بات إنقاذ النظام المعيار الذي يتحكّم بالموقف الإيرانيّ حيال التفاوض. ما دون هذا الهدف “الأسمى” لدى القيادة قابل للبحث والأخذ والردّ بين طهران وواشنطن، حسب قول أوساط سياسيّة معنيّة لـ”أساس”. ترجّح هذه الأوساط أن تُقدِمَ طهران على التنازلات لحفظ النظام لأنّها أقلّ كلفة من الحرب التي تقوّض أسسه. يحتاج ذلك إلى رفع العقوبات كي تتمكّن من مواجهة انهيار اقتصاديّ يحرّك الانتفاضات الشعبيّة. تكمن الإشكاليّة في أنّ الإصرار على بحث الملفّ النوويّ لا يحقّق الغرض، فالعقوبات تشمل أربعة عناوين، النوويّ أحدها.
عند استجابة دونالد ترامب الأسبوع الماضي لوساطات تسع دول عربية وإسلامية في المنطقة من أجل عدم إلغاء المفاوضات مع إيران، إثر إصرارها على نقلها من أنقرة إلى عُمان، رفض الإجابة في 3 شباط عن سؤال صحافيّ عن مكان المفاوضات وقال: “لن أقول لك الآن”. وقبل أن يومئ بيده إلى الصحافيّ التالي ليطرح سؤاله، أردف بالقول: “إنّنا نجتمع بهم في أمكنة عدّة”.
“تفاوض خفيّ” موازٍ لمسار عُمان؟
كان ذلك إشارة إلى أنّ مفاوضات سرّيّة جرت وهيّأت للجلسة العلنيّة التي انعقدت الجمعة الماضي في عُمان، فليست المرّة الأولى التي يحصل فيها أمر من هذا القبيل، تحت مظلّة السقف العالي من المواقف الناريّة والتحشيد العسكريّ غير المسبوق. ولا شيء ينفي أن يكون “التفاوض الخفيّ” حاصلاً في مكان آخر غير مسقط. وحسب معطيات “أساس” من موسكو أنّ نقلها من أنقرة إلى مسقط لم يكن بطلب الجانب الإيرانيّ فقط، بل إنّ الجانب العربيّ بذل جهداً لترجيح ذلك. والهدف أن تبقى الدول العربيّة المعنيّة قريبة من فحواها ومطّلعة على مسارها، فهي لطالما طالبت أميركا بإشراكها في المفاوضات مع إيران.
تلمّس الخبراء بالشأن الإيرانيّ الجدّية عند القيادة الإيرانيّة لأنّ لعبة كسب الوقت لم تعد تجدي لسببين:
- قيام تنسيق وثيق بين المجلس الأعلى للأمن القوميّ بقيادة أمينه علي لاريجاني، الذي هو مستشار المرشد وممثّله في المجلس، وبين وزارة الخارجيّة المعنيّة مباشرة بالتفاوض، بقيادة عبّاس عراقجي.
- يقنع التيّار المتشدّد نفسه بأنّ التهديدات التي أطلقها علي خامنئي باستهداف إسرائيل والقواعد الأميركيّة في المنطقة، في حال هجوم عسكريّ أميركيّ، خلقت حالة “ردعيّة”. في اعتقاد رموز هذا التيّار أنّ الاستنفار العسكريّ الإيرانيّ والتلويح باستخدام الحلفاء في اليمن والعراق ولبنان دفعا دول الإقليم إلى تحذير واشنطن من أنّ بدء الحرب يفتقر إلى القدرة على ضبطها. إلى ذلك تخشى الدول المجاورة تلقّي ضربات صاروخيّة في المواجهة الواسعة.
بات إنقاذ النظام المعيار الذي يتحكّم بالموقف الإيرانيّ حيال التفاوض. ما دون هذا الهدف “الأسمى” لدى القيادة قابل للبحث والأخذ والردّ بين طهران وواشنطن
التّخبّط في طرح المقايضات
لم تحجب هذه الجدّيّة التخبّط الإيرانيّ في طرح المقايضات بين رفع العقوبات وبين المطالب الأميركيّة:
- قبل انعقاد جولة عُمان حاول عراقجي مقايضة ضمان عدم امتلاك طهران للسلاح النوويّ برفع العقوبات. كان قد استبق جولة عُمان الأولى بالتأكيد أنّ مطلب وقف التخصيب غير وارد، لكنّ موسكو كذّبت الأمر فوراً وأكّدت أنّه مطروح على الطاولة. كانت المعطيات السابقة على التوتّر العالي الراهن أشارت إلى أنّ المخرج بشأن أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة هو نقلها إلى روسيا. وجرى تداول مخرج لتصفير التخصيب يقضي بأن يتمّ في روسيا ويُنقل اليورانيوم المخصّب إلى المفاعلات الإيرانيّة لاستخدامه في توليد الطاقة، فموسكو تشرف على مفاعل نوويّ بنته لطهران، وتتهيّأ لبناء مفاعل ثانٍ.
