة بمقابل أميركي سخي. لمّحت تسريبات أيضا إلى قبول طهران نقل مخزونها إلى كونستريوم إقليمي مقرّه طهران وربما عاصمة أخرى. وبدا في كل ما تعرّضه طهران اتجاه نحو قبولها بصيغة جديدة لا تعيدها إلى شروط “فيينا” وإكراهاته. ومع ذلك، وبعد محادثات مباشرة/غير مباشرة بين الوفدين دامت 8 ساعات، خرج ترامب يتحدث عن الإيجابية وتوق الإيرانيين إلى اتفاق.

قالت الهمهمات إن واشنطن قد تقبل التخلي عن مطلبها بمنع إيران من تخصيب اليورانيوم وتجريدها من كامل مخزونها من ذلك المعدن المشع من خلال السماح بتخصيب بنسبة أقل من 3 بالمئة لتحفظ طهران ماء الوجه. وإذا ما سيكون ترامب مسرورا من إعادة إيران إلى بنود الاتفاق “السيء”، فما الذي ستقدمه إيران لحفظ ماء وجه الرئيس في واشنطن. وقد يسأل سائل عما إذا كان ثمن زحف حاملة الطائرات الأحدث “أرمادا” أميركا إلى مياه المنطقة هو اتفاق جديد يجعل العالم يندم على قديمه.

المنطقة لم تعد تتسع لنظام طهران

تخشى إسرائيل هذا الاحتمال ويعجّل بنيامين نتنياهو في القفز إلى واشنطن لرفد ترامب بحفنة من ضغوط على طهران. تعرف طهران أن المطلوب أثمان غالية. ويدرك ترامب أن سمعته وسمعة بلاده كما سمعة حزبه في الانتخابات النصفية في الخريف المقبل يحتاجون إلى “إنجاز” فوق العادة. كما أن “الدولة العميقة” التي عبّر عنها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من خارج سياق أصدقاء الرئيس (ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، توك بارّاك، مسعد بولس وغيرهم) في صناعة القرار، ترى أن منطق الأمور يقود إلى أن تشمل أي مفاوضات برنامج الصواريخ الباليستية وعلاقة طهران مع أذرعها في المنطقة.

إقرأ أيضاً: إيران المحشورة بين الدّور والموقع: انكماش أم انكسار؟

في إيران من بدأ يعتبر أن ترامب المتفائل يشتري الوقت من أجل هدف لا رجعة عنه. هو نفسه أرفق قصيدة التفاؤل بالإعلان عن دفع مزيد من السفن والقوات إلى المنطقة وعن فرض عقوبات جديدة ضد إيران. حتى أن موافقة واشنطن بتلبية طلبات طهران في نقل المفاوضات من اسطنبول إلى مسقط والقبول عن رفضها حضور ممثلين لدول في المنطقة، بدت من الأعراض التي تقلق إيران ولا تطمئن طهران، وكأن كل ذلك تفصيل هامشي مقارنة بما هو مقبل.

يوحي ما استجد من موازين القوى في المنطقة أن زلزال “طوفان الأقصى” الذي تدحرج فارضًا خرائط وخططًا وطموحات لم يعد يتّسع لنظام في طهران لم يتخلَ عن أبجدياته بما يفضح شللاً خطيرًا وفقدان رشاقة في التأقلم مع نظام دولي ليست دول مثل روسيا والصين وأوروبا بعيدة عنه. ربما يتمنى ترامب صيغة فنزويلية تأتيه بالثمار من دون فلاحة كبرى، لكن ما تطّل به منابر طهران وما تعرضه قريحتها من عروض للخروج من المأزق، وربما ما خرج من 8 ساعات من “الدردشات” في مسقط قد يفسّر سرّ تدفق سفن أميركا وما تخطّطه بصمت في ظلال رئيس متفائل.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

بعيداً عن طاولة مسقط: مفاوضات سرّيّة بين أميركا وإيران؟

بات إنقاذ النظام المعيار الذي يتحكّم بالموقف الإيرانيّ حيال التفاوض. ما دون هذا الهدف “الأسمى” لدى القيادة قابل للبحث والأخذ والردّ بين طهران وواشنطن، حسب…

كسوة الكعبة عند إبستين: تناقض المقدّس مع اقتصاد النفوذ

لم تكن الصورة التي خرجت من وثائق وزارة العدل الأميركية مجرّد تفصيل غريب في أرشيف قضية مالية ـ جنسية معقّدة، بل كانت صدمة رمزية مكثّفة:…

إيران المحشورة بين الدّور والموقع: انكماش أم انكسار؟

تنحشر إيران تاريخيّاً بين الموقع والدور، فالهضبة الإيرانيّة حين تتوحّد تُقيم دولةً كبرى ثمّ إمبراطوريّة. لكن في العصر الحديث انكمشت وقامت فيها دولة وطنيّة. وجاء…

سلام قام بما عليه و”الثّنائيّ” لا يخشى الطعن بالانتخابات

تندرج الزيارة الجريئة التي قام بها رئيس الحكومة نوّاف سلام للقرى الحدوديّة الجنوبيّة ضمن جملة من الدلالات، أبرزها أنّ تعزيز حضور الدولة في تلك المناطق…