مفاوضات حافة الهاوية: تسوية شاملة أم إدارة صراع؟

مدة القراءة 6 د

لم تكن تغريدة أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني على موقع X، قبل يوم واحد من عودة واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض باستضافة عمانيّة، بأنّ “الأمور تسير باتّجاه رسم إطار جديد للمفاوضات على العكس من كلّ الأجواء التي أُثيرت إعلاميّاً حول المواجهة”، إعلاناً لاستئناف المسار الدبلوماسيّ بين خصمين لدودين وحسب، بل كشفت عن جهود بُذلت على مدى أيّام، قامت بها أطراف دوليّة وإقليميّة لتسهيل اللقاء والتفاهم على النقاط المشتركة التي يمكن أن تسفر عنها هذه المفاوضات، خاصّة أنّ تغريدة لاريجاني جاءت بعد زيارة مفاجئة وغير مُعلَنة للعاصمة الروسيّة موسكو والاجتماع مع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين.

 

 

كان واضحاً من المسار، الذي اتّخذته التطوّرات التي أفضت إلى اجتماعات مسقط، أنّ كلا الطرفين توافقا على ما يشبه التنازلات المتبادلة بالشكل وقليلٍ في المضمون، فالجانب الإيرانيّ رفض عقد اللقاء الأوّل على الأراضي التركيّة، من منطلق التمسّك بالوسيط العمانيّ الذي واكب كلّ مسارات التفاوض بين طهران وواشنطن، وأيضاً خوفاً من أن يواجه ضغوطاً إقليميّة قد تُحرجه وتُجبره على البحث في مسائل من خارج الملفّ النوويّ، وتحديداً في موضوعَي القدرات الصاروخيّة والنفوذ الإقليميّ.

في المقابل، تخلّى الجانب الأميركيّ عن تمسّكه بشرط التفاوض المباشر، ووافق على العودة إلى الآليّة السابقة التي أسقطها هجوم حزيران 2025 قبل أيّام من الجولة السادسة للتفاوض، وأن تقتصر المفاوضات على الجانب النوويّ وتأكيد عدم السماح لإيران بامتلاك قدرات عسكريّة نوويّة بأيّ شكل من الأشكال.

لا رهان على نتائج سريعة

على الرغم من مسارعة طهران إلى الكشف عن موعد الاجتماع الثاني، وأنّه سيُعقد يوم الجمعة المقبل على الأراضي التركيّة برعاية عمانيّة، وهو ما يعني إمكانيّة تكرار تجربة العام الماضي والجلسات التي عُقدت في روما في السفارة العمانيّة، ومحاولة الإيحاء بنوع من الثقة بأنّ الزيارة التي سيقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لواشنطن يوم الأربعاء لن تؤثّر سلباً على المسار الذي بدأ مع واشنطن، يبقى السؤال: ما هو حجم التسوية التي يمكن أن تُطرح على طاولة التفاوض؟ وما الذي سيقدّمه كلّ من الطرفين؟ وهل ابتعد شبح الحرب عن إيران والمنطقة؟ وهل تنجح هذه الجولة من المفاوضات بوضع الإطار العامّ والثابت لإدارة الصراع أو الخلافات بين الخصمين؟

كان واضحاً من المسار، الذي اتّخذته التطوّرات التي أفضت إلى اجتماعات مسقط، أنّ كلا الطرفين توافقا على ما يشبه التنازلات المتبادلة بالشكل وقليلٍ في المضمون

تؤكّد المؤشّرات التي صدرت عن طهران أنّ القيادة الإيرانيّة لم تنطلق بناءً على إمكانيّة الثقة بالجانب الأميركيّ عندما أعطت الضوء الأخضر للعودة إلى التفاوض، وأنّ شبح الحرب الذي ما يزال يسيطر على محيط إيران يفرض عليها نوعاً من العقلانيّة الجديدة، والبحث عن آليّات تساعد في دفع الإدارة الأميركيّة إلى التخلّي عن خيار الحرب العسكريّة والانتقال إلى تفاهم على إدارة الصراع بينهما يؤسّس مع بناء الثقة إلى فتح مسار يسمح بفتح جميع الملفّات والتوصّل إلى تسوية فيها مستقبلاً.

مع أنّ القيادة الإيرانيّة تتعامل مع مواقف الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بكثير من الحذر والخوف من وجود نوايا على خلاف ما يُعلنه، تظهر الإشارات التي صدرت عنه بعد اللقاء الأوّل في مسقط والحديث عن إيجابيّته أنّه لا يراهن على نتائج سريعة من هذه المفاوضات، وأنّ الوقت متاح أمام طهران لإثبات جدّيتها في الحلّ. إلّا أنّها في حقيقة الأمر تبدو على استعداد كامل لتسهيل التوصّل إلى حلّ جدّيّ بعدما نجحت في عقد صفقة مسبقة مع واشنطن تقضي بحصر المرحلة الأولى من التفاوض، أو التفاهم والاتّفاق المتوقّع، في الجانب النوويّ، ومسار بناء الثقة يفتح الطريق أمام وضع آليّات مختلفة للتوصّل إلى حلول في الملفّات الأخرى وطاولة تفاوض تضمّها مع دول إقليميّة معنيّة بهذه الملفّات أكثر من واشنطن، خاصّة ما يتعلّق بالقدرات الصاروخيّة والنفوذ الإقليميّ.

تستعدّ إيران لعقد صفقة متوازنة مع واشنطن، تضمن لها على الأقلّ الحصول على مكاسب أساسيّة تضمن لها الاعتراف بحقوقها النوويّة المعترَف بها في معاهدة الحدّ من انتشار أسلحة الدمار الشامل، وإنهاء حالة التهديد بعمل عسكري، وضمانات لتخلّي واشنطن عن الخيار العسكريّ ضدّ إيران، ووضع آليّة لإنهاء جميع العقوبات الماليّة والاقتصاديّة وتجميد الأموال، وفي المقابل تعيد التعاون مع الوكالة الدوليّة وتسمح بحرّيّة عمل المفتّشين الدوليّين في كلّ منشآتها النوويّة المعلنة والسرّية، وتوقف العمل ببناء منشآت جديدة، وتوضع آليّة دوليّة لإعادة ترميم المنشآت التي تعرّضت للتدمير، وتخفيف مستوى تخصيب اليورانيوم الذي تملكه من 60 في المئة إلى حدود 3 في المئة، مع إعلان تعليق أنشطة التخصيب لمدّة زمنيّة يتمّ التفاهم عليها يفرضها ترميم المنشآت المتضرّرة.

نتنياهو والتّخريب

تراهن طهران على موقف الرئيس الأميركيّ بعد اللقاء مع نتنياهو، وقدرته على التمسّك بخيار التفاوض والابتعاد عن الحرب، خاصّة أنّ لدى هذه القيادة اعتقاداً بأنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ سيحاول الضغط لإعادة وضع ملفَّي القدرات الصاروخيّة والنفوذ الإقليميّ شرطين على طاولة التفاوض، باعتبارهما مصدر تهديد لأمن واستقرار وهيمنة تل أبيب الإقليميّة. لذلك جاء كلام المرشد الأعلى واضحاً بأنّ أيّ اعتداء، مهما كان صغيراً، أو هجوم “تصحيح مسارات”، سيكون بمنزلة تهديد وجوديّ للنظام، ولن يكون الردّ عليه محدوداً، بل سيتحوّل إلى حرب إقليميّة ضدّ كلّ القواعد الأميركيّة المنتشرة في منطقة غرب آسيا، وبالتالي سيتحوّل أيّ عمل عسكريّ إلى عبء على واشنطن ينقل الشرق الأوسط إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.

إقرأ أيضاً: من رفع الغطاء عن سيف الإسلام؟

انتهت جولة أولى من التفاوض بتأكيد الطرفين لإيجابيّتها وإمكانيّة البناء عليها والانتقال من اللمسات الأخيرة التي رسمت الإطار العامّ لمسار التفاوض إلى الدخول في التفاصيل والآليّات في الجولة المقبلة. إلّا أنّ طهران قد تكون مجبرة على اعتماد سياسة “السير على حافة الهاوية” والإبقاء على حالة الاستنفار السياسيّ والعسكريّ تحسّباً لأيّ خطوة مفاجئة نتيجة ضغوط إسرائيليّة قد تقلب الطاولة وتعيد خيار الحرب إلى الواجهة. فهل أخذت طهران في حساباتها هذه الضغوط ومحاولات نتنياهو للتخريب، وقدّمت للمفاوض الأميركيّ أوراقاً وتصوّرات قادرة على كبح الضغوط الإسرائيليّة، تصوّرات تدخل في صلب رؤيتها لإدارة الصراع الذي لن يكون مقتصراً على إدارة خلافاتها مع واشنطن، بل قد يتوسّع ليشمل الوضع الإقليميّ، خاصّة المتعلّق بالصراع مع تل أبيب؟

مواضيع ذات صلة

إيران المحشورة بين الدّور والموقع: انكماش أم انكسار؟

تنحشر إيران تاريخيّاً بين الموقع والدور، فالهضبة الإيرانيّة حين تتوحّد تُقيم دولةً كبرى ثمّ إمبراطوريّة. لكن في العصر الحديث انكمشت وقامت فيها دولة وطنيّة. وجاء…

سلام قام بما عليه و”الثّنائيّ” لا يخشى الطعن بالانتخابات

تندرج الزيارة الجريئة التي قام بها رئيس الحكومة نوّاف سلام للقرى الحدوديّة الجنوبيّة ضمن جملة من الدلالات، أبرزها أنّ تعزيز حضور الدولة في تلك المناطق…

طرابلس تبحث عن مُغيث

لن يكون مبنى باب التبّانة آخر المباني الطرابلسيّة التي تنهار، وليس المأساة الأولى في هذه المدينة الملقّبة بالفيحاء. هي مدينة نادرٌ فيها الفرح، أحياؤها تقتات…

أكبر حكومة كويتيّة منذ عقود: قلقٌ من الاضطراب الإقليميّ؟

على قاعدة تدعيم الأساسات الداخليّة تحسّباً للعواصف الإقليميّة وضمان استمرار مسيرة التحوّل الاقتصاديّ، شهدت الحكومة الكويتيّة الأسبوع الماضي أوسع تعديل منذ تشكيلها في منتصف عام…