ما الذي غيّر موقف إيران من المفاوضات مع الولايات المُتّحدة؟ ماذا حصلَ في السّاعات الأخيرة في كواليس من تبادل الرّسائل بين البيت الأبيض والرّئاسة الإيرانيّة؟
ارتفعَت في الأيّام الأخيرة وتيرة التهديدات الأميركيّة لإيران حتّى وصلَت إلى تحشيدٍ في الشّرق الأوسط لم يسبق أن حصلَ إلّا في فترة غزو العراق سنة 2003. كان الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب يُريد أن يضعَ إيران ومرشدها علي خامنئي أمام خياريْن لا ثالث لهما:
1- الدّخول في مواجهةٍ عسكريّة لن تكون لمصلحة طهران نظراً للتفوّق العسكريّ الأميركيّ هجوماً ودفاعاً، وبالتّالي تعريض النّظام الإيرانيّ لخطر الانهيار.
2- الدّخول في عمليّة سياسيّة تحملُ تنازلات إيرانيّة واضحة في الملفّ النّوويّ تحت طائلة استعمال القوّة الضّاربة التي استقدمها ترامب إلى الشّرق الأوسط.
قنوات التّواصل
يؤكّد مصدر دبلوماسيّ إقليميّ لـ”أساس” أنّ الأيّام الماضية شهِدَت تبادلَ رسائل بين طهران وواشنطن لخفض التّصعيد والذّهاب نحوَ حلّ سياسيّ عبر أكثر من قناة:
1- قناة سعوديّة عبر رسائل ومساعٍ بذلها وزير الدّفاع السّعوديّ الأمير خالد بن سلمان خلال زيارته العاصمة الأميركيّة قبل أيّام، التي التقى فيها كبار مسؤولي إدارة ترامب في البيت الأبيض ومجلس الأمن القوميّ ووزارة الدّفاع، وشرحَ وجهة نظر المملكة ومخاطر الفوضى والمواجهة العسكريّة في الخليج العربيّ وتأثير ذلك على مصالح الولايات المُتّحدة وأسواق التّجارة والنّفط.
2- قناة تُركيّة يقودها وزير الخارجيّة حقّان فيدان بتكليفٍ من الرّئيس التّركيّ رجب طيّب إردوغان. تولّى فيدان أثناء لقائه الأخير بنظيره الإيرانيّ عبّاس عراقجي عقدَ اتّصالٍ بين الأخير والمبعوث الأميركيّ إلى الشّرق الأوسط ستيفن ويتكوف لدفع العمليّة السّياسيّة قُدماً.
بحسب معلومات “أساس” كانَ الجواب الأميركيّ الذي نقله ويتكوف لعراقجي أنّ واشنطن لن تستخدم القوّة العسكريّة
3- قناة روسيّة أساسها الرّئيس الرّوسيّ فلاديمير بوتين الذي اقترحَ مجدّداً أن تنقل إيران اليوارنيوم المُخصّب بنسبة 60% وما فوق إلى روسيا على أن يُخصّب اليورانيوم بهذه النّسب خارج الأراضي الإيرانيّة، إمّا في روسيا وإمّا عبر اتّحادٍ إقليميّ لتخصيب اليوارنيوم. وكان “أساس” قد كشف في مقالاتٍ في نيسان وأيّار وحزيران 2024 عن هذه المُقترحات التي باتت اليوم العنوان الأبرز للحلول المطروحة بين واشنطن وطهران.
4- قناة قطريّة يقودها رئيس الوزراء محمّد بن عبدالرّحمن آل ثاني، وأخرى عُمانيّة قادها الوسيط في الجولات السّابقة وزير الخارجيّة بدر البوسعيدي، بالإضافة إلى قناةٍ سويسريّة.
أوّل تنازل استراتيجيّ إيرانيّ
طلبت إيران عبر الوسطاء ضمانات أميركيّة تؤكّد أنّها لن تتعرّض لضربةٍ عسكريّة أميركيّة أو إسرائيليّة أثناء المفاوضات على غرار ما حصلَ في جولة الـ12 يوماً في حزيران الماضي التي جاءَت في اليوم الـ60 لجولات التّفاوض السّابقة.

بحسب معلومات “أساس” كانَ الجواب الأميركيّ الذي نقله ويتكوف لعراقجي أنّ واشنطن لن تستخدم القوّة العسكريّة، ولن تسمح لإسرائيل بذلك في حال كانت إيران جدّيّة في المفاوضات. لهذا قبلت إيران بمناقشة تخصيب اليورانيوم بشكلٍ كاملٍ خارجَ أراضيها، بعدما كانت ترفضُ ذلكَ بشكلٍ قاطع في الأشهر الماضية.