- في 10 شباط حاول رئيس منظّمة الطاقة الذرّية الإيرانيّة محمّد إسلامي طرح مقايضة من نوع آخر هي “تخفيف مقابل رفع كلّ العقوبات”. لكنّه لم يحدّد هل المقصود رفع العقوبات الأميركيّة أو يشمل ذلك الأوروبيّة والأمميّة.
- يتقصّد المسؤولون الإيرانيّون تجاهل تعقيدات عناوين التفاوض، فيصرّون على أن تتناول الملفّ النوويّ وحده مقابل رفع العقوبات، أي يريدون تناول واحد من العناوين الأربعة التي تطرحها واشنطن: النوويّ، تقليص برنامج الصواريخ البالستيّة، وقف دعم “الميليشيات الإرهابيّة التي تزعزع الاستقرار” في المنطقة (الأذرع)، وأخيراً حقوق الإنسان في الداخل الإيرانيّ.
العقوبات تتوزّع على عناوين التّفاوض
من المؤكّد أنّه لا يغيب عن بال القيادة الإيرانيّة أنّ رفضها بحث ثلاثة من العناوين الأربعة يعني عدم رفع العقوبات كلّها، فالأخيرة تشمل هذه العناوين الأربعة، إلّا إذا كانت طهران تكتفي برفع جزئيّ لهذه العقوبات، وهذا ما يخشى منه بنيامين نتنياهو وغيره في المنطقة. فهل طهران تراهن على أن يكتفي به ترامب لاعتقادها بأنّ جلّ ما يريده تحقيق انتصار عبر اتّفاق يذهب به إلى الانتخابات النصفيّة كي يربحها حزبه في الخريف؟
إقرأ أيضاً: مفاوضات حافة الهاوية: تسوية شاملة أم إدارة صراع؟
في استعادة لتاريخ العقوبات يمكن إيجازها كما يلي:
- الملفّ النوويّ: بدأت العقوبات بسببه في عهد الرئيس بيل كلينتون عام 1995 وتناولت قطاع النفط. في حينها أضيف إليه “دعمها للإرهاب”. وفي 2005 أضاف الرئيس جورج دبليو بوش عقوبات على أشخاص ارتبطت أسماؤهم بالبرنامج النوويّ. في 2010 أصدر الكونغرس الأميركيّ قانوناً شدّد العقوبات الموجودة. وفي 2015 جرى رفع معظم هذه العقوبات بعد الاتّفاق مع باراك أوباما على الحدّ من البرنامج النوويّ، ثمّ أعادها كلّها ترامب في 2018 حين سحب بلاده من الاتّفاق. وفي 2025 شملت “حرس الثورة”.
- ملفّ الصواريخ البالستيّة: بدأت التشريعات في شأنه عام 2017، وشملت في 2023 كيانات تتزوّد عبرها طهران بمكوّنات الصواريخ، وتمّ توسيع هذه العقوبات في 2025.
- ملفّ دعم الإرهاب وزعزعة استقرار المنطقة: بدأت العقوبات بسببه عام 1987 (سبقها تفجير مقرّ “المارينز” في لبنان). وصُنّفت “قوّة القدس” في حرس الثورة منظّمة إرهابيّة في 2007. وفي 2019 شملت العقوبات قطاع البناء الذي يديره “الحرس” لدعمه الإرهاب. وفي 2025 امتدّت العقوبات تحت هذا العنوان إلى قطاع النفط.
- ملفّ حقوق الإنسان: بدأ فرض العقوبات تحت هذا العنوان في 2022 ضدّ الشرطة الإيرانيّة وقيادات أمنيّة لانتهاكها هذه الحقوق. وفي 2024 شملت 12 قياديّاً. وفي 2025 أضاف الاتّحاد الأوروبيّ المزيد من العقوبات لقمع طهران التظاهرات الأخيرة، بعدما كان الاتّحاد استعاد في أيلول الماضي العقوبات بسبب الملفّ لنوويّ إثر رفع طهران التخصيب وامتناعها عن العودة إلى تقليص برنامجها.
لمتابعة الكاتب على X:
