تشكّل زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن محطّة حاسمة أبقت خطوط التواصل مفتوحة على خطّ بيروت- تامبا (فلوريدا)- واشنطن، في ظلّ تسليم القيادة العسكريّة بأنّ خطّة شمال الليطاني تحتاج في كلّ مفاصلها إلى غطاء سياسيّ خطّه الأحمر: منع الصدام مع “الحزب” وبيئته.
يقرّ جميع المعنيّين بأزمة سلاح “الحزب”، وصولاً حتّى ChatGPT، بأنّ التمييز بين جنوب الليطاني وشماله ليس جغرافيّاً بل هو مصطلح سياسيّ وأمنيّ، حتّى إنّه لا تقديرات رسميّة لدى الدولة اللبنانيّة تفيد بالمساحة الجغرافيّة الدقيقة لقطاع شمال الليطاني، ربطاً بامتدادات النهر ومساره في العمق الجنوبيّ. يرى كثيرون أنّ هذا المصطلح “التقسيميّ” استُخدم آنذاك وفق مقياس ما تشكّله البلدات الجنوبيّة من تهديد مباشر للإسرائيليّ، فبقي بعضها خارج تصنيف جنوب الليطاني.
لكنّ المؤكّد أنّ “اليونيفيل” تتعاطى معه كقطاع منفصل عن نطاق عمليّاتها، بدليل أنّ أيّ دوريّة لقوّات الطوارئ الدوليّة لحظة خروجها من جنوب الليطاني ملزمة بالتصريح للجيش اللبنانيّ عن تجاوزها نطاق “ملعبها” العسكريّ، وتنزع علم الـUN عن سيّاراتها وآليّاتها احتراماً لسيادة الدولة اللبنانيّة على أراضيها.
في هذا السياق، تفيد المعلومات بأنّ المخطّط الإسرائيليّ- الأميركيّ لاستبعاد الفرنسيّين و”اليونيفيل” عن أيّ “كادر” عسكريّ وسياسيّ سيَحكم تنفيذ خطّة سحب السلاح شمال الليطاني، وبقاعاً، وشمالاً وفي بيروت، يُقابله ضغط من جانب “اليونيفيل” للإبقاء على دور عسكريّ – أمنيّ – اجتماعيّ – إنمائيّ شمال الليطاني، في المرحلة الفاصلة عن انتهاء ولايتها نهاية العام الجاري، بموجب القرار الدوليّ 2790 الصادر في 28 آب 2025.
تجزم مصادر وزاريّة أنّ قيادة الجيش نأت بنفسها عن تفاصيل عسكريّة كثيرة لدى عرضها خطّتها لحصر السلاح جنوب الليطاني في 5 أيلول الماضي
هذا ما يمكن تحقيقه، وفق مطّلعين، من خلال اتّفاقيّة شبيهة تماماً باتّفاقيّة SOFA (Status of forces agreement) التي نظّمت الوضعيّة القانونيّة والعسكريّة لقوّات “اليونيفيل” جنوب الليطاني، تنفيذاً للقرار 1701، ومن خلال الاتّكاء على القرار الأخير رقم 2790 في بنده العاشر الذي يشير إلى “الطلب من الأمين العامّ للأمم المتّحدة بحلول 1 حزيران 2026، استكشاف خيارات مستقبليّة لتنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب “اليونيفيل”، بما في ذلك خيارت تقديم المساعدة في ما يتعلّق بالأمن ومراقبة الخطّ الأزرق، وسبل تعزيز الدعم لإعادة انتشار القوّات المسلّحة اللبنانيّة جنوب نهر الليطاني من خلال آليّات الأمم المتّحدة”.
فيتو مزدوج
واضح أنّ هذا البند يتحدّث حصراً عن جنوب الليطاني، لكنّه إحدى النوافذ القانونيّة التي سيستند إليها لبنان ودول أوروبيّة كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، للإبقاء على الوجود العسكريّ – الأمنيّ أو دور المراقبة في جنوب لبنان، في ظلّ تسريبات باتت أقرب إلى معطيات مؤكّدة بأنّه مع نهاية ولاية “اليونيفيل” في لبنان لن يكون الإسرائيليّ قد تزحزح متراً واحداً من الأراضي اللبنانيّة، وهو ما قد يستدعي وجوداً أوروبيّاً، يطلبه لبنان بإلحاح، ويُصنّف في سياسات هذه الدول بوصفه “حاجة ماسّة إلى تعزيز الدور والتأثير في مناطق النزاع التي ترتبط بمصالح هذه الدول الخارجيّة”.