يُعتبرُ قَبول إيران مناقشة تخصيب اليورانيوم خارج أراضيها أوّل وأكبر تنازلٍ تُقدّمه للرّئيس ترامب منذ انسحابه من الاتّفاق النّوويّ سنة 2018. ذلكَ أنّ تخصيب اليورانيوم خارج الأراضي الإيرانيّة بشكلٍ كاملٍ يعني الآتي:
لا يريد خامنئي أن يكونَ الخميني ويحملَ كأس سُمّ التنازلات، بل يُريد أن يكونَ بزشكيان “الكاميكاز” الذي سيتجرّع كأس السّمّ
1- ضمان الولايات المُتّحدة أن لا تصلَ إيران إلى العتبة العسكريّة في برنامجها النّوويّ. إذ سيكون أيّ مُقترحٍ لتخصيب اليورانيوم الإيرانيّ في الخارج، أكانَ في روسيا أو ضمن اتّحادٍ إقليميّ لدول المنطقة، تحت رقابة أميركيّة بالشّراكة مع الوكالة الدّوليّة للطّاقة الذّريّة. وهو ما يعني أنّ إيران لن تتسلّم أيّ شحنة من اليورانيوم المُخصّب على مستوى 3.67% أو 20% أو 60% إلّا وفقَ الكميّة التي تُلبّي الاحتياجات المدنيّة فقط.
2- يتيحُ قبول إيران التخصيب خارج أراضيها أن تُخفّفَ واشنطن من مطالبها المتعلّقة ببرنامج الصّواريخ البالستيّة. ذلكَ أنّ أساس القلق الأميركيّ – الإسرائيليّ من البرنامج الصّاروخيّ لطهران يكمنُ في استخدامه لحمل رؤوسٍ نوويّة. لكنّ تخصيب اليورانيوم خارج إيران يجعل ذلكَ غير ممكنٍ نظريّاً وعمليّاً.
3- لم تعُد إيران تتحمّل الضّغط الاقتصاديّ الدّاخلي المُتزايد بسبب العقوبات الأميركيّة، بالإضافة إلى جدّيّة ترامب باستخدام القوّة العسكريّة لإجبارها على التنازل، فيكونُ حينها التّنازل من دون ضربةٍ أهوَن على النّظام من تقديمه بعد جولةٍ قتاليّة، إذ يُهدّد ذلك تماسكَ النّظام بشكل جدّيّ.
4- حسمت إيران أنّ روسيا لن يكون في مقدورها تغطيتها سياسيّاً، خاصّة أنّ الكرملين يريد أن يكونَ له النّصيب الأكبر من استقبال اليورانيوم على مستوى 60% وما فوق، مع ما يعنيه ذلك من فائدةٍ لموسكو في الطّاقة النّوويّة المدنيّة والعسكريّة. لا تريد موسكو أن تكونَ إيران مُستقلّة بشكلٍ كامل في المجال النّوويّ لتبقى لها الورقة السّياسيّة والماليّة في هذا البرنامج، بحسب ما يؤكّد مصدر روسيّ مسؤول لـ”أساس”.
5- لم يعد أمام إيران مجالٌ للمناورة كما كان يحصل في الأعوام الماضية، خاصّة أنّها فقدَت أكثر أوراق قوّتها السياسيّة والعسكريّة بعد ما حصلَ في لبنان من ضربٍ قاصمٍ لـ”الحزبِ”، وفي غزّة لـ”حماس”، وفي سوريا بعد انهيار نظام بشّار الأسد والرّعب الذي يسيطر على الميليشيات في العراق من أن يُقدم ترامب على ضربِها في بلاد الرّافدَيْن.
ابتعدَ المرشد علي خامنئي عن مشهد المفاوضات ورمى كرة النّارِ بين يدَيْ بزشكيان وعراقجي ومن خلفِ السّتارة محمّد جواد ظريف
اليورانيوم للخارج… مقابل رفع العقوبات؟
أبلغَ ويتكوف عراقجي أنّ ترامب قد يرفع جزءاً وازناً من عقوبات النّفط والأرصدة الماليّة وإصدار بعض الإعفاءات المُؤقّتة لـ3 أشهر في حال بادرت إيران إلى تسليم مخزون اليورانيوم العالي التخصيب إلى روسيا أو أيّ جهةٍ ثالثةٍ. هذا ما وافقَ عليه الرّئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان الذي أعطى التوجيهات بالموافقة على الخطوة والتّفاوض الذي سيكون إمّا في مدينة إسطنبول التّركيّة بين جاريد كوشنير ويتكوف وعراقجي بمشاركة حقّان فيدان. أو في مسقط بمشاركة بدر البوسعيدي.
إقرأ أيضاً: هل يتجرّع خامنئي كأس السُّمّ؟
هكذا ابتعدَ المرشد علي خامنئي عن مشهد المفاوضات ورمى كرة النّارِ بين يدَيْ بزشكيان وعراقجي ومن خلفِ السّتارة مُهندس اتّفاق 2015 محمّد جواد ظريف. لا يريد خامنئي أن يكونَ الخميني ويحملَ كأس سُمّ التنازلات، بل يُريد أن يكونَ بزشكيان “الكاميكاز” الذي سيتجرّع كأس السّمّ. إن نجحَ يكونَ قد أخذ إيران نحوَ النّجاة والشّراكة الاقتصاديّة مع ترامب، وإن فشلَ يكونُ الفشل من نصيب بزشكيان وفريقه، لا من نصيب خامنئي وحرسه الثّوريّ.
لمتابعة الكاتب على X:
