ترامب وخامنئي: تفاوض على حافة الحرب

مدة القراءة 7 د

وضع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب المرشد علي خامنئي أمام خيارٍ مرّ: إمّا أن يتكفّل مرشد الجمهوريّة بتغيير إيران من الداخل، والتخلّي عن مخالبها وأنيابها الإقليميّة، وإمّا أن يتولّى هو بنفسه تنفيذ هذه المهمّة بالقوّة والإكراه.

 

لا تعني عودة المفاوضات إلى مسقط أنّ الأمور تتّجه حتماً نحو الحسم. ليس الاتّفاق حتميّاً، ولا الحرب حتميّة. يفضّل ترامب التوصّل إلى اتّفاق على الذهاب إلى الحرب، وكذلك خامنئي. لكنّ الرئيس الأميركيّ يريد حلّاً بحجم الحشد العسكريّ والضغوط السياسيّة والدبلوماسيّة التي يمارسها ضدّ طهران. بعبارة أخرى، يريد اتّفاقاً يُظهر، بلا أيّ لبس، أنّ الطرف الآخر خرج من قاعة التفاوض منقاداً بالكامل لإرادة سيّد البيت الأبيض، ومستسلماً لتغيير تموضعه الجيوسياسيّ من الشرق إلى الغرب.

الجمهوريّة الإسلاميّة مستعدّة لـ”تجرّع السمّ” مرّة جديدة، وقبول تنازلات مشروطة في الملفّين النوويّ والإقليميّ حفاظاً على النظام، وهو أغلى ما تملك. لكنّها في المقابل ترفض الظهور بمظهر الدولة المنزوعة السيادة، أو تلك التي جُرّدت من قدرتها الدفاعيّة الفعليّة.

يضيّق ارتفاع سقف مطالب ترامب هامش الاستجابة الإيرانيّة، ويزيد احتمالات المواجهة العسكريّة، ولو كانت محدودة. كلّما اتّسع هامش المرونة في الموقف الأميركيّ، ارتفعت فرص التفاهم، وتراجع خطر الانزلاق إلى الحرب.

تبدو الشروط الأميركيّة مستحيلة القبول في طهران. ما يطلبه ترامب من إيران يفوق قدرة المرشد على قبوله في أرذل العمر. بل إنّ النظام بات يعتبر هذه الشروط “أخطر من مواجهة عسكريّة” مع الولايات المتّحدة.

تطالب واشنطن بتفاوض مباشر بين ترامب وخامنئي، تجميد كامل للبرنامج النوويّ، وقف تخصيب اليورانيوم نهائيّاً، إخراج المنشآت النوويّة من تحت الأرض إلى العلن، الخضوع لرقابة دائمة، والتخلّي عن مخزون اليورانيوم المخصّب ونقله إلى دولة وسيطة، وتشترط التخلّي الكامل عن “محور الممانعة” ووقف دعم الكيانات المسلّحة في الإقليم، وهو ما تعتبره طهران جزءاً لا يتجزّأ من أمنها القوميّ، ولا سيما في العراق، لا ورقة مساومة.

تبدو الشروط الأميركيّة مستحيلة القبول في طهران. ما يطلبه ترامب من إيران يفوق قدرة المرشد على قبوله في أرذل العمر

أمّا العقدة الكبرى والخطّ الأحمر غير القابل للتجاوز، فهما تقييد برامج الصواريخ البالستيّة والطائرات المسيّرة إلى أقصى حدّ، بما يعني عمليّاً تجريد إيران من قدراتها الردعيّة وتعريضها للخطر استراتيجيّاً. تحاول طهران مقايضة هذا الشرط بتنازلات نوويّة وإقليميّة.

تبدو هذه المطالب المبالَغ فيها مصمّمة لكي تُرفَض، بما يوفّر ذريعة لعقوبات وعزلة مفتوحتين إلى ما لا نهاية، حتّى يستسلم النظام أو ينهار، ويُدفَع إلى القبول بالتبعيّة داخل السرب الأميركيّ.

لا يمكن فصل التصعيد الأميركيّ عن الحسابات الإسرائيليّة. ترى تل أبيب في اللحظة الراهنة نافذة استراتيجيّة نادرة لكسر العصب الإيرانيّ بأدوات أميركيّة، من دون تحمّل كلفة الحرب المباشرة. تضغط لمنع أيّ تسوية تعيد إيران إلى النظام الدوليّ بقدر من الشرعيّة، وتفضّل إضعافاً طويل الأمد على اتّفاق مؤقّت يعيد إنتاج التهديد بعد سنوات.

شروط تتجاهل أحوال الإيرانيّين

على الرغم من تهديد واشنطن النظام الإيرانيّ بـ”عواقب وخيمة” في حال تصاعد قمع المتظاهرين، خلت الشروط الأميركيّة تماماً من أيّ إشارة إلى حقوق الإنسان أو دعم الحرّيات أو معالجة أسباب الاحتجاجات الشعبيّة، وهو ما يؤكّد أنّ الهدف ليس تمكين الشعب الإيرانيّ من العيش الكريم، بل تفكيك ركائز القوّة الإيرانيّة داخليّاً وخارجيّاً.

يوظّف البيت الأبيض غضب المجتمع الإيرانيّ أداةً لإضعاف النظام وساحةً للصراع، بالنسبة لبعض دوائر القرار، تبدو إيران البراغماتيّة والعقلانيّة، المنفتحة على العالم، والقادرة على بناء قوّة ناعمة مستندة إلى موارد اقتصاديّة وطاقيّة هائلة، أخطر من جمهوريّة إسلاميّة محاصَرة تصدّر الثورة وتستنزف نفسها بالصواريخ والمظلّة النوويّة.

كلّما اتّسع هامش المرونة في الموقف الأميركيّ، ارتفعت فرص التفاهم، وتراجع خطر الانزلاق إلى الحرب

ضربة مقيّدة عالية التّأثير

لا تنطوي أزمة دوليّة أو إقليميّة اليوم على هذا الكمّ من التعقيد كما هي حال الأزمة الإيرانيّة. هنا يُضطرّ ترامب إلى تقليب الخيارات بعناية. لا يزال خطر الحرب ماثلاً، لكنّها لن تكون بالضرورة حرباً شاملة تُسقط النظام بالضربة القاضية على غرار عراق صدّام حسين أو ليبيا القذّافي. الساحة الإيرانيّة مختلفة.

التقدير السائد أنّ أيّ عمل عسكريّ سيُصاغ وفق نموذج “ضربة مقيّدة عالية التأثير” هدفه إضعاف القدرة على الردّ المنظّم من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة. تشمل السيناريوات استهداف مراكز القيادة والسيطرة، الدفاعات الجوّية، والقواعد الصاروخيّة ومنصّات المسيّرات، بالتوازي مع عمليّات سيبرانيّة لتعطيل أنظمة الرصد والإنذار. ليس الهدف التدمير الشامل، بل تقويض القدرات العسكريّة والاقتصاديّة واللوجستيّة، ولا سيما تلك التابعة للحرس الثوريّ، ومنعه من التعافي السريع.

يمكن تنفيذ عمليّات كهذه مع تقليص الخسائر البشريّة لتفادي ردود الفعل الدوليّة، على أن تترافق مع إعلان سياسيّ أميركيّ يؤكّد محدوديّة العمليّة وتحقيق أهدافها. في المقابل، يُرجّح أن يكون الردّ الإيرانيّ محسوباً وغير شامل، وربّما عبر مشاركة رمزيّة من الأذرع الإقليميّة، تفادياً لاستدراج ضربات أوسع قد تكون قاتلة للنظام.

لا يقوم الرهان الأميركيّ على إسقاط النظام بالقوّة، بل على كسر معادلة الصمود الطويل، ودفع إيران إلى خيارين أحلاهما مرّ: تسوية مذلّة، أو استنزاف داخليّ واقتصاديّ مزمن يُفرغ الدولة من قدرتها على الفعل الإقليميّ. لكنّ هذا الرهان قد ينقلب إذا لم تُفضِ الحرب المحدودة إلى نتيجة حاسمة وواضحة، إذ من شأن ذلك تقويض صدقيّة الولايات المتّحدة ومنح إيران جرأة غير مسبوقة.

لا يزال خطر الحرب ماثلاً، لكنّها لن تكون بالضرورة حرباً شاملة تُسقط النظام بالضربة القاضية على غرار عراق صدّام حسين أو ليبيا القذّافي

عدم الحسم، باتّفاق أو بغيره، سيُدخل الصراع مرحلة جديدة من إدارة الأزمة، ما لم يحدث سوء تقدير أو انزلاق غير محسوب. لا يكمن أخطر السيناريوات في الضربة نفسها، بل في سوء التقدير المتبادل: خطأ إيرانيّ في قراءة حدود الضربة، أو خطأ أميركيّ في تقدير قدرة النظام على امتصاصها. عندها قد تنزلق المواجهة المحدودة إلى حرب لا يريدها الطرفان ولا يملكان السيطرة على مساراتها.

مستوى الحشد العسكريّ الأميركيّ في المنطقة كبير، لكنّ عديد القوّات لا يتجاوز عشرات الآلاف، وهو رقم بعيد جدّاً عن حشود عام 2003. لا يُقارَن تأييد الرأي العامّ الأميركيّ لأيّ حرب على إيران بما كان عليه بعد 11 أيلول، في ظلّ تركيز الأميركيّين على الاقتصاد وأزماتهم الداخليّة، وبقاء صور نعوش الجنود حيّة في الذاكرة الجمعيّة.

لا دعم عسكريّاً صينيّاً ولا روسيّاً

أمّا الحديث عن دعم صينيّ عسكريّ لإيران فليس أكثر من وهم. إيران بالنسبة إلى بكين ليست أوكرانيا بالنسبة إلى موسكو. أولويّة الصين هي تايوان، وطهران ليست سوى ورقة وسوق ومصدر طاقة. قد تدعمها سياسيّاً ودبلوماسيّاً، وقد تستفيد من استنزاف واشنطن، لكنّها تفكّر كتاجر طويل النفس لا كمقاتل عقائديّ.

أمّا موسكو فهي غارقة في حربها الخاصّة، ومنخرطة في بازار جيوسياسيّ مع ترامب تتقدّم أهمّيته على مكانة إيران لديها. أقصى ما قد تحقّقه طهران من بكين وموسكو هو دعم دبلوماسيّ وإسناد محدود وغير مباشر.

إقرأ أيضاً: سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

أخطر ما في المشهد أنّ الصراع يُدار بعقل بارد وأعصاب مشدودة، لكن في بيئة إقليميّة مشبعة بالتوتّر وسوء التقدير. ضربة محدودة قد تبقى محدودة، وقد تتحوّل شرارة لمسار لا يمكن احتواؤه. وفي الحالتين، لا يبدو أنّ أحداً يملك ترف التراجع، فيما يدفع الإقليم كلفة مواجهة لم يختَرها.

مواضيع ذات صلة

بعيداً عن طاولة مسقط: مفاوضات سرّيّة بين أميركا وإيران؟

بات إنقاذ النظام المعيار الذي يتحكّم بالموقف الإيرانيّ حيال التفاوض. ما دون هذا الهدف “الأسمى” لدى القيادة قابل للبحث والأخذ والردّ بين طهران وواشنطن، حسب…

طهران الحائرة: ترامب يخدعنا والحرب حتمية

حين قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن اتفاق فيينا النووي لعام 2015 الذي دبّره سلفه باراك أوباما هو “أسوء اتفاق في التاريخ”، كانت إيران ملتزمة،…

كسوة الكعبة عند إبستين: تناقض المقدّس مع اقتصاد النفوذ

لم تكن الصورة التي خرجت من وثائق وزارة العدل الأميركية مجرّد تفصيل غريب في أرشيف قضية مالية ـ جنسية معقّدة، بل كانت صدمة رمزية مكثّفة:…

إيران المحشورة بين الدّور والموقع: انكماش أم انكسار؟

تنحشر إيران تاريخيّاً بين الموقع والدور، فالهضبة الإيرانيّة حين تتوحّد تُقيم دولةً كبرى ثمّ إمبراطوريّة. لكن في العصر الحديث انكمشت وقامت فيها دولة وطنيّة. وجاء…