“صدمة ترامب”: ماذا يعني اسم “وورش” للدّولار والذّهب؟

مدة القراءة 7 د

لم تمرّ على الدولار والذهب لحظة أكثر مفصليّة من هذه، منذ عام 1971. كانت الأسواق في حالة من الغليان بالفعل، حتّى قبل أن يأتي الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بكيفن وورش ليكون مرشّحه لرئاسة مجلس الاحتياطيّ الفدراليّ، فيرتفع الدولار، ويسجّل الذهب أسوأ أداء يوميّ منذ 43 عاماً.

 

لا يُدرك كثيرون كم يؤثّر رئيس الاحتياطيّ الفدراليّ في حياة البشريّة. كلّ من الذين تعاقبوا على المنصب في السنوات الخمسين الماضية كان لهم أثر مباشر في ثروات الناس ومدّخراتهم، وتكلفة شراء المنزل والسيّارة، وثمن مجوهرات النساء. لولا سياسة آرثر بيرنز الخاضعة لسلطان الرئيس ريتشارد نيكسون في مطلع السبعينيّات، لم يكن الدولار ليفقد قيمته أمام الذهب بذلك الشكل الدراميّ على مدى عقود.

أتى بعده بول فولكر ليتحدّى الرئيس رونالد ريغان في الثمانينيّات بسياسة الفائدة المرتفعة لكسر حلقة التضخّم، ثمّ أتى آلان غرينسبان بسياسة المرونة المفرطة، فكانت فقاعة “الدوت كوم” في التسعينيّات والتهيئة لفقاعة الائتمان في 2008. خلّف من بعده بن برنانكي سياسة التيسير النقديّ (طباعة الأموال) والفائدة الصفريّة لمواجهة الأزمة الماليّة العالميّة، لكنّه أسّس لعقدين من السيولة الرخيصة وانتعاش أسعار الأصول.

لماذا اختار وورش؟

المحيّر في اختيار وورش أنّ الرجل ليس دميةً بيد ترامب، ولا هو مؤيّد صريح لسياساته الاقتصاديّة والنقديّة، ولا هو متساهلٌ في استقلاليّة “الاحتياطيّ الفدراليّ” عن البيت الأبيض. مع ذلك، اختاره ترامب وحدّد مسبقاً ما الذي ينتظره منه: خفض الفائدة ثمّ خفض الفائدة ثمّ خفض الفائدة.

قد تكون هذه النقطة الوحيدة المشتركة (بحذر) بين أفكار وورش وأجندة ترامب، لكنّهما يكادان يختلفان في كلّ ما عدا ذلك. يأتي وورش من خلفيّة متشدّدة في مواجهة التضخّم، وهذا ما لا يحبّذه ترامب، ومن سجّل طويل في معارضة طباعة الدولارات لتمويل الإنفاق الحكوميّ المفرط.

من المستغرب أن يأتي ترامب برجلٍ يريد إغلاق “حنفيّة” الدولارات عن الحكومة

كان وورش شابّاً مجتهداً في الخامسة والثلاثين حين أصبح أصغر عضو في مجلس الاحتياطيّ الفدراليّ لأوّل مرّة عام 2006، وعمل لسنين مساعداً مقرّباً لبرنانكي، لكنّه استقال عام 2011 لتسجيل اعتراضه الفكريّ على التوسّع المفرط في عمليّات التيسير النقديّ، وتحوّلها من إجراء طارئ إلى سياسة دائمة تضعف الانضباط النقديّ، وتسخّر البنك المركزيّ في تمويل الحكومة.

في حديثه أمام “منتدى ريغان الوطنيّ الاقتصاديّ” في أيّار 2025، طرح وورش برنامجاً واضح المعالم للتغييرات الجذريّة التي يرى وجوب إدخالها في سياسة “الاحتياطيّ الفدراليّ”. ربّما أهمّها وأكثرها حساسيّة أنّه مقتنع بشدّة بأنّ على البنك المركزي أن يتوقّف عن شراء سندات الخزانة الأميركيّة، وأنّ عليه أن يخفّض ميزانيّته بشدّة، أي أن يبيع الكثير ممّا لديه من السندات. قال حينها إنّ إنفاق الحكومة الأميركيّة ارتفع بنسبة 60% عمّا كان عليه قبل جائحة كورونا بسبب الدعم الذي يقدّمه البنك المركزيّ لهذا الإنفاق، وإنّ ذلك يجب أن يتوقّف.

الذهب

من المستغرب أن يأتي ترامب برجلٍ يريد إغلاق “حنفيّة” الدولارات عن الحكومة. بل إنّ موقف وورش يصعّب على إدارة ترامب تنفيذ سياسته الماليّة القائمة على خفض الضرائب والتوسّع في مشاريع البنى التحتيّة. تتطلّب تلك السياسة طرح المزيد من السندات لتمويل العجز. حين يكون البنك المركزيّ في موقع البائع للسندات يصبح الأمر أكثر صعوبة.

لكنّ الأسواق ترى في هذا الموقف ما يدعم الدولار مستقبلاً، وهنا بيت القصيد في النقاش الدائر حول التحوّلات الكبرى في السياسة النقديّة الأميركيّة في عهد ترامب.

تحوّلان مفصليّان

مرّت علاقة الدولار بالذهب بتحوّلين مفصليَّين في آخر 150 سنة:

التحوّل الأوّل عندما صار الدولار عملة عالميّة مدعومة بالذهب، بموجب اتّفاقيّة بريتون وودز عام 1944. حينها كان اقتناء 35 دولاراً يعادل اقتناء أونصة ذهب واحدة. هكذا وضعت الدول ذهبها في الخزائن الأميركيّة وأخذت الدولارات بدلاً منه. تراكم الذهب في الخزائن الأميركيّة إلى أن وصل إلى 22 ألف طن.

برزت الإشكاليّة الكبرى حين بدأت الدول الكبرى تشحن الدولارات إلى أميركا وتطلب رصيدها من الذهب

لكن بعد ذلك برزت الإشكاليّة الكبرى حين بدأت الدول الكبرى تشحن الدولارات إلى أميركا وتطلب رصيدها من الذهب. عام 1965، خرج الرئيس الفرنسيّ شارل ديغول بخطاب شهير هاجم فيه الدولار، وأعلن سياسة العودة إلى الذهب كمرجعيّة نقديّة “حقيقيّة”، وما لبث أن بدأ بإرسال السفن الحربيّة محمّلة بالدولارات إلى نيويورك، لتعود محمّلة بالسبائك الذهبيّة. سرعان ما حذت حذوه ألمانيا الغربيّة وإيطاليا وسويسرا وغيرها، ليهوي مخزون أميركا من الذهب إلى ثمانية آلاف طن في مطلع السبعينيّات.

أتى التحوّل الثاني في آب 1971، حين خرج الرئيس الأميركيّ ريتشارد نيكسون في خطاب تلفزيونيّ، اشتهر باسم “صدمة نيكسون”، ليعلن من طرف واحدٍ تمزيق التعهّد الذي تقدّمت به بلاده في بريتون وودز قبل 27 عاماً، ويعلّق قابليّة تحويل الدولار إلى ذهب، قبل أن يلغي الاتّفاقيّة نهائيّاً عام 1973.

حدث في السبعينيّات أمرٌ مهمّ أيضاً، وهو إعادة تسعير الذهب في دفاتر وزارة الخزانة الأميركيّة عند 42.22 دولار لكلّ أونصة، بدلاً من 35 دولاراً. ما يزال هذا السعر ثابتاً حتّى اليوم.  بدأ الحديث عن إمكانيّة إعادة تسعيره ليعكس تطوّرات السوق. منذ ذلك الحين، فقد الدولار أكثر من 99% من قيمته مقابل الذهب.

المهمّ أنّه مع كلّ تلك التطوّرات، ظلّ الدولار العملة المهيمنة على النظام العالميّ، في التجارة وفي احتياطيّات البنوك المركزيّة، وفي تداولات أسواق الصرف الأجنبيّ. السبب بغاية البساطة: عدم وجود بديل.

الدّولار اللّاعب الوحيد

الفكرة هنا ببساطة أنّه ما دام الدولار اللاعب الوحيد في الساحة، فبإمكان أميركا أن تخفض قيمته لتعزيز تنافسيّة اقتصادها وقيمة عجزها وديونها. ما حدث عام 1985 يجسّد تلك الفكرة تماماً. في النصف الأوّل من عقد الثمانينيّات، بلغ التضخّم ذروته، وواجه الاحتياطيّ الفدراليّ ذلك برفع الفائدة إلى مستويات تجاوزت 20%، فتدفّقت الأموال إلى السندات الأميركيّة، وارتفع الدولار بشكل كبير، وتفاقم عبء الديون الأميركيّة نتيجة مزيج من ارتفاع العملة وارتفاع الفوائد.

لم تمرّ على الدولار والذهب لحظة أكثر مفصليّة من هذه، منذ عام 1971. كانت الأسواق في حالة من الغليان بالفعل، حتّى قبل أن يأتي ترامب

بعد ذلك، جمعت إدارة ريغان الدول الخمس الكبرى في فندق بلازا في نيويورك، وأجبرتها على رفع عملاتها مقابل الدولار عبر تدخّل منسّق في أسواق الصرف، الأمر الذي عُرِف باسم “اتّفاقيّة بلازا”.

منذ أن عاد ترامب إلى البيت الأبيض، تدور التكهّنات حول رغبته بإبرام “بلازا 2.0″، أو ما قد يُعرف باسم “اتّفاقيّة مارالاغو”، في إشارة إلى اسم منتجعه الخاصّ في فلوريدا. أي أنّ ترامب ربّما يجبر الدول الأخرى على رفع أسعار عملاتها مقابل الدولار مجدّداً. كان هذا سبباً رئيساً لتراجع الدولار بنحو 10% العام الماضي، وجنون أسعار الذهب والفضّة.

مع تسمية وورش لرئاسة الفيدراليّ تختلط الأوراق. الرجل معارضٌ علناً للاستمرار في سياسات التيسير الكمّيّ، وهو ذو حساسيّة من التضخّم. ما الذي اتّفق عليه مع إدارة ترامب؟

الورقة المخفيّة

قد تكون الورقة المخفيّة هي “صدمة ترامب” المقبلة، على غرار “صدمة نيكسون”، وقد تكون في أحد أمرين:

1- عمليّة كبرى لإعادة تسعير الدولار، على غرار “اتّفاقيّة بلازا”.

2- إعادة تسعير أونصة الذهب في دفاتر وزارة الخزانة من 42 دولاراً إلى مئة ضعف هذا الرقم أو أكثر. وبالتالي فإنّ الـ8,133 طن التي تملكها الخزانة الأميركيّة يمكن أن ترتفع قيمتها الدفتريّة من 11 مليار دولار إلى أكثر من تريليون دولار!

إقرأ أيضاً: جنون الذّهب وسقوط الدّولار: الكلّ “يبيع أميركا”

الخطوتان، أو إحداهما على الأقلّ، قد تكونان ضروريّتين لتعويض أثر التحوّل المرتقب في سياسة الاحتياطيّ الفدراليّ نحو تقليص حجم الميزانيّة وبيع السندات الحكوميّة. كلتاهما تعنيان تراجعاً إضافيّاً لسعر الدولار، وعودة أكبر لأهميّة الذهب في النظام النقديّ العالميّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@OAlladan

مواضيع ذات صلة

ليست مهمّة مصرف لبنان سداد الودائع

وصف وزير الاقتصاد عامر البساط في مطالعته للأسباب التي توجب إقرار مشروع قانون الفجوة الماليّة (الانتظام الماليّ وإعادة الودائع) في مجلس النوّاب، أنّه “المسار الواقعيّ…

قانون الفجوة: في العجَلة السّلامة؟

الاعتراف بالمشكلة هو أوّل طريق الحلّ. مرّ وقتٌ طويل قبل أن تعترف الدولة اللبنانيّة بالأزمة المصرفيّة التي انفجرت قبل ستّ سنوات، وتُقِرّ بحجمها عبر إقرار…

فلتُفتَح الأبوابُ أمام المصارف الخارجيّة

على الرغم من الضجيج الذي يملأ الساحات حول مشروع قانون الانتظام الماليّ، سيكتشف اللبنانيّون، بكلّ أسف، أنّ هذا القانون الذي طال انتظاره لم يعد كافياً…

نقل معاكس للثروة: استعادة 30% من القروض المسددة بالليرة

سيظل النقاش ساخناً حول معادلة إعادة الودائع التي حملها مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، حتى بعد إقراره في مجلس الوزراء، لكن الجديد في النسخة…