ظاهرة إبستين: كيف تحوّل فرد إلى مؤسسة

مدة القراءة 5 د

في كل مرة تُكشف فيها دفعة جديدة من الوثائق المرتبطة بجيفري إبستين، يتجدّد المشهد ذاته: دهشة عامة، غضب أخلاقي، شعور بالاشمئزاز… ثم فضول لا يخف. ليس فضولاً تجاه الجرائم وحدها، بل تجاه السؤال الأعمق الذي يرفض أن يُغلق: كيف استطاع شخص واحد أن يعمل، لسنوات طويلة، لا كمجرم معزول، بل كمنظومة قائمة بذاتها، متغلغلة في قلب شبكات النخبة السياسية والمالية العالمية؟

 

لم تعد قضية إبستين مجرّد فضيحة جنسية أو إخفاق قضائي. تحوّلت إلى مرآة تعكس طبيعة السلطة في عالم اليوم: كيف تُدار خارج الأطر الرسمية؟ كيف تُغري من يقترب منها؟ كيف تحمي نفسها حين تنكشف؟ الأهم، كيف تُخلّف وراءها شرخًا عميقًا في ثقة الناس بكل من يزعم القيادة أو الاحتكام إلى القانون؟

إبستين لم يكن ذئباً منفرداً. كان أقرب إلى مؤسسة غير مُعلنة. بنى شبكته بهدوء، مستفيداً من ثغرات النظام أكثر مما استفاد من ذكائه الشخصي. وفّر قنوات استقطاب، وبنية لوجستية عابرة للحدود، وغطاءً مالياً معقّداً، وحماية قانونية صيغت بعناية. أعاد تشكيل صورته عبر التبرّعات والعلاقات الأكاديمية والاقتراب من مراكز النفوذ. لم يكن السرّ في الاختفاء، بل في التعقيد؛ تعقيد يجعل من الصعب الإمساك بالخيط الذي يقود إلى المحاسبة.

هندسة الوصول

قوّة إبستين الحقيقية لم تكن في المال، فثروته نفسها ظلّت موضع تساؤل، بل في ما يمكن تسميته “هندسة الوصول”. أتقن دور الوسيط بين عوالم لا تلتقي عادة بسهولة: المال والسياسة، العلم والسلطة، الغرب وبقية العالم. في منظومات النخبة، لا يُقاس النفوذ بما تملك، بل بمن تستطيع أن تجمعهم حول طاولة واحدة بعيداً عن الأضواء. الدعوات إلى جزر خاصة، أو طائرات بلا أسئلة، أو صالونات مغلقة، لم تكن رفاهية، بل أدوات نفوذ تُنتج علاقة غير متكافئة: من يدخل يصبح مديناً، ومن يصبح مديناً يصمت.

قوّة إبستين الحقيقية لم تكن في المال، فثروته نفسها ظلّت موضع تساؤل، بل في ما يمكن تسميته “هندسة الوصول”

هنا تحديداً نفهم لماذا انجذبت النخبة العالمية إلى محيطه. لم يكن الانجذاب بدافع الانحراف بقدر ما كان بدافع ما تطلبه السلطة دائماً: فضاءات بلا مساءلة، غموض يسمح بالإنكار، ودوائر تعكس المكانة وتُعيد إنتاجها. إبستين لم يكن كاريزمياً بقدر ما كان عملياً. جعل ممارسة النفوذ في الخفاء أسهل من ممارسته في العلن، وهذا عرض يصعب على أصحاب القرار رفضه.

لكن للظاهرة بعداً آخر يفسّر لماذا بدت مغرية أيضاً لبعض الشخصيات من الشرق الأوسط. في عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بميزان غير متكافئ، كثيراً ما يواجه سياسيون ورجال أعمال من المنطقة أبواباً غربية موصدة، أو شرعية مشروطة، أو تعاملاً قائماً على الريبة والوصاية. هنا ظهر إبستين كقناة خلفية، بلا بروتوكول ولا محاضرات أخلاقية، يقدّم وصولاً مباشراً إلى دوائر القرار والنفوذ والاستثمار.

بالنسبة لهؤلاء، لم يكن الارتباط بالضرورة تعبيراً عن نزوة شخصية، بل حساباً براغماتياً: نفوذ، صورة، علاقات، أو شعور بالندية داخل فضاءات غالباً ما تُقصي أو تُصنّف. في ثقافات تُعلي من شأن العلاقة الشخصية والوساطة، بدا دور إبستين مألوفاً، حتى لو كان محفوفاً بالمخاطر. قدّم وهم القبول الغربي بلا شروط، وهمٌ سرعان ما انقلب عبئاً حين انهارت المنظومة التي أدارها.

هنا تلامس القضية وتراً حساساً في الشرق الأوسط تحديداً. هي تعزّز شكوكاً قديمة بأن القواعد العالمية لا تُطبَّق على الجميع، وأنّ الخطاب عن الشفافية وسيادة القانون يتراجع كلما اقترب من مصالح الأقوياء. عندما يرى الناس نخباً غربية تفلت من المحاسبة، بينما تُصدَّر معايير صارمة إلى الآخرين، يتعمّق الشعور بازدواجية المعايير، ويتحوّل إبستين من قضية جنائية إلى رمز لاختلال العدالة العالمية.

لم تعد قضية إبستين مجرّد فضيحة جنسية أو إخفاق قضائي. تحوّلت إلى مرآة تعكس طبيعة السلطة في عالم اليوم

العيش فوق القانون

غير أنّ الضرر الأوسع لا يصيب النخب وحدها، بل الثقة العامة نفسها. الناس العاديون، في الغرب كما في الشرق، لا يتوقفون طويلاً عند التفاصيل القانونية. ما يرونه هو صورة واحدة واضحة: هناك من يعيش فوق القانون. حين تترسّخ هذه القناعة، لا تنهار الأنظمة بثورة، بل بتآكل بطيء: عزوف عن السياسة، انجذاب إلى الشعبوية، أو لامبالاة كاملة. الثقة لا تُسحب دفعة واحدة، بل تُستنزف مع كل قصة إفلات من العقاب.

لهذا لا تمنحنا الوثائق الجديدة نهاية حاسمة. كل دفعة تعد بكشف كبير، لكنها تترك شعوراً بالنقص. لا قائمة نهائية، ولا لحظة تطهير. وهذا ليس فشلاً في الشفافية، بل دليل على أن إبستين لم يكن سراً بانتظار الكشف، بل عقدة داخل نظام أوسع، صُمّم أصلاً ليتفادى الخاتمة.

لهذا أيضاً لا تزال ظاهرة إبستين مهمّة. لأنها ليست استثناءً تاريخياً، بل نموذجاً قابلاً للتكرار. أي شخص يمتلك موارد لشراء الصمت، ووصولاً يطبع القرب، وحماية قانونية تؤجّل المحاسبة، يمكنه أن يعيد إنتاج التجربة بصيغة جديدة.

إقرأ أيضاً: لماذا تتضمّن ملفّات إبستين اسم سعد الحريري؟

السؤال الحقيقي لم يعد: من التقى إبستين؟ بل: هل تستطيع أنظمة العالم، شرقاً وغرباً، مواجهة شبكات نخبوية تعمل فوق القانون، بلا سلطة رسمية، لكن بحماية مؤسسية؟

إلى أن يُجاب عن هذا السؤال بصدق، سيبقى الاهتمام قائماً، وستظل كل وثيقة جديدة مثيرة ومقلقة في آن، وستبقى الثقة بالنخب السياسية والاقتصادية تتآكل بهدوء، ولكن بثبات.

 

لمتابعة الكاتب على: 

@mouafac

مواضيع ذات صلة

هل “سلّمت” إيران برنامجها النّوويّ؟

تدافعت الأخبار فجأة لتكشف عن “بركة” أفضت إلى توقّف طبول الحرب عن قرع ما صمّ آذان المنطقة. أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بنفسه أنّ إيران…

المالكي رئيساً: تحقيراً لما كان عراقاً وبات مجرد “خرابة”!

بعد “طلقٍ” غير شرعي لـ”داية” غير مجهولة الهوية، كما جرى تسريب مُغفل التوقيع، خرج علينا “الإطار التنسيقي” بمرشحه لرئاسة حكومة الفصائل الولائية، مبشّراً بعودة صاحب…

من دولة بلا حدود… إلى حدود في دولة

جاء نشوء الدولة في لبنان في سياق تحوّلات ما بعد الحرب العالميّة الأولى وتفكّك السلطنة العثمانيّة. وساهمت التحوّلات في نشوء دول أخرى في المنطقة، منها…

إيران أضعف والمطالب أشدّ

بعد التهديدات التي أوحت أنّ الضربة الأميركيّة لإيران ستكون غداً، تأجّلت للمرّة الثانية أو الثالثة، ثمّ راحت الولايات المتّحدة تحشد بالبحر والجوّ من حول إيران…