وفق المعلومات، يُواجَه الضغط “للبقاء” من جانب “اليونيفيل” التي بدأت تخفّض تدريجاً من عديدها وموظّفيها بعد صدور القرار 2790، بفيتو مزدوج: أميركيّ بالدرجة الأولى، وثانياً رفض تعاون “بيئة الحزب” شمال الليطاني، بعكس جنوبه، مع العلم أنّ عدّة حوادث سُجّلت جنوب الليطاني بعد رفض الأهالي دخول دوريّات لقوّات الطوارئ الدوليّة من دون مواكبة من الجيش اللبنانيّ.
“اليونيفيل” أمام فيتو أميركيّ و”حزبيّ” في العمل شمال الليطاني
إشكاليّة الوجود الأوروبيّ أو الدوليّ على أرض الجنوب، بعد نهاية ولاية “اليونيفيل”، والمحاولة المستمرّة لإيجاد الإطار القانونيّ لهذا الوجود، تترافقان مع معطى داخليّ حسّاس دقيق سيقود، برأي مطّلعين، إمّا إلى تطبيق “سلِس” لخطّة الجيش شمال الليطاني، وإمّا إلى فتح باب أزمة قد تهدّد بقاء الحكومة وتهزّ مسار العهد.
غطاء سياسيّ علنيّ
تجزم مصادر وزاريّة أنّ قيادة الجيش نأت بنفسها عن تفاصيل عسكريّة كثيرة لدى عرضها خطّتها لحصر السلاح جنوب الليطاني في 5 أيلول الماضي، ولن تشذّ عن هذا المسار لدى عرضها قريباً خطّة شمال الليطاني على طاولة الحكومة، بعد عودة العماد هيكل من زيارته للولايات المتّحدة الأميركيّة.
بالتأكيد هذا أداء عسكريّ سليم و”مضبوط” يتناسب مع دقّة المرحلة وخطورتها، ويجزم كثيرون أنّ الكثير من التفاصيل العسكريّة بعد تجربة جنوب الليطاني، ولاحقاً شمال الليطاني، بقي ملك المؤسّسة العسكريّة، ويحتاج بعناوينه العامّة التي ستُعرَض على طاولة مجلس الوزراء إلى غطاء علنيّ وصريح من الحكومة.
فيما لا تنتظر إسرائيل أيّ خطّة، ولا اجتماعات “الميكانيزم”، بل تتكفّل بآلتها الحربيّة بنحر اتّفاق 27 تشرين الثاني، يرتّب لبنان أجندته بما يخدم تنفيذ قرار حصر السلاح، من دون صدام، وبـ”احتواء” ردّة فعل “الحزب”. هناك تفاصيل تقنيّة كثيرة ولوجستيّة مرتبطة بعمل الجيش، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: هناك تسمية حصريّة في الجيش تُعرف بـ”قيادة قطاع جنوب الليطاني” فرضتها مقتضيات تنفيذ القرار 1701 وعمل “اليونيفيل”، ولا مثيل لها في مناطق أخرى، إلّا ما يعرف عسكريّاً بـ”قيادة منطقة”.
إقرأ أيضاً: شمال الليطاني تحت اختبار “عدم التعاون”
لذلك قيادة قطاع جنوب الليطاني الراهنة محصور عملها بهذا القطاع حصراً، ولم تُعرَف حتّى الآن “الهيكليّة العسكريّة” للعمل شمال الليطاني ضمن لجنة “الميكانيزم”، فهل تكون قيادة عسكريّة خاصّة تضمّ المساحة الجغرافيّة الكاملة لخطّة الجيش، خارج قطاع جنوب الليطاني، “الذي أنجزت مرحلته الأولى” وفق تأكيدات الجيش والحكومة، مع العلم أنّ الخطّة مؤلّفة من خمس مراحل.
لمتابعة الكاتب على X:
